التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - مصير الظالمين، بعد أن بين حسن عاقبة المحسنين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حى عن بينة فقال - تعالى - :﴿والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً﴾.
أى : إذا كان جزاء الذين أحسنوا الحسنى وزيادة، فإن جزاء الذين اجترحوا السيئات، واقترفوا الموبقات، سيئات مثل السيئات التي ارتكبوها كما قال - تعالى - ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ والمقصود أنهم كما كسبوا السيئات في الدنيا، فإن الله - تعالى - يجازيهم عليها في الآخرة بما يستحقون من عذاب ومصير سيئ.
وقوله :﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أى : وتغشاهم وتغطيهم ذلة عظيمة ومهانة شديدة، وفى إسناد الرهق إلى أنفسهم دون وجوههم، إيذان بأنها محيطة بهم من كل جانب.
وقوله :﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ أى : ليس لهم أحد يعصمهم أو يجيرهم أو يشفع لهم، بحيث ينجون من عذاب الله - تعالى -.
وقوله :﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً﴾ تصوير بديع للظلام الحسي والمعنوى الذي يبدو على وجوه هؤلاء الظالمين.
أى : كأنما ألبست وجوههم قطعا من الليل المظلم، والسواد الحالك، حتى سارت شديدة السود واضحة الكدرة والظلمة.
وقوله :﴿أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ بيان لسوء عاقبتهم، وتعاسة أحوالهم.
أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة، أصحاب النار هم فيها خالدون خلودا أبديا لا نهاية له.
وهكذا نرى في هذه الآيات الكريمة تصويرا بديعا لما عليه المؤمنون الصادقون من صفات حسنة، ومن جزاء كريم، يتجلى في رفع درجاتهم، وفى رضا الله - تعالى عنهم : كما نرى فيها - أيضا - وصفا معجزا لأحوال الخارجين عن طاعته ؛ ووصفا للمصير المؤلم، الذي ينتظرهم يوم القيامة، ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى