المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله :﴿والذين كسبوا السيئات﴾ الآية، اختلف النحويون في رفع «الجزاء » بم هو ؟ فقالت فرقة : التقدير لهم جزاء سيئة بمثلها، وقالت فرقة : التقدير جزاء سيئة مثلها والباء زائدة.
قال القاضي أبو محمد : ويتوجه أن يكون رفع «الجزاء » على المبتدأ وخبره في ﴿الذين﴾ لأن ﴿الذين﴾ معطوف على قوله ﴿للذين أحسنوا﴾ فكأنه قال والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وعلى الوجه الآخر فقوله ﴿والذين كسبوا السيئات﴾ رفع بالابتداء، وتعم ﴿السيئات﴾ ها هنا الكفر والمعاصي فمثل سيئة الكفر التخليد في النار، ومثل سيئة المعاصي مصروف إلى مشيئة الله تعالى. و «العاصم » المنجي «، ومنه قوله تعالى ﴿إلى جبل يعصمني من الماء﴾(١). و ﴿أغشيت﴾ كسيت ومنه الغشاوة، و » القطع «جمع قطعة، وقرأ ابن كثير والكسائي » قطْعاً «من الليل بسكون الطاء، وقرأ الباقون بفتح الطاء، و » القطع «الجزء من الليل ومنه قوله تعالى :﴿فاسر بأهلك بقطع من الليل﴾(٢) وهذا يراد به الجزء من زمان الليل، وفي هذه الآية الجزء من سواده(٣). و ﴿مظلماً﴾، نعت ل » قطع «، ويجوز أن يكون حالاً من الذكر الذي في قوله ﴿من الليل﴾(٤)، فإذا كان نعتاً فكان حقه أن يكون قبل الجملة ولكن قد يجيء بعدها، وتقدير الجملة قطعاً استقر من الليل » مظلماً «على نحو قوله تعالى :﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾(٥) ومن قرأ » قطعاً «على جمع قطعة فنصب » مظلماً «على الحال ﴿من الليل﴾ والعامل في الحال ﴿من﴾ إذ هي العامل في ذي الحال(٦)، وقرأ أبي بن كعب، » كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم(٧)«، وقرأ ابن أبي عبلة » قطَع من الليل مظلم «بتحريك الطاء في قطع.
١ - من الآية (٤٣) من سورة (هود)..
٢ - من الآية (٨١) من سورة (هود)، والآية (٦٥) من سورة (الحجر)..
٣ - أي: يراد الزمان من الليل في آية هود وآية الحجر، حيث طلب إلى لوط عليه السلام أن يسري بأهله في هذا الزمن من الليل، أما في آيتنا ﴿كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل﴾ فيراد به جزء من سواده وظلامه..
٤ - يريد بقوله: "الذكر" الضمير في متعلق ﴿من الليل﴾.
٥ - من الآية (٩٢) من سورة (الأنعام)، وقد نقل أبو حيان هذا الكلام عن ابن عطية ثم عقب عليه بقوله: "ولا يتعين تقدير العامل في المجرور بالفعل فيكون جملة، بل الظاهر أن يقدر باسم الفاعل فيكون من قبيل الوصف بالمفرد، والتقدير: فقطعا كائنا من الليل مظلما"..
٦ - قال في تفسير "أبو السعود": "العامل فيه (أغشيت) لأنه العامل في (قطعا)، وهو موصوف بالجار والمجرور، والعامل في الموصوف عامل في الصفة، أو معنى الفعل في (من الليل). وهذا التوضيح مذكور أيضا في الكشاف..
٧ - بسكون الطاء في (قطع)، أما قراءة ابن أبي عبلة فالطاء مفتوحة كما قال ابن عطية..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى