اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿والذين كَسَبُواْ السيئات﴾ الآية.
لمَّا شرح حال المسلمين، شرح بعدهُ حال المُسيئين.
قوله :﴿والذين كَسَبُواْ﴾ : فيه سبعةُ أوجه :
أحدها : أن يكون " والذين " : نسقاً على " لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ "، أي : لِلَّذينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى، والذين كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جزاءُ سيِّئةٍ بمثلها، فيتعادل التَّقسيم، كقولك : في الدَّار زيد، والحجرة عمرٌو، وهذا يسمِّيه النحويُّون : عطفاً على معمولي عاملين، وفيه ثلاثة مذاهب :
أحدها : الجواز مطلقاً، وهو قول الفرَّاء.
والثاني : المنعُ مطلقاً، وهو مذهبُ سيبويه.
الثالث : التفصيل بين أن يتقدَّم الجارُّ نحو : في الدَّار زيدٌ، والحجرة عمرو، فيجوز، أو لا، فيمتنع نحو : إن زيداً في الدَّار، وعمراً في القصر، أي : وإنَّ عمراً في القصر، وسيبويه وأتباعهُ يُخَرِّجُون ما ورد منه على إضمار الجارِّ، كقوله - تعالى - :﴿واختلاف الليل والنهار وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرياح آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥] بنصب " آيَات " في قراءة الأخوين، على ما سيأتي ؛ كقوله :[ المتقارب ]
أكُلَّ امرىءٍ تَحْسَبينَ امْرَأونَارٍ توقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا(١)
وقول الآخر :[ الرجز ]
أوْصَيْتَ مَنْ تَوَّه قَلْباً حُرّاًبالكَلْبِ خَيْراً والحَمَاةِ شَرًّا(٢)
وسيأتي لهذا مزيد بيان - إن شاء الله -، وممَّن ذهب إلى أنَّ هذا الموصول مجرورٌ عطفاً على الموصول قبله : ابن عطيَّة، وأبو القاسم الزمخشري.
الثاني : أن " الَّذينَ " مبتدأ، و " جَزَآءُ سَيِّئَةٍ " مبتدأ ثانٍ، وخبره " بمثلها "، والباء فيه زائدةٌ، أي : وجزاءُ سيئةٍ مثلها، كقوله - تعالى - :﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] كما زيدتْ في الخبرِ، كقوله :[ الوافر ]
فَلاَ تَطْمَعْ - أبَيْتَ اللَّعنَ - فيهاومنْعُكُهَا بشيءٍ يُسْتَطَاعُ(٣)
أي : شيء يُستطاع.
وكقول امرئ القيس :[ الطويل ]
فإنْ عنْهَا حِقْبَةً لا تُلاقِهَافإنَّكَ ممَّا أحْدَثَتْ بالمُجَرِّبِ(٤)
أي : المُجرِّب، وهذا قولُ ابن كيسان في الآية.
الثالث : أنَّ الباء ليست بزائدةٍ، والتقدير : مقدَّر بمثلها، والمبتدأ الثاني وخبرُهُ خَبَرٌ عن الأول.
والرابع : أنَّ خبر " جزاء سيَّئةٍ " محذوفٌ، فقدَّرهُ الحُوفيُّ بقوله :" لهم جزاءُ سيئة "، قال : ودلَّ على تقدير " لَهُمْ "، قوله :﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى﴾ حتى تتشاكل هذه بهذه، وقدَّرهُ أبو البقاء : جزاءُ سيِّئة مثلها واقع، وهُو وخبرُهُ أيضاً خبرٌ عن الأول، وعلى هذين التقديرين، فالباء متعلقةٌ بنفس " جزاءُ " ؛ لأنَّ هذه المادَّة تتعدَّى بالباءِ، قال - تعالى - :﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ﴾ [سبأ: ١٧]، ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الإنسان: ١٢] إلى غير ذلك.
فإن قلت : أين الرَّابطُ بين هذه الجملة، والموصول الذي هو المبتدأ.
قلت : على تقدير الحوفيُّ، هو الضمرُ المجرور باللاَّم المقدَّر خبراً، وعلى تقدير أبي البقاء : هو محذوفٌ، تقديره : جزاءُ سيئة بمثلها منهُم واقعٌ، نحو :" السَّمْنُ منوانِ بدرهم "، وهو حذفٌ مُطَّرِد، لما عرف.
الخامس : أن يكون الخبرُ، الجملة المنفيَّة من قوله :﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾، ويكون " مِنْ عَاصمٍ " إمَّا فاعلاً بالجارِّ قبله ؛ لاعتماده على النَّفي، وإمَّا مبتدأ، وخبرُه الجارُّ مقدماً عليه، و " مِنْ " مزيدة فيه على كلا القولين، و " مِنَ الله " متعلِّق ب " عَاصِم "، وعلى كون هذه الجملة خبر الموصول يكون قد فصل بين المبتدأ وخبره بجملتي اعتراضٍ، وفي ذلك خلافٌ عن الفارسيِّ تقدَّم التنبيهُ عليه، وما استدلَّ به عليه.
السادس : أنَّ الخبر هو الجملةُ التشبيهيَّة، من قوله :﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾، و " كأنَّما " حرف مكفوف، و " مَا " هذه زائدة، تُسمَّى كافَّة ومُهيئة، وتقدَّم ذلك [البقرة: ١١]. وعلى هذا الوجه، فيكون قد فصل بين المبتدأ وخبره بثلاث جمل اعتراضٍ.
السابع : أنَّ الخبر هو الجملة من قوله :﴿أولئك أَصْحَابُ النار﴾، وعلى هذا القول، فيكون قد فصل بأربع جمل معترضة.
وهي :﴿جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾.
والثانية :﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾.
والثالثة :﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾.
الرابعة :﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ﴾، وينبغي أن لا يجُوزَ الفصل بثلاث جُمل فضلاً عن أربع.
قوله :" وَتَرْهَقُهمْ " فيها وجهان :
أحدهما : أنَّها في محلِّ نصب على الحال، ولم يُبيِّنْ أبو البقاء صاحبها، وصاحبها هو الموصولُ أو ضميره، وفيه ضعفٌ ؛ لمباشرته الواو، إلاَّ أنْ يجعل خبر مبتدأ محذوف.
الثاني : أنَّها معطوفةٌ على " كَسَبُوا ".
قال أبو البقاء : وهو ضعيفٌ ؛ لأنَّ المستقبل لا يعطفُ على الماضي، فإن قيل : هو بمعنى الماضي فضعيفٌ جداً، وقرئ(٥) :" ويرْهَقُهمْ " بالياء من تحت ؛ لأنَّ تأنيثها مجازيٌّ.
قوله :" قطعاً " قرأ ابنُ كثير(٦)، والكسائي، " قِطْعاً " بسكون الطاء، والباقون بفتحها :" فأمَّا القراءة الأولى فاختلفت عبارات النَّاس فيها : فقال أهل اللغة :" القِطْع " : ظُلْمَة آخر الليل.
وقال الأخفش في قوله :﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ [الحجر: ٦٥] بسواد من الليل، وقال بعضهم :" طائف من الليل "، وأنشد الأخفش :
افتحي الباب فانظري في النجومِكم علينا من قطعِ ليلٍ بهيم
وأمَّا قراءةُ الباقين فجمعُ " قطعة " نحو : دِمْنة ودِمَن، وكِسْرة وكِسَر وعلى القراءتين يختلف إعراب " مظلماً "، فإنه على قراءة الكسائي وابن كثير يجوز أن يكون نعتاً ل " قِطْعاً "، ووصف بذلك مبالغة في وصف وجوههم بالسواد، ويجوز أن يكون حالاً ففيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه حالٌ من " قِطْعاً "، وجاز ذلك لتخصُّصه بالوصف بالجارِّ بعده وهو " من الليل ".
والثاني : أنه حالٌ من " الليل ".
والثالث : أنه حالٌ من الضمير المستتر في الجارِّ لوقوعه صفة.
قال الزمخشري : فإن قلت : إذا جعلت " مظلماً " حالاً من " الليل " فما العاملُ فيه ؟ قلت : لا يخلو : إما أن يكون " أغْشِيَتْ " من قبل أنَّ " من الليل " صفةٌ لقوله :" قِطْعاً "، وكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة، وإما أن يكون معنى الفعل في " من الليل ". قال أبو حيان :" أمَّا الوجه الأول فهو بعيدٌ لأنَّ الأصل أن يكون العاملُ في الحال هو العامل في ذي الحال، والعاملُ في " من الليل " هو الاستقرار، و " أغْشِيَتْ " عاملٌ في قوله :" قطعاً " الموصوف بقوله :" من الليل " فاختلفا، فلذلك كان الوجهُ الأخير أولى، أي : قطعاً مستقرة من الليل، أو كائنة من الليل في حال إظلامه ".
وقال شهاب الدِّين : ولا يعني الزمخشري بقوله :" إنَّ العامل أغْشِيَتْ "، إلاَّ أن الموصوف، وهو " قِطْعاً " معمول ل " أغْشِيَتْ "، والعامل في الموصوف هو عاملٌ في الصِّفة.
قال شهاب الدين : والصِّفةُ هي " مِنَ الليل " فهي معمولةٌ ل " أغْشِيَتْ "، وهي صاحبةُ الحال، والعامل في الحالِ هو العاملُ في ذي الحال، فجاء من ذلك أنَّ العامل في الحال هو العاملُ في صاحبها بهذه الطريقة، ويجوز أن يكون " قِطْعاً " : جمع قِطْعَة، أي : اسم جنسٍ لها، فيجُوزُ حينئذٍ وصفُه بالتَّذكير، نحو :﴿نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، والتأنيث، نحو :﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧].
وأمَّا قراءة الباقين، فقال مكِّي، وغيره : إنَّ " مظلماً " حالٌ من " اللَّيْلِ " فقط، ولا يجوز أن يكون صفة ل " قِطعاً "، ولا حالاً منه، ولا من الضمير في " مِنَ اللَّيل " ؛ لأنَّه كان يجبُ أن يقال فيه : مظلمةٌ، يعنُون : أنَّ الموصوف حينئذ جمعٌ، وكذا صاحب الحال، فتجب المطابقةُ. وأجاز بعضهم ما منعهُ هؤلاء، وقالوا : جَازَ ذلك ؛ لأنَّه في معنى الكثير، وهذا فيه تعسُّفٌ.
وقرأ أبيٌّ(٧) " يَغْشَى وجوههم قطع " بالرفع، و " مُظْلمٌ "، وقرأ ابن أبي(٨) عبلة كذلك، إلاَّ أنَّه فتح الطَّاء. وإذا جعلتَ " مُظْلماً "، نعتاً ل " قِطْعاً "، فتكون قد قدَّمتَ النَّعْتَ غير الصَّريح على الصَّريح.
قال ابن عطيَّة(٩) : فإذا كان نعتاً - يعني : مُظلماً : نعتاً لقطع - فكان حقه أن يكون قبل الجملة، ولكن قد يجيء بعد هذا، وتقدير الجملة : قطعاً استقرَّ مظلماً، على نحو قوله :﴿وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢].
قال أبو حيَّان(١٠) :" ولا يتعيَّن تقدير العامل في المجرور بالفعل، فيكون جملة، بل الظاهرُ تقديره باسم الفاعل، فيكون من قبيل الوصف بالمفرد، والتقدير : قطعاً كائناً من اللَّيل مُظْلِماً ".
قال شهاب الدِّين(١١) :" المحذُورُ تقديمُ غير الصَّريح على الصَّريح، ولو كان مُقدَّراً بمفرد "، و " قِطَعاً " : منصوبٌ ب " أغْشِيتْ "، مفعولاً ثانياً.

فصل


المعنى :﴿والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ ؛ لقوله :﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
والفرق بين الحسنات والسيئات : أنَّه إذا زاد في الحسنات يكون تفضُّلاً، وذلك حسن، وفيه ترغيبٌ في الطَّاعة، وأمَّا الزِّيادة على قدر الاستحقاق على السيئات، فهو ظلمٌ، والله منزله عنه، ثم قال :﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي : هوانٌ وتحقير ﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي : ما لهم عاصمٌ من الله في الدُّنيا، ولا في الآخرة، ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أي : أُلْبِسَتْ وجوههم، ﴿قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً﴾ والمراد : سوادُ الوجه.
وقال حكماء الإسلام : المرادُ من هذا السَّواد، سوادُ الجَهْل، وظلمةُ الضَّلالة، فإنَّ العلم طبعه طبع النُّور، والجهل طبعُه طبع الظُّلْمَة.
قيل : المراد بقوله :﴿والذين كَسَبُواْ السيئات﴾ : الكفار ؛ لأن سواد الوجه من علامات الكفر، قال تعالى :﴿فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقال :﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة﴾ [عبس: ٤٠-٤٢].
وقال القاضي :﴿والذين كَسَبُواْ السيئات﴾ عامٌّ يتناول الكافر، والفاسق، وأجيبُ : بأن الصيغة وإن كانت عامَّة، إلاَّ أن الدلائل التي ذكرناها مخصِّصة، ثم قال :﴿أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
١ تقدم..
٢ البيتان لأبي النجم العجلي. ينظر: معاهد التنصيص ١/٢٢ والعقد الفريد ٣١٩ والمسائل العسكرية ١٦٣ والدر المصون ٤/٢٤..
٣ البيت لعبيدة بن ربيعة في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٢١١ ولرجل من تميم في تخليص الشواهد ص ٨٩ وشرح ديوان الحماسة ٣/١٤٦٨ والأشموني ١/١١٨ والدر المصون ٤/٢٤ وله أو لعبيدة بن ربيعة في خزانة الأدب ٥/٢٦٧، ٢٩٩ ولرجل من تميم أو لقحيف العجلي في شرح شواهد المغني ١/٣٣٨ والمقاصد النحوية ١/٣٠٢ وبلا نسبة في الجنى الداني ص ٥٥ ورصف المباني ص ١٥٠ والمغني ١/١١٠..
٤ تقدم..
٥ ينظر: الدر المصون ٤/٢٥..
٦ ينظر: السبعة ص (٣٢٥)، الحجة ٤/٢٦٨-٢٦٩، حجة القراءات ص(٣٣٠)، إعراب القراءات ١/٢٦٧، إتحاف ٢/١٠٨..
٧ ينظر: الكشاف ٢/٣٤٣، المحرر الوجيز ٣/١١٦، البحر المحيط ٥/١٥٢، الدر المصون ٤/٢٥..
٨ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١١٦، البحر المحيط ٥/١٥٢، الدر المصون ٤/٢٥..
٩ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١١٦..
١٠ ينظر: البحر المحيط ٥/١٥٢..
١١ ينظر: الدر المصون ٤/٢٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى