المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
المعنى : ليس الأمر كما قالوا في أنه مفترى ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه﴾، وهذا اللفظ يحتمل معنيين : أحدهما أن يريد بها الوعيد الذي توعدهم الله عز وجل على الكفر، وتأويله على هذا يراد به ما يؤول إليه أمره كما هو في قوله ﴿هل ينظرون إلا تأويله﴾(١)، والآية بجملتها على هذا التأويل تتضمن وعيداً، والمعنى الثاني أنه أراد بل كذبوا بهذا القرآن العظيم المنبىء بالغيوب الذي لم تتقدم لهم به معرفة ولا أحاطوا بعلم غيوبه وحسن نظمه ولا جاءهم تفسير ذلك وبيانه، و ﴿الذين من قبلهم﴾ يريد من سلف من أمم الأنبياء، قال الزجّاج ﴿كيف﴾ في موضع نصب على خبر ﴿كان﴾ ولا يجوز أن يعمل فيها «انظر »(٢) لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه.
قال القاضي أبو محمد : هذا قانون النحويين لأنهم عاملوا «كيف » في كل مكان معاملة الاستفهام المحض في قولك : كيف زيد ول «كيف » تصرفات غير هذا، وتحل محل المصدر الذي هو كيفية وتخلع معنى الاستفهام، ويحتمل هذا أن يكون منها ومن تصرفاتها قولهم : كن كيف شئت، وانظر قول البخاري : كيف كان بدء الوحي فإنه لم يستفهم(٣). وذكر الفعل المسند إلى «العاقبة » لما كانت بمعنى المآل ونحوه وليس تأنيثها بحقيقي.
١ - من الآية (٥٣) من سورة (الأعراف)..
٢ - أي: لا يعمل فيها لفظا، لكن الجملة في موضع نصب بـ (انظر) معلقة، وهي من نظر القلب لا العين..
٣ - علّق أبو حيان على هذا بكلام طويل خلاصته أن (كيف) لها معنيان: أحدهما: الاستفهام المحض، فهي سؤال عن الهيئة إلا إذا تعلق عنها العامل فيكون معناها معنى الأسماء التي يستفهم بها عند تعليق العامل عنها، والثاني: الشرط كقول العرب: "كيف تكون أكون"، وأما قول البخاري: "كيف كان بدء الوحي"؟ فهو استفهام محض على سبيل الحكاية، كأن سائلا سأله فقال: "كيف كان بدء الوحي"؟ فأجاب بالحديث الذي فيه كيفية ذلك."البحر ٥/١٦٠"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى