المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿ويوم نحشرهم﴾ الآية، وعيد بالحشر وخزيهم فيه وتعاونهم في التلاوم بعضهم لبعض، و ﴿يوم﴾ ظرف ونصبه يصح بفعل مضمر تقديره واذكر يوم، ويصح أن ينتصب بالفعل الذي يتضمنه قوله ﴿كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار﴾(١)، ويصح نصبه ب ﴿يتعارفون﴾، والكاف من قوله ﴿كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار﴾ يصح أن تكون في معنى الصفة لليوم(٢)، ويصح أن تكون في موضع نصب للمصدر، كأنه قال ويوم نحشرهم حشراً كأن لم يلبثوا، ويصح أن يكون قوله ﴿كأن لم يلبثوا﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿نحشرهم﴾ وخصص ﴿النهار﴾ بالذكر لأن ساعاته وقسمه معروفة بيّنه للجميع، فكأن هؤلاء يتحققون قلة ما لبثوا، إذ كل أمد طويل إذا انقضى فهو واليسير سواء، وأما قوله ﴿يتعارفون﴾ فيحتمل أن يكون معادلة لقوله :﴿ويوم نحشرهم﴾ كأنه أخبر أنهم يوم الحشر ﴿يتعارفون﴾ وهذا التعارف على جهة التلاوم والخزي من بعضهم لبعض. ويحتمل أن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿نحشرهم﴾ ويكون معنى التعارف كالذي قبله، ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير في ﴿يلبثوا﴾ ويكون التعارف في الدنيا، ويجيء معنى الآية ويوم نحشرهم للقيامة فتنقطع المعرفة بينهم والأسباب ويصير تعارفهم في الدنيا كساعة من النهار لا قدر لها، وبنحو هذا المعنى فسر الطبري(٣)، وقرأ السبعة وجمهور الناس «نحشرهم »، بالنون، وقرأ الأعمش فيما روي عنه، «يحشرهم » بالياء، وقوله ﴿قد خسر الذين﴾ إلى آخرها حكم على المكذبين بالخسار وفي اللفظ إغلاظ على المحشورين من إظهار لما هم عليه من الغرر مع الله تعالى، وهذا على أن الكلام إخبار من الله تعالى وقيل : إنه من كلام المحشورين على جهة التوبيخ لأنفسهم.
١ - قال أبو حيان: "هذا كلام مجمل لم يبين الفعل الذي يتضمنه ﴿كأن لم يلبثوا﴾ ولعله أراد ما قاله الحوفي من أن الكاف في موضع نصب بما تضمنت من معنى الكلام وهو السرعة"..
٢ -قيل: "هذا لا يصح لأن ﴿يوم نحشرهم﴾ معرفة، والجمل نكرات، ولا تنعت المعرفة بالنكرة." وأفضل إعراب لقوله تعالى: [كأن...] هو أنها جملة حالية من مفعول [نحشر]، وهذا ما اتفق عليه كل من الألوسي، والزمخشري، وأبو حيان، وذكره ابن عطية في آخر آرائه..
٣ - قيل: لا تعارف يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿ولا يسأل حميم حميما﴾، وقيل: يبقى تعارف التوبيخ، وهو الأصح، والآية السابقة معناها: لا يسأله سؤال شفقة ورحمة، والدليل على بقاء التعارف للتوبيخ قوله تعالى: ﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا﴾ الآية..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى