غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿يمكرون﴾ بياء الغيبة : سهل وروح. الباقون : بالتاء الفوقانية. ﴿ينشركم﴾ النون : ابن عامر ويزيد. الباقون ﴿يسيركم﴾ من التسيير ﴿متاع﴾ بالنصب : حفص والمفضل. الباقون بالرفع ﴿قطعاً﴾ بسكون الطاء : ابن كثير وعلي وسهل ويعقوب. والآخرون بفتحها ﴿تتلو﴾ بتاءين من التلاوة : حمزة وعلي وخلف وروح، وروي عن عاصم ﴿نبلو﴾ بالنون ثم الباء الموحدة. ﴿كل نفس﴾ بالنصب الباقون : بتاء التأنيث ﴿كل﴾ بالرفع.
الوقوف :﴿آياتنا﴾ ط ﴿مكراً﴾ ط، ﴿تمكرون﴾ ه ﴿والبحر﴾ ط ﴿في الفلك﴾ ج ط للعدول مع أن جواب «إذا» منتظر، ﴿أحيط بهم﴾ لا لأن قوله :﴿دعوا﴾ بدل من ﴿ظنوا﴾ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو متلبس به، وإن جعل ﴿دعوا﴾ جواباً عن سؤال سائل فما صنعوا كان للوقف وجه. ﴿الدين﴾ ج لاحتمال إضمار القول وجعل الدعاء في معنى القول ﴿الشاكرين﴾ ه ﴿بغير الحق﴾ ط. ﴿على أنفسكم﴾ ط، إلا لمن جعله متعلقاً بـ ﴿بغيكم﴾ ﴿تعملون﴾ ه ﴿الأنعام﴾ ط ﴿عليها﴾ لا لأن ما بعده جواب «إذا». ﴿بالأمس﴾ ط ﴿يتفكرون﴾ ه ﴿السلام﴾ ط ﴿مستقيم﴾ ه ﴿وزيادة﴾ ط ﴿ولا ذلة﴾ ط، ﴿الجنة﴾ ج ط ﴿خالدون﴾ ه ﴿بمثلها﴾ لا لأن قوله ﴿وترهقهم﴾ معطوف على محذوف أي يلزمهم جزاء سيئة وترهقهم ذلة. ﴿عاصم﴾ ج ط لأن الكاف لا يتعلق بـ ﴿عاصم﴾ مع تعلقها بذلة قبله معنىً، لأن رهق الذلة سواد الوجه المعبر عنه بقوله كأنما ﴿مظلماً﴾ ط ﴿أصحاب النار﴾ ج ط ﴿خالدون﴾ ه ﴿وشركاؤكم﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿تعبدون﴾ ه ﴿لغافلين﴾ ه ﴿يفترون﴾ ه.
ثم ضرب لأجل ما وصفهم به مثالاً حتى ينكشف المقصود تمام الانكشاف فقال :﴿هو الذي يسيركم﴾ ومن قرأ ﴿ينشركم﴾ فكقوله :﴿فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] قال بعض العلماء : المسير في البحر هو الله سبحانه وتعالى، وأما في البر فالمراد من التسيير التمكين والإقدار. والحق أن جميع الأفعال والحركات مستندة إلى إحداث الله تعالى، غاية ذلك أن آثار إقداره وإحداثه في البحر أظهر كما مر في تفسير قوله :﴿والفلك التي تجري في البحر﴾ [البقرة: ١٦٤] قال القفال : هو الله الهادي لكم إلى السير في البحر طلباً للمعاش، وهو المسير لكم لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير. وحتى لانتهاء الغاية والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة : أولها الكون في الفلك، وثانيها جري الفلك بهم بالريح الطيبة، والضمير في ﴿جرين﴾ للفلك على أنها جمع كما مر. وثالثها فرحهم بها. والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة أيضاً : أوّلها ﴿جاءتها﴾ أي الفلك أو الريح الطيبة تلتها ريح عاصف ذات عصوف كلابن لذات اللبن، أو لأن لفظ الريح مذكر والعصوف شدة هبوب الريح. وثانيها ﴿وجاءهم الموج من كل مكان﴾ أي من جميع جوانب أحياز الفلك، والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر. وثالثها ﴿وظنوا أنهم أحيط بهم﴾ أي غلب على ظنونهم الهلاك. وأصله أن العدوّ إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا من البوار، فجعل إحاطة العدوّ بالشخص مثلاً في الهلاك. وقرئ ﴿في الفلكي﴾ والياء زائدة كما في «الأحمري » أو أريد به الماء الغمر الذي لا تجري الفلك إلا فيه. قال في الكشاف : وإنما التفت في قوله :﴿وجرين بهم﴾ إلى آخره من الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح. وقال الإمام فخر الدين الرازي : الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذه الآية دليل المقت والتبعيد كما أن عكس ذلك في قوله :﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥] دليل الرضا والتقريب. قلت : هذا وجه حسن. أما قوله :﴿دعوا الله مخلصين﴾ فقد قال ابن عباس : تركوا الشرك ولم يشركوا به من آلهتهم شيئاً، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية. وقال الحسن : ليس هذا إخلاص الإيمان لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ذلك جارياً مجرى الإيمان الاضطراري. وقال ابن زيد : هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضر والألم لم يدعوا إلا الله. وعن أبي عبيدة : أن المراد من ذلك الدعاء قولهم :«أهيا شراهياً » تفسيره «يا حي يا قيوم » يحكى أن رجلاً قال لجعفر الصادق رضي الله عنه : ما الدليل على إثبات الصانع ؟ فقال : أخبرني عن حرفتك. فقال : التجارة في البحر قال : صف لي كيف حالك ؟ فقال : ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح من ألواحها وجاءت الرياح العاصفة. قال جعفر الصادق رضي الله عنه : هل وجدت في قلبك تضرعاً ؟ فقال : نعم. قال جعفر : فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت. ﴿لئن أنجيتنا من هذه﴾ الشدة كما مر في الأنعام.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وإذا أذقنا الناس﴾ ذوق توبة وإنابة أو ذوق كشف وشهود ﴿من بعد ضراء﴾ وهي الفسوق والأخلاق الذميمة وحجب الأوصاف ﴿إذا لهم مكر في آياتنا﴾ بإظهارها إلى غير أهلها بشرف النفس وطلب الجاه والقبول. ﴿قل الله أسرع مكراً﴾ فيستدرجهم عن تلك المقامات إلى دركات البعد ﴿من حيث لا يشعرون﴾ ﴿هو الذي يسيركم﴾ في بر البشرية وبحر الروحانية، أو في بر العبودية وبحر الربوبية ﴿حتى إذا كنتم﴾ في فلك جذبات العناية ﴿وجرين بهم﴾ بهبوب نسيم شهود الجمال ﴿وفرحوا﴾ بالوصول والوصال ﴿جاءتها﴾ نكباء تجلى صفات الجلال ﴿وجاءهم﴾ موج البلاء والمحن من أماكن النعم والبلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿فلما أنجاهم﴾ فيه إشارة إلى أن أرباب الطلب لما وصلوا بجذبات الحق إلى شهود الجمال واستغراق لجج بحر الجلال، استقبلتهم عواصف العزة والكبرياء فيستدرجهم إلى البغي وهو الطلب في أرض ما سوى الحق غير الحق ﴿كماء أنزلناه﴾ من سماء القلب إلى أرض البشرية ﴿فاختلط به﴾ الصفات المولدة من أرض البشرية ﴿مما يأكل الناس والأنعام﴾ من الصفات الحميدة الإنسانية والذميمة البهيمية ﴿أتاها﴾ حكمنا الأزلي ﴿ليلاً﴾ عند استيلاء ظلمات صفات النفس ﴿أو نهاراً﴾ عند بقاء ضوء الفيض الروحاني، لكنه بامتزاج القوة الخيالية والوهمية وقع في ورطة العقائد الباطلة كما لبعض الفلاسفة والمبتدعة. ﴿والله يدعوا إلى دار السلام﴾ وهي مقام الفناء لأن صاحبه يسلم عن آفات الحجب أو مقام العلم والمعرفة لأن صاحبه يسلم عن آفة الأثنينية والجهالة ﴿ويهدي من يشاء﴾ بجذبات العناية ﴿إلى صراط مستقيم﴾ يؤدي إلى السير بالله في الله. ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، والحسنى هي شواهد الحق والنظر إليه، والزيادة الجنة وما فيها من النعيم أو هي ما زاد على النظر من إفناء الناسوتية في اللاهوتية والله ولي التوفيق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى