البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم ذكر أضدادهم، فقال :
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الْلَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
قلت :( والذين ) : مبتدأ على حذف مضاف، أي : جزاء الذين كسبوا، ( وجزاء ) : خبر، أو على تقدير " لهم " أو معطوف على ( للذين أحسنوا ) على مذهب من يُجوز : في الدار زيد والحجرةِ عمرو. أو ( جزاء ) : مبتدأ، و( بمثلها ) : خبر، والجملة حينئذٍ كبرى. ومن قرأ ( قِطعَاً ) بفتح الطاء فجمع قطيع، وهو مفعول ثان، و( مظلماً ) : حال من الليل، ومن قرأ ( قِطعَاً ) بالسكون فمصدر، و( مظلماً ) نعت له، أو حال منه أو من الليل.
يقول الحق جل جلاله :﴿والذين كسَبوا السيئات﴾ كالكفر والشرك، وما يتبعهما من المعاصي، جزاؤهم ﴿سيئة بمثلها﴾ لا يزاد عليها، فلا تضاعف سيئاتهم، عدلاً منه سبحانه، ﴿وترهقُهم ذِلةٌ﴾ أي : هوان عند حشرهم للنار، ﴿ما لهم من الله من عاصم﴾ يعصمهم من عذاب الله وغضبه، ﴿كأنما أُغشيَت وجوهُهُم قِطعَاً من الليل مظلماً﴾، أي : يحشرون مسودة وجوههم، كأنما أُكْسِيَتْ وجوههم قطْعاً كثيرة من الليل المظلم، أو قطْعاً مظلماً من الليل ﴿أولئك أصحابُ النار هم فيها خالدون﴾.
قال البيضاوي : هذا مما يحتج به الوعيدية يعني المعتزلة في تخليد العصاة. والجواب : أن الآية في الكفار ؛ لاشتمال السيئات على الكفر والشرك، ولأن الذين أحسنوا يتناول الكثير من أهل القبلة، فلا يتناوله قسيمُه. ه.
الإشارة : جزاء المعاصي البُعد والهوان، وتسْويد وجوه القلوب والأبدان، كما أن جزاء الطاعة التقريب والإبرار، وتنوير وجوه القلوب والأسرار والإحسان، وفي ذلك يقول ابن النحوي في منفرجته :
وَمَعَاصِي اللَّهِ سَماجَتُهاتَزَدَانُ لِذي الخُلْقِ السَّمِج
وَلِطَاعَتِه وَصَبَاحَتِهَاأنْوارُ صَبَاحٍ مُنْبَلِجِ
قيل لبعض الصالحين : ما بال المجتهدين من أحسن الناس خلَقاً ؟ قال : لأنهم خلَوْا بالرحمان فألبسهم نوراً من نوره. ه. نعم، إن صحب المعصية توبةٌ وانكسارٌ، وصحب الطاعة عز واستكبارُ، انقلبت حقيقتهما، فقد تُقرب المعصية وتبعد الطاعة. وفي الحكم :" معصية أورثت ذلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً، وقال أيضاً :" وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى