اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ﴾ :" ما " مبتدأة استفهامية، و " ظَنَّ " خبرها، و " يَوْمَ " منصوبٌ بنفس الظنِّ، والمصدر مضافٌ لفاعله، ومفعولا الظن محذوفان، والمعنى : وأيُّ شيءٍ يظُنُّ الذين يفترون يوم القيامة أنِّي فاعلٌ بهم : أأنجيهم من العذاب، أم أنتقمُ منهم ؟ وقيل : أيحْسَبُون أنَّ الله لا يؤاخذهم به، ولا يعاقبهم عليه، والمراد منه : تعظيم وعيد من يفتري، وقرأ عيسى بن(١) عمر :" وما ظَنَّ الذين " جعله فعلاً ماضياً، والموصولُ فاعله، و " ما " على هذه القراءة استفهاميَّة أيضاً في محلِّ نصب على المصدر، وقُدِّمتْ لأنَّ الاستفهام لهُ صدرُ الكلام، والتقدير : أيَّ ظنَّ ظَنَّ المفترون، و " مَا " الاستفهاميَّةُ قد تنُوبُ عن المصدرِ ؛ ومنه قول الشاعر :[ البسيط ]
مَاذَا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رَبْعٍ عوِيلُهُمَالا تَرْقُدان ولا بُؤسى لِمَنْ رَقَدَا(٢)
وتقول :" ما تَضْرب زَيْداً "، تريد : أيَّ ضربٍ تضربه، قال الزمخشريُّ :" أتى به فعلاً ماضياً ؛ لأنَّه واقعٌ لا محالة، فكأنَّهُ قد وقع وانقضى ". وهذا لا يستقيم هنا ؛ لأنَّه صار نصّاً في الاستقبال لعمله في الظرف المستقبل، وهو يومُ القيامة، وإن كان بلفظ الماضي، ثم قال :﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس﴾ بإعطاء العقل، وإرسال الرُّسُل، ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ لا يستعملُون العقل في تأمل دلائل الله، ولا يقبلون دعوة أنبياءِ الله، ولا ينتفعُون باستماع كلام الله.
١ ينظر: الكشاف ٢/٣٥٤، البحر المحيط ٥/١٧١، الدر المصون ٤/٤٧..
٢ تقدم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى