الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم﴾(١) إلى قوله ﴿أفلا تذكرون﴾ [ ٢-٣ ] ( أكان ) :( الألف )(٢) ألف استفهام، معناه : التوبيخ، والتقرير، والإنكار لتعجبهم(٣) من بعث الله عز وجل(٤) رجلا منهم، رسولا إليهم(٥).
والمعنى : ليس بعجب قد علمتم أن الرسل(٦) من قبلكم كانت من بني آدم(٧)، ولم تكن ملائكة. إنما تأتي الملائكة إلى الرسل بأمر الله ونهيه ( سبحانه )(٨) وتأتيهم في سورة بني آدم. إذ لا يحتمل بنو آدم معاينة الملائكة(٩).
وقرأ ابن مسعود(١٠) :( كان للناس عجب )(١١) بالرفع(١٢) جعل " أن أوحينا " في موضع نصب. وهو بعيد، لأن المصدر معرفة. فهو أحق أن يكون اسم ( كان ) ( و )(١٣) ( عجبا ) : الخبر، لأنه نكرة(١٤).
ورفع " عجبا " على اسم " كان " جائز على ( ما )(١٥) بعده. ( و )(١٦) اللام في " الناس " متعلقة(١٧) ب " عجب "، لا تتعلق ب " كان ".
ومعنى الآية : أن الله، جل ذكره، لما بعث محمدا(١٨) رسولا أنكر جماعة من العرب ذلك، وقالوا :( الله )(١٩) أعظم من أن يبعث بشرا رسولا. فأنزل الله ( عز وجل )(٢٠) :﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس﴾[ الآية : ٢ ]، ونزل/ ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم﴾(٢١) هذا قول ابن عباس(٢٢).
وقال ابن جريح(٢٣) : عجبت قريش أن بعث رجلا منهم، فنزل ذلك(٢٤). وروي أن أهل مكة قالوا : لم يجد الله رسولا إلا يتيم أبي طالب(٢٥) فأنزل الله ( عز وجل )(٢٦) ذلك.
فالناس هنا : أهل مكة(٢٧). وهذه الآية فيها ضروب من أخبار :
ابتدأ(٢٨) تعالى بعجب، ثم أخبر بالشيء الذي يوجب العجب عندهم(٢٩)، وهو الوحي، ثم أخبر عمن(٣٠) أنزل عليه ذلك الوحي، ثم أخبر بالشيء الموحى ما هو. وهو الإنذار، ثم أخبر(٣١) بالبشارة للمؤمنين وأخبر بالمبشر به ما هو ؟ وهو : كون القدم الصدق للمؤمنين عند ربهم، ثم أخبر بجواب الكافرين عن ذلك :( كل ذلك )(٣٢) في آية واحدة ومعنى ﴿قدم صدق﴾[ الآية : ٢ ] : قال الضحاك(٣٣) : " ثواب(٣٤) صدق " (٣٥). وقال مجاهد : " الأعمال الصالحة(٣٦) " (٣٧)، وهو اختيار الطبري(٣٨). وقال ابن عباس : أجرا حسنا ( بما )(٣٩) قدموا من ( صالح )(٤٠) أعمالهم(٤١). وعن ابن عباس :﴿قدم صدق﴾ : ما تقدم لهم من السعادة في اللوح المحفوظ(٤٢).
وقال قتادة والحسن، وزيد بن أسلم(٤٣) :﴿قدم صدق﴾ وهو محمد ﷺ، شفيع لهم(٤٤).
وعن الحسن أنه قال :﴿قدم صدق عند ربهم﴾هو : مصيبتهم في نبيهم صلى الله عليه وسلم(٤٥).
والقدم في اللغة على أربعة أوجه : قدم الإنسان مؤنثة، والقدم السابقة : العمل(٤٦) الصالح مؤنثة أيضا، والقدم : الشجاع مذكر، والقدم المتقدم : مذكر أيضا(٤٧).
وفي الحديث :( إن جهنم لا تسكن حتى يضع الجبار فيها قدمه ). وفي ( رواية )(٤٨) أخرى :( حتى يضع الله فيها قدمه )(٤٩).
قال الحسن : معناه يجعل ( الله )(٥٠) فيها الذين قدمهم لها. فهم(٥١) قدم الله عز وجل إلى النار، والمؤمنون قدمه(٥٢) إلى الجنة.
ومن رواة :( حتى يضع الجبار فيها قدمه ) فمعناه ( مثل ) ما ذكرنا، أن جعلت الجبار اسما لله ( عز وجل )(٥٣).
وقيل(٥٤) " الجبار اسم لجنس يدل على جميع الجبارين على الله ( سبحانه )(٥٥).
فالمعنى : حتى يضع الجبارون على الله ( سبحانه )(٥٦) فيها أقدامهم. أي : حتى يدخلوها(٥٧). ( فعند ذلك تقول جهنم : قط قط )(٥٨) أي كفى كفى.
وفي هذا الحديث اختلاف ورايات بألفاظ مختلفة، لكنا ( قد )(٥٩) فسرنا موضع الإشكال منه.
﴿عند ربهم﴾[ الآية : ٢ ] : وقف حسن عند أبي حاتم(٦٠) والأخفش(٦١). وقال :(٦٢) تفسيرهما ليس بتمام حسن ؛ لأن ﴿قال الكافرون﴾ جواب لما قبله(٦٣).
ومن قرأ " لساحر " (٦٤) فمعناه : هذا النذير(٦٥) لساحر. يعنون النبي صلى الله عليه وسلم(٦٦).
ومن قرأ " لسحر " (٦٧) فمعناه : هذا الذي أنذرنا به سحر، يعنون القرآن.
والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد، لأنهم إذا جعلوا النبي صلى الله عليه وسلم(٦٨) ساحرا(٦٩) فقد أخبروا أنه أتاهم بالسحر، وهو القرآن. وإذا جعلوا القرآن سحرا(٧٠) فقد أخبروا أن الذي أتاهم به ساحر. إذ السحر لا يكون إلا من ساحر(٧١). والساحر لا يسمى بهذا الاسم حتى يأتي بالسحر، ويعرف(٧٢) منه ذلك.
١ ساقطة من ق..
٢ ساقطة من ق..
٣ ق: ولتعجبهم..
٤ ساقطة من ق..
٥ انظر هذا القول، وسبب نزول الآية في: أسباب النزول ١٩٩، ولباب النقول ١٢٨-، والدر ٤/٣٤٠..
٦ ق: الرسول، وهو خطأ..
٧ ق: "آدام" بزيادة الآلف، وهو خطأ..
٨ ساقطة من ق..
٩ ط: خلق الملائكة..
١٠ هو عبد الله بن مسعود بن الحارث من أكبر الصحابة المقرئين. عرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، وإليه منتهى قراءة الكسائي، وحمزة، وعاصم، كان مفسرا، ضابطا. انظر ترجمته في: صفة الصفة ١/٣٩٥، وتذكرة الحفاظ ١/١٣. والإصابة ٤٥-٤٩..
١١ ط: عجبا..
١٢ انظر هذه القراءة في: إعراب النحاس ٢/٢٤٤، والكشاف ٢/٢٢٤، والجامع ٨/١٩٥..
١٣ ساقطة من ق..
١٤ انظر هذا الإعراب في: إملاء ما من به الرحمن: ٢/٢٤..
١٥ ط: عجب..
١٦ ساقطة من ق..
١٧ ساقطة من ق..
١٨ ساقطة من ط..
١٩ ط: صم..
٢٠ ساقطة من ط..
٢١ سورة يوسف: ١٠٩..
٢٢ انظر هذا القول في: جامع البيان ١٥/١٣، وأسباب النزول ١٩٩ – ٢٠٠، والمحرر ٩/٤، والجامع ٨/١٩٥ ولباب النقول ١٢٨، والدر ٤/٣٤٠..
٢٣ هو أبو خالد عبد الملك بن عبد العزيز القرشي. فقيه، ثقة، حدث عن: أبيه، ومجاهد، وعطاء وابن جبير. وروى عنه: السفيانان وآخرون (١٥٠هـ) انظر ترجمته في: الغاية ١/٤٦٩، وتذكرة الحفاظ ١٦٩..
٢٤ انظر هذا القول في: جامع البيان ١٥/١٣، والمحرر ٩/٤-٥..
٢٥ وهو قول الزجاج، انظره في: معانيه ٣/٥، والمحرر ٩/٥، والجامع ٨/١٩٤..
٢٦ ساقطة من ط..
٢٧ وهو قول الزجاج. انظره في معانيه ٣/٥..
٢٨ في النسختين معا: ابتداء، والصواب ما أثبت..
٢٩ ق: ب عندهم: كذا وردت..
٣٠ ق: عما..
٣١ ق: خبر..
٣٢ ساقط من ق..
٣٣ هو أبو القاسم، الضحاك بن مزاحم الهلالي اللبلخي، يعد من أكبر المفسرين من التابعين: روى عن: سعيد بن جبير (ت: ١٠٥هـ) انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد ٢/١٢٨، وميزان الاعتدال ٢/٣٢٥..
٣٤ ط: تواب. وهو سهو من الناسخ..
٣٥ انظر هذا القول في: جامع البيان ١٥/١٤، والدر ٤/٣٤١..
٣٦ ق: الصالحات..
٣٧ انظر قول مجاهد في: غريب القرآن ١٩٤، وجامع البيان ١٥/١٤..
٣٨ انظر في: جامع البيان ١٥/١٦..
٣٩ ساقطة من ق..
٤٠ ساقط من ق..
٤١ انظر هذا القول في: جامع البيان ١٥/١٤. وفيه أنه مروي عن الضحاك أيضا، وانظر قول ابن عباس في: الجامع ٨/١٩٥، وتفسير ابن كثير ٢/٦٦٩، والدر ٤/٣٤١..
٤٢ انظر هذا القول في: جامع البيان ١٥/١٥، والمحرر ٥/٩، والجامع ٨/١٩٥، والدر ٤/٣٤١..
٤٣ هو أبو أسامة، زيد بن أسلم العدوي. كان ثقة، فقيها مفسرا: انظر ترجمته في: تقريب التهذيب: ١/٢٧٢، وتذكرة الحفاظ ١/١٣٢..
٤٤ انظر هذا القول في: جامع البيان ١٥/١٥-١٦، والجامع ٨/١٩٥ ولم ينسبه لزيد، والدر ٤/٣٤١..
٤٥ ط: صم. وهذا الأثر: أخرجه البخاري في كتاب التفسير ٤/١٣٧ عن زيد بن أسلم. وانظره مرويا عن الحسن في: المحرر ٩/٥، والجامع ٨/١٩٥..
٤٦ ق: وانعمل..
٤٧ انظر هاته الأوجه اللغوية "للقدم" في اللسان مادة "قدم"..
٤٨ ساقط من ق..
٤٩ هذا الحديث أخرجه البخاري في سورة ق من كتاب التفسير بروايتين مختلفتين عن قتادة، وأبي هريرة. انظر: الفتح ٨/٥٩٥، ورواه مسلم في صحيحه عن قتادة. انظر: شرح النووي لمسلم ١٧/١٨٤، ورواه الإمام أحمد في مسنده ٢/٣١٤ و٣/٣٣٤. وتمامه: (فيضع الرب تبارك وتعالى قدمه عليها. فتقول: قظ قظ)..
٥٠ ساقطة من ق..
٥١ ط: لهم.
.

٥٢ ط: قدمهم.
.

٥٣ ساقطة من ق..
٥٤ انظر هذا التفسير في: المحرر ٩/٦.
.

٥٥ ساقطة من ق.
.

٥٦ ساقطة من ق..
٥٧ ق: يدخلونها.
.

٥٨ انظر الحديث السابق.
.

٥٩ ساقطة من ق،.
٦٠ هو سهل بن محمد بن عثمان السجستاني، إمام أهل البصرة في النحو، وعلوم القرآن، واللغة. روى عن: أبي عبيدة والأصمعي، وحدث عنه: ابن دريد وآخرون (ت: ٢٨٤) انظر ترجمته في التهذيب ٤/٢٥٧، وبغية الوعاة ١/٦٠٦. ا.
٦١ الأخفش الأوسط: هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة البلخي، المشهور بسعة علمه في اللغة، والنحو، قرأ النحو على سيبويه، وروى عنه: أبو حاتم (ت: ٢١٤) انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/٢٨٠، وبغية الوعاة ١/٥٩٠..
٦٢ انظر هذا الوقف في: القطع والائتناف ٣٧٢. وعزاه في المكتفى: ٣٠٣، والمقصد: ٤٣ إلى أبي حاتم فقط..
٦٣ انظر هذا القول في: القطع والائتناف: ٣٧٢..
٦٤ هذه القراءة لابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وعامة قرأة الكوفة. انظر: جامع البيان ١٥/١٧، والسبعة ٣٢٢، والمبسوط ٢٣١، والحجة ٣٢٧، والتيسير ١٢٠، وتحبير التيسير ١٢٠. وزاد في المحرر ٩/٦، والجامع ٨/١٩٦: أنها قراءة ابن مسعود: وأبي رزين ومجاهد، وابن وثاب، وطلحة، والأعمش، وعيسى بن عمرو، وابن محيصن..
٦٥ ق: التزين وهو خطأ..
٦٦ ساقطة من ق. ط: صم..
٦٧ هذه القراءة لنافع، وأبي عمرو، وابن عامر، ولعامة أهل البصرة، والمدينة. انظرها في: جامع البيان ١٥/١٧، والسبعة ٣٢٢، والمبسوط ٢٣١، والحجة ٣٢٧، والتيسير ١٢٠، والمحرر ٩/٦ وتجبير التيسير ١٢٠ وإتحاف فضلاء البشر ٧/١٠٤.
.

٦٨ ساقط من ق، وفي ط: صم..
٦٩ في النسختين معا: ساحر وهو خطأ..
٧٠ ق: سحر.
.

٧١ ق: سحر..
٧٢ ق: «ويعرف ويعرف» وهو سهو من الناسخ.
.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى