اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض﴾ الآية.
لمَّا ذكر في الآية المتقدمة :﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ [يونس: ٥٥] دل على أنَّ كلَّ ما لا يعقلُ، فهو مُلْكٌ لله - تعالى -، ومِلْكٌ لهُ، وههنا أتى بكلمة " مِنْ " وهي مختصَّة بالعقلاء ؛ فدلَّ على أنَّ كلَّ العقلاء داخلون تحت ملك الله وملكه، فدلَّ مجموعُ الآيتين على أنَّ الكُلَّ مُلْكُه ومِلْكُه. وقيل : المراد ب " من في السَّماواتِ " : العقلاء المُمَيَّزُون، وهم الملائكة والثقلان، وخصَّهم بالذِّكر ؛ ليدل على أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه، فالجمادات أولى بهذه العُبُوديَّة، فيكون ذلك قدحاً في جعل الأصنام شُركاء لله - تعالى -، فيكون ذلك من بابِ التنبيه بالأعلى على الأدنى، ويجوز أن يراد العموم، وغلب العاقل على غيره.
قوله :" وَمَا يَتَّبِعُ " يجوز في " ما " هذه أن تكون نافية، وهو الظاهر، و " شُرَكَاء " مفعولُ " يتَّبعُ " ومفعول " يَدْعُون " محذوفٌ لفهم المعنى، والتقدير : وما يتَّبعُ الذين يدعُون من دُون اللهِ آلهةً شُركَاءَ، فآلهة : مفعول " يَدْعُونَ " و " شركاء " : مفعول " يتبع "، وهو قول الزَّمخشريّ.
قال(١) :" ومعنى وما يتَّبعون شركاء : وما يتَّبعون حقيقة الشُّركاء، وإن كانُوا يُسَمُّونها شركاء ؛ لأنَّ شركة الله في الربوبية محال، إن يتَّبعُون إلاَّ ظنَّهم أنهم شركاءُ ثم قال :" ويجوز أن تكون " ما " استفهاماً، يعني : وأيَّ شيءٍ يتَّبعون، و " شركاء " على هذا نصب ب " يَدْعُونَ "، وعلى الأوَّل ب " يتَّبع " وكان حقُّه :" وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء " فاقتصر على أحدهما للدلالة ". وهذا الذي ذكرهُ الزمخشريُّ قد ردَّه مكِّي وأبو البقاء.
أما مكي، فقال : انتصب " شركاء " ب " يَدْعُون " ومفعول " يتَّبع " قام مقامه ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ لأنَّهُ هو، ولا ينتصبُ الشُّركاء ب " يتَّبع " لأنَّك تنفي عنهم ذلك، والله قد أخبر عنهم بذلك.
وقال أبو البقاء(٢) :" وشركاء مفعولُ " يَدْعُونَ " ولا يجوزُ أن يكون مفعُول " يتَّبعون " لأنَّ المعنى يصير إلى أنَّهم لم يتَّبعوا شركاء، وليس كذلك ".
قال شهاب الدِّين :" معنى كلامهما : أنَّه يئول المعنى إلى نفي اتِّباعهم الشركاء، والواقع أنَّهُم قد اتَّبَعُوا الشركاء ". وجوابه ما تقدَّم من أنَّ المعنى : أنهم وإن اتَّبعُوا شركاء، فليْسُوا بشركاءَ في الحقيقةِ، بل في تسميتهم هم لهم بذلك، فكأنَّهم لم يتَّخذوا شركاء، ولا اتبعوهم لسلب الصِّفة الحقيقيَّة عنهم، ومثله قولك :" ما رأيتُ رجلاً "، أي : مَنْ يستحقُّ أن يسمَّى رجلاً، وإن كنت قد رأيت الذَّكر من بني آدم، ويجوز أن تكون " ما " استفهاميَّة، وتكون حينئذٍ منصوبةً بما بعدها، وقد تقدَّم قولُ الزمخشري في ذلك.
وقال مكِّي : لو جعلت " ما " استفهاماً بمعنى : الإنكار والتَّوبيخ، كانت اسماً في موضع نصبٍ ب " يتَّبع ".
وقال أبو البقاء نحوه. ويجوز أن تكون " ما " موصولة بمعنى " الذي " نسقاً على " مَنْ " في قوله :﴿ألاا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات﴾.
قال الزمخشري : ويجوز أن تكون " ما " موصولة معطوفة على " مَنْ " كأنَّهُ قيل : ولله ما يتَّبعه الذين يدعُون من دون الله شركاء، أي : وله شركاؤهُم.
ويجوز أن تكون " ما " هذه الموصولة في محلِّ رفع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديره : والذي يتَّبعه المشركون باطلٌ، فهذه أربعة أوجهٍ.
وقرأ السلمي(٣) :" تَدعُون " بالخطاب، وعزاها الزمخشريُّ لعليّ بن أبي طالب.
قال ابنُ عطيَّة(٤) : وهي قراءةٌ غيرُ متَّجهة.
قال شهاب الدِّين(٥) : قد ذكر توجيهها الزمخشريُّ، فقال : ووجهه أن يحمل " وما يتَّبع " على الاستفهام، أي : وأيُّ شيء يتَّبع الذين تدعُونهُم شركاء من الملائكة والنبيين، يعني : أنَّهم يتَّبعُون الله - تعالى - ويطيعُونه، فما لكم لا تفعلُون مثل فعلهم ؛ كقوله :﴿أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
قوله :" إن يتَّبِعُون " " إنْ " نافية، و " الظَّن " مفعولٌ به، فهو استثناءٌ مفرَّغ، ومفعولُ الظَّن محذوفٌ، تقديره : إن يتَّبعُون إلاَّ الظَّنَّ أنَّهُم شركاءُ، وعند الكوفيين : تكون " أل " عوضاً من الضمير، تقديره : إن يتَّبعُون إلاَّ ظنَّهُم أنهم شركاءُ، والأحسنُ أن لا يقدر للظَّنِّ معمولٌ ؛ إذ المعنى : إن يتبعون إلا الظن، لا اليقين.
وقوله :" إن يتَّبعُون " من قرأ " يَدْعُون " بياء الغيبة، فقد جاء ب " يتَّبِعُونَ " مطابقاً له، ومن قرأ " تَدْعُونَ " بالخطاب، فيكون " يتَّبِعُون " : التفاتاً ؛ إذ هو خروجٌ من خطابٍ إلى غيبة، والمعنى : إن يتَّبِعُون إلاَّ ظنونهم الباطلة، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ : يكذبون، وقد تقدَّم في الأنعام.
لمَّا ذكر في الآية المتقدمة :﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ [يونس: ٥٥] دل على أنَّ كلَّ ما لا يعقلُ، فهو مُلْكٌ لله - تعالى -، ومِلْكٌ لهُ، وههنا أتى بكلمة " مِنْ " وهي مختصَّة بالعقلاء ؛ فدلَّ على أنَّ كلَّ العقلاء داخلون تحت ملك الله وملكه، فدلَّ مجموعُ الآيتين على أنَّ الكُلَّ مُلْكُه ومِلْكُه. وقيل : المراد ب " من في السَّماواتِ " : العقلاء المُمَيَّزُون، وهم الملائكة والثقلان، وخصَّهم بالذِّكر ؛ ليدل على أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه، فالجمادات أولى بهذه العُبُوديَّة، فيكون ذلك قدحاً في جعل الأصنام شُركاء لله - تعالى -، فيكون ذلك من بابِ التنبيه بالأعلى على الأدنى، ويجوز أن يراد العموم، وغلب العاقل على غيره.
قوله :" وَمَا يَتَّبِعُ " يجوز في " ما " هذه أن تكون نافية، وهو الظاهر، و " شُرَكَاء " مفعولُ " يتَّبعُ " ومفعول " يَدْعُون " محذوفٌ لفهم المعنى، والتقدير : وما يتَّبعُ الذين يدعُون من دُون اللهِ آلهةً شُركَاءَ، فآلهة : مفعول " يَدْعُونَ " و " شركاء " : مفعول " يتبع "، وهو قول الزَّمخشريّ.
قال(١) :" ومعنى وما يتَّبعون شركاء : وما يتَّبعون حقيقة الشُّركاء، وإن كانُوا يُسَمُّونها شركاء ؛ لأنَّ شركة الله في الربوبية محال، إن يتَّبعُون إلاَّ ظنَّهم أنهم شركاءُ ثم قال :" ويجوز أن تكون " ما " استفهاماً، يعني : وأيَّ شيءٍ يتَّبعون، و " شركاء " على هذا نصب ب " يَدْعُونَ "، وعلى الأوَّل ب " يتَّبع " وكان حقُّه :" وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء " فاقتصر على أحدهما للدلالة ". وهذا الذي ذكرهُ الزمخشريُّ قد ردَّه مكِّي وأبو البقاء.
أما مكي، فقال : انتصب " شركاء " ب " يَدْعُون " ومفعول " يتَّبع " قام مقامه ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ لأنَّهُ هو، ولا ينتصبُ الشُّركاء ب " يتَّبع " لأنَّك تنفي عنهم ذلك، والله قد أخبر عنهم بذلك.
وقال أبو البقاء(٢) :" وشركاء مفعولُ " يَدْعُونَ " ولا يجوزُ أن يكون مفعُول " يتَّبعون " لأنَّ المعنى يصير إلى أنَّهم لم يتَّبعوا شركاء، وليس كذلك ".
قال شهاب الدِّين :" معنى كلامهما : أنَّه يئول المعنى إلى نفي اتِّباعهم الشركاء، والواقع أنَّهُم قد اتَّبَعُوا الشركاء ". وجوابه ما تقدَّم من أنَّ المعنى : أنهم وإن اتَّبعُوا شركاء، فليْسُوا بشركاءَ في الحقيقةِ، بل في تسميتهم هم لهم بذلك، فكأنَّهم لم يتَّخذوا شركاء، ولا اتبعوهم لسلب الصِّفة الحقيقيَّة عنهم، ومثله قولك :" ما رأيتُ رجلاً "، أي : مَنْ يستحقُّ أن يسمَّى رجلاً، وإن كنت قد رأيت الذَّكر من بني آدم، ويجوز أن تكون " ما " استفهاميَّة، وتكون حينئذٍ منصوبةً بما بعدها، وقد تقدَّم قولُ الزمخشري في ذلك.
وقال مكِّي : لو جعلت " ما " استفهاماً بمعنى : الإنكار والتَّوبيخ، كانت اسماً في موضع نصبٍ ب " يتَّبع ".
وقال أبو البقاء نحوه. ويجوز أن تكون " ما " موصولة بمعنى " الذي " نسقاً على " مَنْ " في قوله :﴿ألاا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات﴾.
قال الزمخشري : ويجوز أن تكون " ما " موصولة معطوفة على " مَنْ " كأنَّهُ قيل : ولله ما يتَّبعه الذين يدعُون من دون الله شركاء، أي : وله شركاؤهُم.
ويجوز أن تكون " ما " هذه الموصولة في محلِّ رفع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديره : والذي يتَّبعه المشركون باطلٌ، فهذه أربعة أوجهٍ.
وقرأ السلمي(٣) :" تَدعُون " بالخطاب، وعزاها الزمخشريُّ لعليّ بن أبي طالب.
قال ابنُ عطيَّة(٤) : وهي قراءةٌ غيرُ متَّجهة.
قال شهاب الدِّين(٥) : قد ذكر توجيهها الزمخشريُّ، فقال : ووجهه أن يحمل " وما يتَّبع " على الاستفهام، أي : وأيُّ شيء يتَّبع الذين تدعُونهُم شركاء من الملائكة والنبيين، يعني : أنَّهم يتَّبعُون الله - تعالى - ويطيعُونه، فما لكم لا تفعلُون مثل فعلهم ؛ كقوله :﴿أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
قوله :" إن يتَّبِعُون " " إنْ " نافية، و " الظَّن " مفعولٌ به، فهو استثناءٌ مفرَّغ، ومفعولُ الظَّن محذوفٌ، تقديره : إن يتَّبعُون إلاَّ الظَّنَّ أنَّهُم شركاءُ، وعند الكوفيين : تكون " أل " عوضاً من الضمير، تقديره : إن يتَّبعُون إلاَّ ظنَّهُم أنهم شركاءُ، والأحسنُ أن لا يقدر للظَّنِّ معمولٌ ؛ إذ المعنى : إن يتبعون إلا الظن، لا اليقين.
وقوله :" إن يتَّبعُون " من قرأ " يَدْعُون " بياء الغيبة، فقد جاء ب " يتَّبِعُونَ " مطابقاً له، ومن قرأ " تَدْعُونَ " بالخطاب، فيكون " يتَّبِعُون " : التفاتاً ؛ إذ هو خروجٌ من خطابٍ إلى غيبة، والمعنى : إن يتَّبِعُون إلاَّ ظنونهم الباطلة، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ : يكذبون، وقد تقدَّم في الأنعام.
١ ينظر: الكشاف ٢/٣٥٧..
٢ ينظر: الإملاء ٢/٣٠..
٣ ينظر: الكشاف ٢/٣٥٧، المحرر الوجيز ٣/١٣٠، البحر المحيط ٥/١٧٤، الدر المصون ٤/٥١..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٣٠..
٥ ينظر: الدر المصون ٤/٥١..
٢ ينظر: الإملاء ٢/٣٠..
٣ ينظر: الكشاف ٢/٣٥٧، المحرر الوجيز ٣/١٣٠، البحر المحيط ٥/١٧٤، الدر المصون ٤/٥١..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٣٠..
٥ ينظر: الدر المصون ٤/٥١..