بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
ثم قال :﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾، لأن أهل مكة كانوا يتعجبون ويقولون ﴿أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً﴾ فنزل :﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ﴾ ؛ يقول : أعجب أهل مكة أن أختار عبداً من عبيّدي وأرسله إلى عبادي من جنسهم وحسبهم، حتى يقدروا أن ينظروا إليه يعرفونه ولا ينكرونه ؟ ثم بيَّن ما أوحى الله تعالى إليه فقال :﴿أَنْ أَنذِرِ الناس﴾، يعني : خوف أهل مكة بما في القرآن من الوعيد ؛ ويقال : في الآية تقديم، ومعناه تلك آيات الكتاب الحكيم للناس، أكان عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس ؟ وقال غلبة المفسرين على ظاهر التنزيل. ثم قال :﴿وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ﴾، أي بما في القرآن من الثواب في الجنة. ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ﴾، قال مقاتل : يعني : بأن أعمالهم التي قدموها بين أيديهم سلف خير عند ربهم وهي الجنة، وقال ابن عباس : يعني : الصحابة عند ربهم وهي الجنة. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال : يعني : شفاعة محمد ﷺ، لهم شفيع صدق عند ربهم ؛ وقال الحسن : هي رضوان الله في الجنة ؛ وقال القتبي :﴿قدم صدق﴾ يعني : عَمَلاً صالحاً قدموه.
﴿قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لساحر مُّبِينٌ﴾ ؛ قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿لسحر﴾ بغير ألف، يعني : إن هذا القرآن لسحر مبين، كذب ظاهر، قرأ الباقون :﴿لساحر مُّبِينٌ﴾. فإن قيل : إنما قال الكفار هذا القول، فما الحكمة في حكاية كلامهم في القرآن ؟ قيل : الحكمة فيه من وجوه أحدها أنهم كانوا يقولون قولاً فيما بينهم، فيظهر قولهم عند النبي ﷺ، فكان في ذلك علامة لنبوته لمن أيقن به ؛ والثاني : أن في ذلك تعزية للنبي ﷺ ليصبر على ذلك، كما قال :﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ﴾، والثالث : أن في ذلك تنبيهاً لمن بعده أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يمتنع بما يسمع من المكروه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى