الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ : في " هنالك " وجهان، الظاهرُ بقاؤه على أصلِه مِنْ دلالته على ظرف المكان، أي : في ذلك الموقفِ الدَّحْض والمكان الدَّهِش. وقيل : هو هنا ظرف زمان على سبيل الاستعارة، ومثله
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١]، أي : في ذلك الوقت وكقوله :
٢٥٩٣ وإذا الأمورُ تعاظَمَتْ وتشاكَلَتْفهناك يَعْترفون أينَ المَفْزَعُ
وإذا أمكنَ بقاءُ الشيءِ على موضوعِه فهو أَوْلى.
وقرأ الأخَوان " تَتْلو " بتاءَيْن منقوطتين من فوق، أي : تطلُب وتتبَع ما أسلفَتْه مِنْ أعمالها، ومن هذا قوله :
٢٥٩٤ إنَّ المُريبَ يَتْبَع المُريباكما رأيت الذِّيبَ يتلو الذِّيبا
أي : يَتْبَعه ويَتَطَلَّبه. ويجوز أن يكونَ من التلاوة المتعارفة، أي : تقرأ كلُّ نفسٍ ما عَمِلَتْه مُسَطَّراً في صحف الحفظة لقوله تعالى :﴿يوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله :﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَبَك﴾ [الإسراء: ١٣].
وقرأ الباقون :" تَبْلو " مِن البَلاء وهو الاختبار، أي : يَعْرف عملَها : أخيرٌ هو أم شر. وقرأ عاصم في روايةٍ " نبلو " بالنون والباءِ الموحدة، أي : نختبر نحن. و " كل " منصوب على المفعول به. وقوله :" وما أَسْلَفَتْ " على هذه القراءةِ يحتمل أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ الخافض، أي : بما أسْلَفَتْ، فلمَّا سقط الخافض انتصبَ مجرورُه كقوله :
٢٥٩٥ تمرُّون الديار ولم تعوجواكلامُكمُ عليَّ إذنْ حَرامُ
ويحتمل أن يكونَ منصوباً على البدل من " كل نفس " ويكون من بدلِ الاشتمال. ويجوز أن يكون " نَبْلو " من البلاء وهو العذاب، أي : نُعَذِّبها بسبب ما أَسْلَفَتْ.
و " ما " يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً أو حرفيةً أو نكرةً موصوفة، والعائدُ محذوفٌ على التقدير/ الأول والآخِر دون الثاني على المشهور.
وقرأ ابن وثاب " ورِدُّوا " بكسر الراء تشبيهاً للعين المضعفة بالمعتلَّة، نحو :" قيل " و " بيع "، ومثله :
٢٥٩٦ وما حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبا حُلَمائِنا ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بكسر الحاء، وقد تقدَّم بيانُ ذلك بأوضحَ من هذا.
وقوله :﴿إِلَى اللَّهِ﴾ لا بدَّ من مضاف، أي : إلى جزاء الله، أو موقفِ جزائه. والجمهور على " الحق " جَرَّاً. وقرىء منصوباً على أحد وجهين : إمَّا القطعِ، وأصلُه أنه تابعٌ فقُطع بإضمارِ " أمدح " كقولهم : الحمدُ للَّهِ أهلِ الحمد "، وإمَّا أنه مصدر مؤكد لمضمونِ الجملةِ المتقدمةِ وهو ﴿وَرُدُّواْ إِلَى اللَّهِ﴾ وإليه نحا الزمخشري، قال :" كقولك :" هذا عبد الله الحق لا الباطل " على التأكيد لقوله ﴿وَرُدُّواْ إِلَى اللَّهِ﴾. وقال مكي :" ويجوز نصبه على المصدر ولم يُقْرأ به "، قلت : كأنه لم يَطَّلِعْ على هذه القراءة.
وقوله :﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ " ما " تحتمل الأوجه الثلاثة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى