اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآية.
لمَّا وصف الكفار بقلة الإصغاء، وترك التدبُّر ؛ أتبعه بالوعيد، فقال :﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾. " يَوْمَ " منصوب على الظرف، وفي ناصبه أوجه :
أحدها : أنَّه منصوبٌ بالفعل الذي تضمَّنه قوله :﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾.
الثاني : أنَّه منصوبٌ ب " يتعَارَفُون ".
الثالث : أنَّه منصوبٌ بمقدرٍ، أي : اذكر يوم.
وقرأ الأعمش(١)، وحفص عن عاصم :" يَحْشُرهُم " بياء الغيبة، والضمير لله تعالى لتقدم اسمه في قوله :﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ﴾ [يونس: ٤٤].
قوله :﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ تقدَّم الكلامُ على " كأن " هذه، وهي المخفَّفة من الثَّقيلة، والتقدير : كأنَّهُم لم يلبثُوا ؛ فخفَّفَ، كقوله : وكأن قد، ولكن اختلفُوا في محلِّ هذه الجملة على أوجه :
أحدها : أنها في محلِّ نصبٍ صفةً للظرف، وهو " يوم "، قاله ابن عطية.
قال أبو حيان :" لا يصحُّ ؛ لأن يوم يَحْشُرهُم معرفةٌ والجمل نكرات، ولا تنعتُ المعرفةُ بالنَّكرة، لا يقال : إنَّ الجمل التي يُضاف إليها أسماءُ الزَّمان نكرةٌ على الإطلاق ؛ لأنَّها إنْ كانت في التقدير تنحَلُّ إلى معرفة، فإنَّ ما أضيف إليها يتعرَّفُ، وإن كانت تنحَلُّ إلى نكرة، كان ما أضيف إليها نكرةً، تقول :" مَرَرْتُ في يوم قدم زيدٌ الماضي "، فتصِفُ " يوم " بالمعرفة، و " جئت ليلة قدم زيدٌ المباركة علينا "، وأيضاً : فكأنْ لمْ يلبثُوا، لا يمكن أن يكون صفة لليوم من جهة المعنى، لأنَّ ذلك من وصف المحشورين، لا من وصف يوم حشرهم. وقد تكلَّف بعضهم تقدير رابطٍ يربطهُ، فقدره :" كأنْ لَمْ يلبثُوا قبله "، فحذف " قبله "، أي : قبل اليوم، وحذفُ مثل هذا الرَّابط لا يجوز ".
قال شهاب الدِّين : قوله :" بعضهم "، وهو مكِّي بن أبي طالب ؛ فإنَّه قال :" الكافُ وما بعدها من " كأن " صفةٌ لليوم، وفي الكلام حذفُ ضميرٍ يعودُ على الموصوفِ، تقديره : كأن لم يَلْبثُوا قبله ؛ فحذف " قبله "، فصارت الهاءُ متَّصلةً ب " يَلْبثُوا "، فحذفتْ لطُولِ الاسم كما تحذفُ من الصِّلات "، ونقل هذا التقدير أيضاً : أبو البقاء، ولمْ يُسَمِّ قائله، فقال :" وقيل "، فذكره.
والوجه الثاني : أن تكون الجملةُ في محلِّ نصب على الحال، من مفعول " يَحْشُرهُم " أي : يَحْشُرهم مُشبهين بمن لم يلبث إلاَّ ساعةً، هذا تقديرُ الزمخشري، وممَّن جوَّز أيضاً الحاليَّة : ابنُ عطيَّة، ومكِّيٌّ، وأبو البقاءِ، وجعله بعضهم هو الظَّاهر.
الوجه الثالث : أن تكون الجملةُ نعتاً لمصدر محذوف، والتقدير : يَحْشُرهم حَشْراً، كأنْ لمْ يلبثُوا، ذكر ذلك ابن عطيَّة، وأبو البقاء، ومكِّي، وقدَّر مكِّي، وأبو البقاء : العائد محذوفاً، كما قدَّراه حال جعلهما الجملة صفة لليَوْمِ، وقد تقدَّم ما في ذلك.
الرابع : قال ابنُ عطيَّة(٢) :" ويَصِحُّ أن يكون قوله :﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ كلاماً مجملاً " ولم يُبَيِّنْ الفعل الذي يتضمَّنهُ ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾، قال أبو حيَّان(٣) :" ولعَلَّهُ أراد ما قاله الحوفيُّ ؛ مِنْ أنَّ الكافَ في موضع نصبٍ، بما تضمَّنتهُ من معنى الكلام، وهو السُّرْعَة ". انتهى.
قال :" فيكونُ التقدير : ويوم يَحْشُرهم يُسْرعون كأنْ لَمْ يَلْبَثُوا "، فيكون " يسرعون " : حالاً من مفعول " يَحْشُرهُم "، ويكون " كأن لمْ يَلْبَثُوا " : حالاً من فاعل " يُسْرعون "، ويجُوز أن تكون " كَأنْ لَمْ " : مفسِّرة ل " يُسْرعون " المقدَّرة.
قال الضحَّاك : كَأنْ لَمْ يَلْبثُوا في الدنيا، إلاَّ ساعة من النَّهار(٤)، وقال ابن عبَّاس : كأن لم يلبثوا في قبورهم، إلاَّ قدر ساعة من النَّهار(٥)، قال القاضي : الأولُ أولَى، لوجهين :
أحدهما : أنَّ حال المؤمنين كحالِ الكافرين : في أنَّهم لا يعرفون مقدار لبثهم بعد الموت إلى وقتِ الحشر ؛ فيجبُ أن يحمل ذلك على أمْر يختصُّ به الكُفار ؛ وهو أنَّهم لمَّا لم ينتفعُوا بعُمْرِهم استقلُّوه، والمؤمِنُ لمَّا انتفع بعمره ؛ فكأنَّه لا يستقلُّه.
الثاني : أنَّه قال :﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ والتَّعارف إنَّما يضاف إلى حال الحياةِ، لا إلى حال المَوْت، وفي سبب هذا الاستقلال وجوهٌ :
الأول : قال أبو مسلم : إنَّهم لمَّا ضيَّعُوا أعمارهم في طلب الدنيا، والحِرْص على لذَّاتها ؛ لم ينتفعُوا بعمرهم ألبتَّة، فكان وجودُ ذلك العمر كالعدم كما تقدَّم ؛ فلهذا استقلوه، ونظيره قوله - تعالى - :﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦].
الثاني : قال الأصمُّ : إنَّهم لمَّا شاهدُوا أهوال الآخرة وعظمها، عظم خوفُهُم، فنسُوا أمور الدُّنيا، والإنسان إذا عظم خوفهُ، نسي الأمور الظَّاهرة.
الثالث : قلَّ عندهم مقامهم في الدُّنيا، في جنب مقامهم في الآخرة.
الرابع : قلَّ عندهم في الدنيا ؛ لطولِ وقوفهم في الحَشْرِ.
قوله :" يتعَارفُونَ " فيه أوجهٌ :
أحدها : أنَّ الجملة في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعل " يَلْبَثُوا ".
قال الحوفيُّ :" يتعارفُونَ " : فعلٌ مستقبلٌ في موضع الحال من الضَّمير في " يَلْبَثُوا "، وهو العامل، كأنَّه قال : متعارفين، والمعنى : اجتمعوا متعارفين.
والثاني : أنها حالٌ من مفعول " يَحْشُرهم " أي : يَحْشُرهم متعارفين، والعاملُ فعلُ الحشر، وعلى هذا فمنْ جوَّز تعدُّدَ الحالِ، جوَّز أن تكون " كأنْ لَمْ " : حالاً أولى، وهذه حالٌ ثانيةٌ، ومن منع ذلك، جعل " كأنْ لَمْ " على ما تقدم من غير الحاليَّة.
قال أبُو البقاء :" وهي حالٌ مقدرة ؛ لأنَّ التعارف لا يكُونُ حال الحَشْرِ ".
والثالث : أنَّها مستأنفةٌ ؛ أخبر - تعالى - عنهم بذلك.
قال الزمخشري(٦) :" فإن قلت : كأنْ لمْ يلبثُوا إلاَّ ساعة "، و " يتَعارفُونَ " كيف موقعهما ؟.
قلت : أمَّا الأولى : فحالٌ منهم، أي : يَحْشُرهم مُشبهين بمنء لَمْ يَلْبَثْ إلاَّ ساعة.
وأمَّا الثانية : فإمَّا أن تتعلَّق بالظرف - يعني فتكون حالاً -، وإمَّا أن تكون مُبينة لقوله :﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً﴾ ؛ لأنَّ التَّعارفَ لا يَبْقَى مع طُولِ العهدِ، وينقلب تَنَاكُراً ".
في هذا التَّعارف وجوه :
الأول : يعرف بعضهم بعضاً كما كانوا في الدُّنْيَا.
الثاني : يعرف بعضهم بعضاً بما كانوا عليه من الخطأ والكفر، ثم تنقطع المعرفةُ إذا عاينُوا العذابَ، وتبرَّأ بعضهم من بعض.
فإن قيل : كيف توافق هذه الأشياء قوله :﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج: ١٠].
فالجواب من وجهين :
أحدهما : أنَّهم يتعارفون بينهم بتوبيخ بعضهم بعضاً ؛ فيقول كل فريق للآخر : أنت أضللتني يوم كذا، وزيَّنتَ لي الفعل القبيح الفُلاني، فهو تعارفُ توبيخٍ، وتباعدٍ، وتقاطع، لا تعارف عطفٍ، وشفقة.
وأما قوله :﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج: ١٠] فهو سؤال رحمة، وعطف.
والثاني : أنَّ تحمل هاتين الآيتين على حالتين ؛ وهو أنَّهم يتعارفُون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة ؛ فلذلك لا يسأل حميمٌ حميماً.
قوله :" قَدْ خَسِرَ " فيها وجهان :
أحدهما : أنَّها مستأنفةٌ، أخبر - تعالى - بأنَّ المكذِّبينَ بلقائِهِ خاسرون لا محالة ؛ ولذلك أتى بحرفِ التَّحقيق، ويكون هذا شهادة عليهم من الله بالخُسْرَان، والمعنى : أنَّه من باع آخرته بدنياه، فقد خسر ؛ لأنَّه أعطى الشَّريف الباقي، في أخْذِ الخسيسِ الفانِي.
والثاني : أن يكون في محلِّ نصبٍ بإضمار قولٍ، أي : قائلين قد خَسِر الذين. ثُمَّ لكَ في هذا القول المقدَّر وجهان :
أحدهما : أنه حالٌ من مفعول " يَحْشُرهُم " أي : يحشرهم قائلين ذلك.
والثاني : أنَّه حالٌ من فاعل " يتعَارفُونَ "، وقد ذهب إلى الاستئناف والحاليَّة من فاعل " يَتَعارفُونَ " : الزمخشريُّ ؛ فإنَّه قال :" هو استئنافٌ فيه معنى التَّعجُّب، كأنَّه قيل :" ما أحْشرهُمْ "، ثم قال :" قَدْ خَسِرَ " على إرادة القولِ، أي : يَتَعَارفُونَ بينهم قائلين ذلك "، وذهب إلى أنَّها حالٌ من مفعُول " يَحْشُرهُم " : ابنُ عطيَّة.
قوله :﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ يجوزُ فيها وجهان :
أحدهما : أن تكون معطوفةً على قوله :" قَدْ خَسِرَ "، فيكون حكمه حكمَهُ.
والثاني : أن تكون معطوفةً على صلةِ " الذينَ "، وهي كالتَّوكيد للجملة التي وقعتْ صلةً ؛ لأنَّ من كذَّب بلقاء الله، غيرُ مُهْتَدٍ، والمراد بالخسران : خُسْران النفس ولا شيء أعظم منه.
لمَّا وصف الكفار بقلة الإصغاء، وترك التدبُّر ؛ أتبعه بالوعيد، فقال :﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾. " يَوْمَ " منصوب على الظرف، وفي ناصبه أوجه :
أحدها : أنَّه منصوبٌ بالفعل الذي تضمَّنه قوله :﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾.
الثاني : أنَّه منصوبٌ ب " يتعَارَفُون ".
الثالث : أنَّه منصوبٌ بمقدرٍ، أي : اذكر يوم.
وقرأ الأعمش(١)، وحفص عن عاصم :" يَحْشُرهُم " بياء الغيبة، والضمير لله تعالى لتقدم اسمه في قوله :﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ﴾ [يونس: ٤٤].
قوله :﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ تقدَّم الكلامُ على " كأن " هذه، وهي المخفَّفة من الثَّقيلة، والتقدير : كأنَّهُم لم يلبثُوا ؛ فخفَّفَ، كقوله : وكأن قد، ولكن اختلفُوا في محلِّ هذه الجملة على أوجه :
أحدها : أنها في محلِّ نصبٍ صفةً للظرف، وهو " يوم "، قاله ابن عطية.
قال أبو حيان :" لا يصحُّ ؛ لأن يوم يَحْشُرهُم معرفةٌ والجمل نكرات، ولا تنعتُ المعرفةُ بالنَّكرة، لا يقال : إنَّ الجمل التي يُضاف إليها أسماءُ الزَّمان نكرةٌ على الإطلاق ؛ لأنَّها إنْ كانت في التقدير تنحَلُّ إلى معرفة، فإنَّ ما أضيف إليها يتعرَّفُ، وإن كانت تنحَلُّ إلى نكرة، كان ما أضيف إليها نكرةً، تقول :" مَرَرْتُ في يوم قدم زيدٌ الماضي "، فتصِفُ " يوم " بالمعرفة، و " جئت ليلة قدم زيدٌ المباركة علينا "، وأيضاً : فكأنْ لمْ يلبثُوا، لا يمكن أن يكون صفة لليوم من جهة المعنى، لأنَّ ذلك من وصف المحشورين، لا من وصف يوم حشرهم. وقد تكلَّف بعضهم تقدير رابطٍ يربطهُ، فقدره :" كأنْ لَمْ يلبثُوا قبله "، فحذف " قبله "، أي : قبل اليوم، وحذفُ مثل هذا الرَّابط لا يجوز ".
قال شهاب الدِّين : قوله :" بعضهم "، وهو مكِّي بن أبي طالب ؛ فإنَّه قال :" الكافُ وما بعدها من " كأن " صفةٌ لليوم، وفي الكلام حذفُ ضميرٍ يعودُ على الموصوفِ، تقديره : كأن لم يَلْبثُوا قبله ؛ فحذف " قبله "، فصارت الهاءُ متَّصلةً ب " يَلْبثُوا "، فحذفتْ لطُولِ الاسم كما تحذفُ من الصِّلات "، ونقل هذا التقدير أيضاً : أبو البقاء، ولمْ يُسَمِّ قائله، فقال :" وقيل "، فذكره.
والوجه الثاني : أن تكون الجملةُ في محلِّ نصب على الحال، من مفعول " يَحْشُرهُم " أي : يَحْشُرهم مُشبهين بمن لم يلبث إلاَّ ساعةً، هذا تقديرُ الزمخشري، وممَّن جوَّز أيضاً الحاليَّة : ابنُ عطيَّة، ومكِّيٌّ، وأبو البقاءِ، وجعله بعضهم هو الظَّاهر.
الوجه الثالث : أن تكون الجملةُ نعتاً لمصدر محذوف، والتقدير : يَحْشُرهم حَشْراً، كأنْ لمْ يلبثُوا، ذكر ذلك ابن عطيَّة، وأبو البقاء، ومكِّي، وقدَّر مكِّي، وأبو البقاء : العائد محذوفاً، كما قدَّراه حال جعلهما الجملة صفة لليَوْمِ، وقد تقدَّم ما في ذلك.
الرابع : قال ابنُ عطيَّة(٢) :" ويَصِحُّ أن يكون قوله :﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ كلاماً مجملاً " ولم يُبَيِّنْ الفعل الذي يتضمَّنهُ ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾، قال أبو حيَّان(٣) :" ولعَلَّهُ أراد ما قاله الحوفيُّ ؛ مِنْ أنَّ الكافَ في موضع نصبٍ، بما تضمَّنتهُ من معنى الكلام، وهو السُّرْعَة ". انتهى.
قال :" فيكونُ التقدير : ويوم يَحْشُرهم يُسْرعون كأنْ لَمْ يَلْبَثُوا "، فيكون " يسرعون " : حالاً من مفعول " يَحْشُرهُم "، ويكون " كأن لمْ يَلْبَثُوا " : حالاً من فاعل " يُسْرعون "، ويجُوز أن تكون " كَأنْ لَمْ " : مفسِّرة ل " يُسْرعون " المقدَّرة.
فصل
قال الضحَّاك : كَأنْ لَمْ يَلْبثُوا في الدنيا، إلاَّ ساعة من النَّهار(٤)، وقال ابن عبَّاس : كأن لم يلبثوا في قبورهم، إلاَّ قدر ساعة من النَّهار(٥)، قال القاضي : الأولُ أولَى، لوجهين :
أحدهما : أنَّ حال المؤمنين كحالِ الكافرين : في أنَّهم لا يعرفون مقدار لبثهم بعد الموت إلى وقتِ الحشر ؛ فيجبُ أن يحمل ذلك على أمْر يختصُّ به الكُفار ؛ وهو أنَّهم لمَّا لم ينتفعُوا بعُمْرِهم استقلُّوه، والمؤمِنُ لمَّا انتفع بعمره ؛ فكأنَّه لا يستقلُّه.
الثاني : أنَّه قال :﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ والتَّعارف إنَّما يضاف إلى حال الحياةِ، لا إلى حال المَوْت، وفي سبب هذا الاستقلال وجوهٌ :
الأول : قال أبو مسلم : إنَّهم لمَّا ضيَّعُوا أعمارهم في طلب الدنيا، والحِرْص على لذَّاتها ؛ لم ينتفعُوا بعمرهم ألبتَّة، فكان وجودُ ذلك العمر كالعدم كما تقدَّم ؛ فلهذا استقلوه، ونظيره قوله - تعالى - :﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦].
الثاني : قال الأصمُّ : إنَّهم لمَّا شاهدُوا أهوال الآخرة وعظمها، عظم خوفُهُم، فنسُوا أمور الدُّنيا، والإنسان إذا عظم خوفهُ، نسي الأمور الظَّاهرة.
الثالث : قلَّ عندهم مقامهم في الدُّنيا، في جنب مقامهم في الآخرة.
الرابع : قلَّ عندهم في الدنيا ؛ لطولِ وقوفهم في الحَشْرِ.
قوله :" يتعَارفُونَ " فيه أوجهٌ :
أحدها : أنَّ الجملة في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعل " يَلْبَثُوا ".
قال الحوفيُّ :" يتعارفُونَ " : فعلٌ مستقبلٌ في موضع الحال من الضَّمير في " يَلْبَثُوا "، وهو العامل، كأنَّه قال : متعارفين، والمعنى : اجتمعوا متعارفين.
والثاني : أنها حالٌ من مفعول " يَحْشُرهم " أي : يَحْشُرهم متعارفين، والعاملُ فعلُ الحشر، وعلى هذا فمنْ جوَّز تعدُّدَ الحالِ، جوَّز أن تكون " كأنْ لَمْ " : حالاً أولى، وهذه حالٌ ثانيةٌ، ومن منع ذلك، جعل " كأنْ لَمْ " على ما تقدم من غير الحاليَّة.
قال أبُو البقاء :" وهي حالٌ مقدرة ؛ لأنَّ التعارف لا يكُونُ حال الحَشْرِ ".
والثالث : أنَّها مستأنفةٌ ؛ أخبر - تعالى - عنهم بذلك.
قال الزمخشري(٦) :" فإن قلت : كأنْ لمْ يلبثُوا إلاَّ ساعة "، و " يتَعارفُونَ " كيف موقعهما ؟.
قلت : أمَّا الأولى : فحالٌ منهم، أي : يَحْشُرهم مُشبهين بمنء لَمْ يَلْبَثْ إلاَّ ساعة.
وأمَّا الثانية : فإمَّا أن تتعلَّق بالظرف - يعني فتكون حالاً -، وإمَّا أن تكون مُبينة لقوله :﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً﴾ ؛ لأنَّ التَّعارفَ لا يَبْقَى مع طُولِ العهدِ، وينقلب تَنَاكُراً ".
فصل
في هذا التَّعارف وجوه :
الأول : يعرف بعضهم بعضاً كما كانوا في الدُّنْيَا.
الثاني : يعرف بعضهم بعضاً بما كانوا عليه من الخطأ والكفر، ثم تنقطع المعرفةُ إذا عاينُوا العذابَ، وتبرَّأ بعضهم من بعض.
فإن قيل : كيف توافق هذه الأشياء قوله :﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج: ١٠].
فالجواب من وجهين :
أحدهما : أنَّهم يتعارفون بينهم بتوبيخ بعضهم بعضاً ؛ فيقول كل فريق للآخر : أنت أضللتني يوم كذا، وزيَّنتَ لي الفعل القبيح الفُلاني، فهو تعارفُ توبيخٍ، وتباعدٍ، وتقاطع، لا تعارف عطفٍ، وشفقة.
وأما قوله :﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج: ١٠] فهو سؤال رحمة، وعطف.
والثاني : أنَّ تحمل هاتين الآيتين على حالتين ؛ وهو أنَّهم يتعارفُون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة ؛ فلذلك لا يسأل حميمٌ حميماً.
قوله :" قَدْ خَسِرَ " فيها وجهان :
أحدهما : أنَّها مستأنفةٌ، أخبر - تعالى - بأنَّ المكذِّبينَ بلقائِهِ خاسرون لا محالة ؛ ولذلك أتى بحرفِ التَّحقيق، ويكون هذا شهادة عليهم من الله بالخُسْرَان، والمعنى : أنَّه من باع آخرته بدنياه، فقد خسر ؛ لأنَّه أعطى الشَّريف الباقي، في أخْذِ الخسيسِ الفانِي.
والثاني : أن يكون في محلِّ نصبٍ بإضمار قولٍ، أي : قائلين قد خَسِر الذين. ثُمَّ لكَ في هذا القول المقدَّر وجهان :
أحدهما : أنه حالٌ من مفعول " يَحْشُرهُم " أي : يحشرهم قائلين ذلك.
والثاني : أنَّه حالٌ من فاعل " يتعَارفُونَ "، وقد ذهب إلى الاستئناف والحاليَّة من فاعل " يَتَعارفُونَ " : الزمخشريُّ ؛ فإنَّه قال :" هو استئنافٌ فيه معنى التَّعجُّب، كأنَّه قيل :" ما أحْشرهُمْ "، ثم قال :" قَدْ خَسِرَ " على إرادة القولِ، أي : يَتَعَارفُونَ بينهم قائلين ذلك "، وذهب إلى أنَّها حالٌ من مفعُول " يَحْشُرهُم " : ابنُ عطيَّة.
قوله :﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ يجوزُ فيها وجهان :
أحدهما : أن تكون معطوفةً على قوله :" قَدْ خَسِرَ "، فيكون حكمه حكمَهُ.
والثاني : أن تكون معطوفةً على صلةِ " الذينَ "، وهي كالتَّوكيد للجملة التي وقعتْ صلةً ؛ لأنَّ من كذَّب بلقاء الله، غيرُ مُهْتَدٍ، والمراد بالخسران : خُسْران النفس ولا شيء أعظم منه.
١ ينظر: إتحاف فضلاء البشر ٢/١١١، المحرر الوجيز ٣/١٢٣، البحر المحيط ٥/١٦٢، الدر المصون ٤/٣٦..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٢٣..
٣ ينظر: البحر المحيط ٥/١٦٢..
٤ انظر: تفسير القرطبي (٨/٢٢٢)..
٥ ينظر: المصدر السابق..
٦ ينظر: الكشاف ٢/٣٤٩..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٢٣..
٣ ينظر: البحر المحيط ٥/١٦٢..
٤ انظر: تفسير القرطبي (٨/٢٢٢)..
٥ ينظر: المصدر السابق..
٦ ينظر: الكشاف ٢/٣٤٩..