الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ﴾ : جملةٌ حالية من الموصول أي : سارعوا إلى تكذيبهِ حالَ عدم إتيان التأويل. قال الزمخشري :" فإن قلت : ما معنى التوقُّع في قوله تعالى :﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ؟ قلت : معناه أنهم كذَّبوا به على البديهة قبل التدبُّر ومعرفةِ التأويل "، ثم قال أيضاً :" ويجوز أن يكونَ المعنى : ولم تأتِهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإِخبار بالغيوب، أي : عاقبته حتى يتبيَّنَ لهم أَكَذِبٌ هو أم صدقٌ " انتهى. وفي وَضْعه " لم " موضعَ " لَمَّا " نظرٌ لِمَا عَرَفْت ما بينهما من الفرق. ونُفِيَتْ جملةُ الإِحاطة ب " لم " وجملةُ إتيانِ التأويل ب " لمَّا " لأن " لم " للنفي المطلق على الصحيح، و " لَمَّا " لنفي الفعل المتصل بزمن الحال، فالمعنى : أنَّ عَدَمَ التأويل متصل بزمن الإِخبار.
و " كذلك " نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي : مثل ذلك التكذيب كَذَّب الذين من قبلهم، أي : قبل النظر والتدبُّر.
وقوله :﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ﴾ " كيف " خبر ل " كان "، والاستفهامُ معلِّقٌ للنظر. قال ابن عطية :" قال الزجاج :" كيف " في موضع نصب على خبر كان، ولا يجوز أن يعمل فيها " انظر " لأنَّ ما قبل الاستفهام لا يَعْمل فيه، هذا قانونُ النحويين لأنهم عاملوا " كيف " في كل مكان معاملةَ الاستفهامِ المَحْض في قولك " كيف زيد " و ل " كيف " تصرُّفاتٌ غيرُ هذا فتحلُّ محلَّ المصدرِ الذي هو " كيفية " وتخلعُ معنى الاستفهام، ويحتمل هذا الموضعُ أن يكونَ منها. ومن تصرُّفاتها قولُهم :" كن كيف شئت " وانظر قول البخاري :" كيف كان بدء الوحي " فإنه لم يستفهم ". انتهى. فقول الزجاج " لا يجوز أن تعمل " انظر " في " كيف " يعني لا تتسلَّط عليها ولكن هو متسلِّطٌ على الجملة المنسحبِ عليها حكمُ الاستفهام وهكذا سبيلُ كلِّ تعليقٍ.
قال [ الشيخ ] :" وقولُ ابن عطية : هذا قانون النحويين إلى آخره ليس كما ذكر بل ل " كيف " معنيان، أحدُهما : الاستفهامُ المحض، وهو سؤال عن الهيئة إلا أن يُعَلَّق عنها العامل، فمعناها معنى الأسماء التي يُستفهم بها إذا عُلِّق عنها العاملُ. والثاني : الشرط كقول العرب :" كيف تكونُ أكونُ ". وقوله :" ول " كيف " تصرفات إلى آخره ليس " كيف " تحلُّ محلَّ المصدر، ولا لفظ " كيفية " هو مصدرٌ، إنما ذلك نسبةٌ إلى " كيف "، وقوله :" ويحتمل أن يكونَ هذا الموضعُ منها، ومِنْ تصرفاتها قولهم :" كن كيف شئت " لا يَحْتمل أن يكون منها ؛ لأنه لم يثبتْ لها المعنى الذي ذكر مِنْ كونِ " كيف " بمعنى كيفية وادِّعاءُ مصدرية " كيفية ".
وأمَّا " كن كيف شئت " ف " كيف " ليست بمعنى كيفية، وإنما هي شرطيةٌ وهو المعنى الثاني الذي لها، وجوابها محذوف، التقدير : كيف شئت فكن، كما تقول :" قم متى شئت " ف " متى " اسمُ شرطٍ ظرفٌ لا يعمل فيه " قم " والجواب محذوف تقديره : متى شئت فقم، وحُذِفَ الجوابُ لدلالة ما قبله عليه كقولِهم :" اضربْ زيداً إن أساء إليك "، التقدير : إن أساءَ إليك فاضرِبْه، وحُذِف " فاضربه " لدلالة " اضرِبْ " المتقدِّم عليه. وأمَّا قولُ البخاري :" كيف كان بدء الوحي " فهو استفهامٌ مَحْضٌ : إمَّا على سبيل الحكاية كأن سائلاً سأله فقال : كيف كان بَدْءُ الوحي، [ وإما أن يكونَ من قوله هو، كأنه سأل نفسه : كيف كان بدء الوحي ؟ ] فأجاب بالحديثِ الذي فيه كيفيةُ ذلك ".
وقوله :﴿الظَّالِمِينَ﴾ مِنْ وَضْعِ الظاهر موضعَ المضمر، ويجوز أن يرادَ به ضميرُ مَنْ عاد عليه ضمير " بل كَذَّبوا "، وأن يُرادَ به ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.
و " كذلك " نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي : مثل ذلك التكذيب كَذَّب الذين من قبلهم، أي : قبل النظر والتدبُّر.
وقوله :﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ﴾ " كيف " خبر ل " كان "، والاستفهامُ معلِّقٌ للنظر. قال ابن عطية :" قال الزجاج :" كيف " في موضع نصب على خبر كان، ولا يجوز أن يعمل فيها " انظر " لأنَّ ما قبل الاستفهام لا يَعْمل فيه، هذا قانونُ النحويين لأنهم عاملوا " كيف " في كل مكان معاملةَ الاستفهامِ المَحْض في قولك " كيف زيد " و ل " كيف " تصرُّفاتٌ غيرُ هذا فتحلُّ محلَّ المصدرِ الذي هو " كيفية " وتخلعُ معنى الاستفهام، ويحتمل هذا الموضعُ أن يكونَ منها. ومن تصرُّفاتها قولُهم :" كن كيف شئت " وانظر قول البخاري :" كيف كان بدء الوحي " فإنه لم يستفهم ". انتهى. فقول الزجاج " لا يجوز أن تعمل " انظر " في " كيف " يعني لا تتسلَّط عليها ولكن هو متسلِّطٌ على الجملة المنسحبِ عليها حكمُ الاستفهام وهكذا سبيلُ كلِّ تعليقٍ.
قال [ الشيخ ] :" وقولُ ابن عطية : هذا قانون النحويين إلى آخره ليس كما ذكر بل ل " كيف " معنيان، أحدُهما : الاستفهامُ المحض، وهو سؤال عن الهيئة إلا أن يُعَلَّق عنها العامل، فمعناها معنى الأسماء التي يُستفهم بها إذا عُلِّق عنها العاملُ. والثاني : الشرط كقول العرب :" كيف تكونُ أكونُ ". وقوله :" ول " كيف " تصرفات إلى آخره ليس " كيف " تحلُّ محلَّ المصدر، ولا لفظ " كيفية " هو مصدرٌ، إنما ذلك نسبةٌ إلى " كيف "، وقوله :" ويحتمل أن يكونَ هذا الموضعُ منها، ومِنْ تصرفاتها قولهم :" كن كيف شئت " لا يَحْتمل أن يكون منها ؛ لأنه لم يثبتْ لها المعنى الذي ذكر مِنْ كونِ " كيف " بمعنى كيفية وادِّعاءُ مصدرية " كيفية ".
وأمَّا " كن كيف شئت " ف " كيف " ليست بمعنى كيفية، وإنما هي شرطيةٌ وهو المعنى الثاني الذي لها، وجوابها محذوف، التقدير : كيف شئت فكن، كما تقول :" قم متى شئت " ف " متى " اسمُ شرطٍ ظرفٌ لا يعمل فيه " قم " والجواب محذوف تقديره : متى شئت فقم، وحُذِفَ الجوابُ لدلالة ما قبله عليه كقولِهم :" اضربْ زيداً إن أساء إليك "، التقدير : إن أساءَ إليك فاضرِبْه، وحُذِف " فاضربه " لدلالة " اضرِبْ " المتقدِّم عليه. وأمَّا قولُ البخاري :" كيف كان بدء الوحي " فهو استفهامٌ مَحْضٌ : إمَّا على سبيل الحكاية كأن سائلاً سأله فقال : كيف كان بَدْءُ الوحي، [ وإما أن يكونَ من قوله هو، كأنه سأل نفسه : كيف كان بدء الوحي ؟ ] فأجاب بالحديثِ الذي فيه كيفيةُ ذلك ".
وقوله :﴿الظَّالِمِينَ﴾ مِنْ وَضْعِ الظاهر موضعَ المضمر، ويجوز أن يرادَ به ضميرُ مَنْ عاد عليه ضمير " بل كَذَّبوا "، وأن يُرادَ به ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.