اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ الآية.
لمَّا بالغ في تقرير الدَّلائل، والجواب عن الشُّبه، شرع في بيان قصص الأنبياء ؛ لوجوه :
الأول : أنَّ الكلام إذا طال في تقرير نوع من أنواع العُلُوم ؛ فربَّما حصل نوع من الملالة، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفنِّ إلى فنٍّ آخر، انشرح، ووجد في نفسه رغبةً شديدةً.
الثاني : ليتأسَّى الرسول وأصحابه بمن سلف من الأنبياء ؛ فإنَّ الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكُفَّار مع الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه، خفَّ ذلك على قلبه، كما يقال : إن المصيبة إذا عمَّتْ خفَّتْ.
الثالث : أنَّ الكُفَّار إذا سمعُوا هذه القصص، وعلموا أنَّ الجُهَّال وإن بالغُوا في إيذاء الأنبياء المتقدِّمين، إلاَّ أنَّ الله - تعالى - أعانهم بالآخرة، ونصرهم، وأيَّدهُم، وقهر أعداءهم، كان سماع هؤلاء الكُفَّار لهذه القصص، سبباً لانكسار قلوبهم، ووقوعِ الخوف في صدورهم ؛ فحينئذٍ يُقَلِّلُون من الأذى والسَّفاهة.
الرابع : أنَّ محمَّداً - عليه الصلاة والسلام - لمَّا لمْ يتعلَّم علماً، ولم يطالع كتاباً، ثم ذكر هذه القصص من غير تفاوُتٍ، ومن غير زيادة ولا نقصان، دلَّ ذلك على أنَّه - عليه الصلاة والسلام - إنَّما عرفها بالوحْي والتنزيل، وحذفت الواو من " اتْلُ " لأنه أمر. قوله :" إذْ قال " يجوز أن تكون " إذْ " معمولةً ل " نَبَأ " ويجوز أن تكون بدلاً من " نَبَأ " بدل اشتمال، وجوَّز أبو البقاء : أن تكون حالاً من " نَبَأ " وليس بظاهر، ولا يجوزُ أن يكون منصوباً ب " اتلُ " لفساده ؛ إذ " اتْلُ " مستقبلٌ، و " إذ " ماضٍ، و " لِقوْمِهِ " اللام : إمَّا للتبليغ، وهو الظاهرُ، وإمَّا للعِلَّة، وليس بظاهرٍ.
قال المفسرون :" قون نُوح هم : ولد قابيل ".
قوله :﴿كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي﴾ من باب الإسناد المجازيِّ ؛ كقولهم :" ثَقُلَ عليَّ ظلُّه ".
وقرأ أبو رجاء، وأبو مجلز(١)، وأبو الجوزاء :" مُقَامِي " بضمِّ الميم، و " المقام " بالفتح : مكان القيام، وبالضم : مكان الإقامة، أو الإقامة نفسها.
وقال ابن عطيَّة(٢) :" ولم يُقْرَأ هنا بضمِّ الميم ". كأنَّه لم يطَّلع على قراءة هؤلاء.
قال الواحدي : يقال : كَبُرَ يَكبُرُ كِبراً في السِّنِّ، وكَبُرَ الأمرُ والشيء، إذا عظم، يَكْبُرُ كِبَراً وكُبَّارة، قال ابن عبَّاس :" ثقُل عليكم، وشقَّ عليكم " وأراد بالمقام ههنا : مُكْثَهُ(٣).
وسبب هذا الثِّقل أمران :
الأول : أنَّه - عليه الصلاة والسلام - مكث فيهم ألف سنةٍ إلاَّ خمسين عاماً.
والثاني : أنَّ أولئك الكُفَّار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة، ومن ألف طريقة في الدِّين ؛ فإنه يثقل عليه أن يدعي إلى خلافها ؛ فإن اقترن بذلك طول مُدَّة الدُّعاءِ، كان أثقل، وأشدّ كراهية، وقوله ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ الله﴾ : بحُجَجِه وبيناته.
قوله :﴿فَعَلَى الله﴾ جواب الشَّرط، وقوله ﴿فأجمعوا﴾ عطف على الجواب، ولم يذكر أبُو البقاء غيره، واستُشْكِل عليه أنَّه متوكلٌ على الله دائماً، كبُر عليهم مقامُه أوْ لمْ يَكْبُرْ.
وقيل : جوابُ الشَّرط قوله :" فأجْمِعُوا " وقوله :﴿فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ﴾ : جملةٌ اعتراضية بين الشَّرطِ وجوابه ؛ وهو كقول الشاعر :[ الكامل ]
وقيل : الجوابُ محذوفٌ، أي : فافْعَلُوا ما شِئْتُم.
وقرأ العامَّة " " فأجْمِعُوا " أمْراً من " أجْمَع " بهزة القطع، يقال : أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان، فيقال : أجْمَعْتُ أمري، وجمعتُ الجيشَ، هذا هو الأكثر. قال الحارثُ بن حلِّزة :[ الخفيف ]
وقال آخر :[ الرجز ]
وهل أجمع متعدِّ بنفسه، أو بحرف جر ثم حذف اتساعاً ؟.
فقال أبو البقاء : من قولك أجمعتُ على الأمْرِ : إذا عزمتَ عليه ؛ إلاَّ أنَّه حُذفَ حرفُ الجر فوصل الفعل إليه، وقيل : هو متعدٍّ بنفسه، وأنشد قول الحارث.
وقال أبو فيد السَّدُوسي : أجمعت الأمر، أفصحُ من أجمعت عليه.
وقال أبو الهيثم : أجمع أمرهُ جعلهُ مجموعاً بعد ما كان متفرقاً، قال : وتفرقته أن يقول مرَّة افعل كذا، ومرَّة افعل كذا، وإذا عزم على أمرٍ واحدٍ، فقد جمعه أي : جعله جميعاً، فهذا هو الأصلُ في الإجماع، ثم صار بمعنى : العزْم، حتى وصل ب " عَلَى " فقيل : أجمعتُ على الأمر ؛ أي : عَزَمْتُ عليه، والأصلُ : أجمعتُ الأمرَ.
وقرأ العامَّةُ :" وشُركَاءَكُم " نصباً وفيه أوجه :
أحدها : أنَّه معطوفٌ على " أمركُم " بتقدير حذف مضافٍ، أي : وأمر شركائكم ؛ كقوله :﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]، ودلَّ على ذلك ما تقدَّم من أنَّ " أجمع " للمعاني.
الثاني : أنَّه عطفٌ عليه من غير تقدير حذف مضافٍ، قيل : لأنَّه يقال أيضاً : أجمعت شركائي.
الثالث : أنَّه منصوبٌ بإضمار فعلٍ لائق، واجمعُوا شركاءكم بوصل الهمزة، وقيل : تقديره : وادعوا، وكذلك هي في مصحف أبيِّ " وادعوا " فأضمر فعلاً لائقاً ؛ كقوله - تعالى - :﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: ٩]، أي : واعتقدوا الإيمان.
ومثله قول الآخر :[ الرجز ]
أي : وسقيتها ماءً ؛ وكقوله :[ مجزوء الكامل ]
وقول الآخر :[ الوافر ]
يريد : ومُعْتَقِلاً رمحاً، وكحَّلنَ العُيُونا، وقد تقدَّم أنَّ في هذه الأماكن غير هذا التخريج.
الرابع : أنه مفعولٌ معه، أي :" مع شُركائكم ".
قال الفارسيُّ : وقد يُنْصَب الشُّرَكاء بواو " مع "، كما قالوا : جاء البرد والطَّيالسة، ولم يذكر الزَّمخشريُّ غير قول أبي علي.
قال الزَّجَّاج :" معناه : فأجمعُوا أمركم مع شُركائِكُم، فلما ترك انتصب ".
قال أبو حيَّان :" وينبغي أن يكون هذا التخريجُ على أنَّه مفعولٌ معه من الفاعل، وهو الضمير في " فأجْمِعُوا " لا من المفعول الذي هو " أمْرَكُمْ " وذلك على أشهر الاستعمالين ؛ لأنَّه يقال :" أجمع الشركاءُ أمرهم " ولا يقال :" جمع الشركاء أمرهم " إلا قليلاً ".
قال شهاب الدين : يعني : أنَّهُ إذا جعلناه مفعولاً معه من الفاعل، كان جائزاً بلا خلافٍ، وذلك لأنَّ من النَّحويين من اشترط في صحَّة نصب المفعول معه : أن يصلح عطفُه على ما قبله، فإنْ لَمْ يصلح عطفه، لم يصحَّ نصبُه مفعولاً معه، فلو جعلناه من المفعول لم يجز على المشهور، إذ لا يصلح عطفه على ما قبله ؛ إذ لا يقال : أجمعت شركائي، بل جمعت.
وقرأ الزهري، والأعمش، والأعرج، والجحدري(١٠)، وأبو رجاء، ويعقوب، والأصمعي عن نافع :" فاجْمَعُوا " بوصل الألف، وفتح الميم من جمع يجْمَعُ، و " شُرَكاءكُمْ " على هذه القراءةِ يتضح نصبه نسقاً على ما قبله، ويجوز فيه ما تقدَّم في القراءة الأولى من الأوجه.
قال صاحبُ اللوامح : أجمعت الأمر : أي : جعلته جميعاً، وجمعتُ الأموال جمعاً، فكان الإجماع في الأحداث، والجمعُ في الأعيان، وقد يستعمل كلُّ واحدٍ مكان الآخر، وفي التنزيل :﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠] وقد اختلف القراء في قوله :﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤].
فقرأ الستَّة : بقطع الهمزة، جعلوه من " أجْمع " وهو موافق لما قيل : إنَّ " أجْمَع " في المعاني.
وقرأ أبو(١١) عمرو وحدهُ " فاجْمَعُوا " بوصل الألف، وقد اتفقوا على قوله ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠]، فإنَّه من الثلاثي، مع أنَّه متسلِّطٌ على معنًى، لا عينٍ.
ومنهم من جعل للثلاثي معنى غير معنى الرُّباعي ؛ فقال في قراءة أبي عمرو : من جمع يَجْمع ضد فرَّق يفرق، وجعل قراءة الباقين من : أجمع أمرهُ إذا أحكمه وعزم عليه، ومنه قول الشاعر :[ الرجز ]
وقيل : المعنى : فاجمعوا على كيدكم ؛ فحذف حرف الجرِّ.
وقرأ الحسن، والسلمي، وعيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق، وسلام(١٣)، ويعقوب :" وشُرَكاؤكُمْ " رفعاً، وفيه تخريجان :
أحدهما : أنَّه نسقٌ على الضَّمير المرفوع ب " أجْمِعُوا " قبله، وجاز ذلك ؛ إذ الفصل بالمفعول سوَّغ العطف.
والثاني : أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره : وشُركاؤكُم فليُجْمِعُوا أمرهم، وشذَّتْ فرقةٌ فقرأت(١٤) :" وشُرَكائِكُمْ " بالخفضِ، ووُجِّهَتْ على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مجرُوراً على حاله ؛ كقول الشاعر :
أي : وكُلَّ نار، فتقدير الآية : وأمر شركائكم ؛ فحذف الأمر، وأبقى ما بعده على حاله، ومن رأى برأي الكوفيين جوَّزَ عطفه على الضَّمير في " أمركم " من غير تأويل، وقد تقدَّم ما فيه من المذاهب، أعني : العطف على الضَّمير المجرور من غير إعادة الجارِّ في سُورة البقرة.
قوله :" غُمَّةً " يقال : غمٌّ وغُمَّةٌ، نحو كَرْبٌ وكُربَةٌ.
قال أبو الهيثم : هو من قولهم : غمَّ علينا الهلالُ، فهو مغمومٌ إذا التمسَ، فلم يُرَ ؛ قال طرفةُ بن العبد :[ الطويل ]
وقال اللَّيث : يقال : هُو في غُمَّةٍ من أمره، إذا لَمْ يتبيَّنْ لهُ.
قوله :﴿ثُمَّ اقضوا﴾ مفعول " اقضوا " محذوف، أي : اقضُوا إليَّ ذلك الأمر الذي تريدون إيقاعه بي ؛ كقوله :﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر﴾ [الحجر: ٦٦] فعدَّاه لمفعول صريح.
وقرأ السَّري(١٧) :" ثُمَّ أفْضُوا " بقطع الهمزة والفاء، من أفْضى يُفضِي إذا انتهى، يقال : أفضَيْتُ إليك، قال تعالى :﴿وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، فالمعنى : ثُمَّ أفضُوا إليَّ سرَّكم، أي : انتهوا به إليَّ، وقيل : معناه : أسْرِعُوا به إليَّ، وقيل : هو مِنْ أفْضَى، أي : خَرَجَ إلى الفضاءِ، أي : فأصْحِرُوا به إليَّ، وأبرزُوه لي ؛ كقوله :[ الطويل ]
ولامُ الفضاءِ واوٌ ؛ لأنَّه من فضا يَفْضُو، أي : اتَّسعَ، والمعنى : فأحكمُوا أمركُم، واعزِمُوا وادعُوا شُركَاءَكُم، أي : آلهتكُم، فاستعينوا بها لتجتمع.
وروى الأصمعي، عن نافع :" فأجمعُوا ذوي الأمر منكم " فحذف المضاف، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت.
قال ابن الأنباري : المرادُ من الأمر هنا : وجوه كيدهم، ومكرهم، والتقدير : لا تتركوا مِن أمركُم
لمَّا بالغ في تقرير الدَّلائل، والجواب عن الشُّبه، شرع في بيان قصص الأنبياء ؛ لوجوه :
الأول : أنَّ الكلام إذا طال في تقرير نوع من أنواع العُلُوم ؛ فربَّما حصل نوع من الملالة، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفنِّ إلى فنٍّ آخر، انشرح، ووجد في نفسه رغبةً شديدةً.
الثاني : ليتأسَّى الرسول وأصحابه بمن سلف من الأنبياء ؛ فإنَّ الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكُفَّار مع الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه، خفَّ ذلك على قلبه، كما يقال : إن المصيبة إذا عمَّتْ خفَّتْ.
الثالث : أنَّ الكُفَّار إذا سمعُوا هذه القصص، وعلموا أنَّ الجُهَّال وإن بالغُوا في إيذاء الأنبياء المتقدِّمين، إلاَّ أنَّ الله - تعالى - أعانهم بالآخرة، ونصرهم، وأيَّدهُم، وقهر أعداءهم، كان سماع هؤلاء الكُفَّار لهذه القصص، سبباً لانكسار قلوبهم، ووقوعِ الخوف في صدورهم ؛ فحينئذٍ يُقَلِّلُون من الأذى والسَّفاهة.
الرابع : أنَّ محمَّداً - عليه الصلاة والسلام - لمَّا لمْ يتعلَّم علماً، ولم يطالع كتاباً، ثم ذكر هذه القصص من غير تفاوُتٍ، ومن غير زيادة ولا نقصان، دلَّ ذلك على أنَّه - عليه الصلاة والسلام - إنَّما عرفها بالوحْي والتنزيل، وحذفت الواو من " اتْلُ " لأنه أمر. قوله :" إذْ قال " يجوز أن تكون " إذْ " معمولةً ل " نَبَأ " ويجوز أن تكون بدلاً من " نَبَأ " بدل اشتمال، وجوَّز أبو البقاء : أن تكون حالاً من " نَبَأ " وليس بظاهر، ولا يجوزُ أن يكون منصوباً ب " اتلُ " لفساده ؛ إذ " اتْلُ " مستقبلٌ، و " إذ " ماضٍ، و " لِقوْمِهِ " اللام : إمَّا للتبليغ، وهو الظاهرُ، وإمَّا للعِلَّة، وليس بظاهرٍ.
قال المفسرون :" قون نُوح هم : ولد قابيل ".
قوله :﴿كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي﴾ من باب الإسناد المجازيِّ ؛ كقولهم :" ثَقُلَ عليَّ ظلُّه ".
وقرأ أبو رجاء، وأبو مجلز(١)، وأبو الجوزاء :" مُقَامِي " بضمِّ الميم، و " المقام " بالفتح : مكان القيام، وبالضم : مكان الإقامة، أو الإقامة نفسها.
وقال ابن عطيَّة(٢) :" ولم يُقْرَأ هنا بضمِّ الميم ". كأنَّه لم يطَّلع على قراءة هؤلاء.
قال الواحدي : يقال : كَبُرَ يَكبُرُ كِبراً في السِّنِّ، وكَبُرَ الأمرُ والشيء، إذا عظم، يَكْبُرُ كِبَراً وكُبَّارة، قال ابن عبَّاس :" ثقُل عليكم، وشقَّ عليكم " وأراد بالمقام ههنا : مُكْثَهُ(٣).
وسبب هذا الثِّقل أمران :
الأول : أنَّه - عليه الصلاة والسلام - مكث فيهم ألف سنةٍ إلاَّ خمسين عاماً.
والثاني : أنَّ أولئك الكُفَّار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة، ومن ألف طريقة في الدِّين ؛ فإنه يثقل عليه أن يدعي إلى خلافها ؛ فإن اقترن بذلك طول مُدَّة الدُّعاءِ، كان أثقل، وأشدّ كراهية، وقوله ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ الله﴾ : بحُجَجِه وبيناته.
قوله :﴿فَعَلَى الله﴾ جواب الشَّرط، وقوله ﴿فأجمعوا﴾ عطف على الجواب، ولم يذكر أبُو البقاء غيره، واستُشْكِل عليه أنَّه متوكلٌ على الله دائماً، كبُر عليهم مقامُه أوْ لمْ يَكْبُرْ.
وقيل : جوابُ الشَّرط قوله :" فأجْمِعُوا " وقوله :﴿فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ﴾ : جملةٌ اعتراضية بين الشَّرطِ وجوابه ؛ وهو كقول الشاعر :[ الكامل ]
| إمَّا تَرَيْنِي قَد نَحَلٍْتُ ومَنْ يكُنْ | غَرضاً لأطْرَافِ الأسنَّةِ يَنْحَلِ |
| فلرُبَّ أبْلَجَ مثلِ ثِقْلِكِ بَادِنٍ | ضَخْمٍ على ظَهْرِ الجَوَادِ مُهَيَّلِ(٤) |
وقرأ العامَّة " " فأجْمِعُوا " أمْراً من " أجْمَع " بهزة القطع، يقال : أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان، فيقال : أجْمَعْتُ أمري، وجمعتُ الجيشَ، هذا هو الأكثر. قال الحارثُ بن حلِّزة :[ الخفيف ]
| أجْمَعُوا أمْرَهُمْ بِليْلٍ فلمَّا | أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ(٥) |
| يَا لَيْتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَعُ | هَلْ أغْدُوَنْ يَوْماً وأمْرِي مُجْمَعُ ؟(٦) |
فقال أبو البقاء : من قولك أجمعتُ على الأمْرِ : إذا عزمتَ عليه ؛ إلاَّ أنَّه حُذفَ حرفُ الجر فوصل الفعل إليه، وقيل : هو متعدٍّ بنفسه، وأنشد قول الحارث.
وقال أبو فيد السَّدُوسي : أجمعت الأمر، أفصحُ من أجمعت عليه.
وقال أبو الهيثم : أجمع أمرهُ جعلهُ مجموعاً بعد ما كان متفرقاً، قال : وتفرقته أن يقول مرَّة افعل كذا، ومرَّة افعل كذا، وإذا عزم على أمرٍ واحدٍ، فقد جمعه أي : جعله جميعاً، فهذا هو الأصلُ في الإجماع، ثم صار بمعنى : العزْم، حتى وصل ب " عَلَى " فقيل : أجمعتُ على الأمر ؛ أي : عَزَمْتُ عليه، والأصلُ : أجمعتُ الأمرَ.
وقرأ العامَّةُ :" وشُركَاءَكُم " نصباً وفيه أوجه :
أحدها : أنَّه معطوفٌ على " أمركُم " بتقدير حذف مضافٍ، أي : وأمر شركائكم ؛ كقوله :﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]، ودلَّ على ذلك ما تقدَّم من أنَّ " أجمع " للمعاني.
الثاني : أنَّه عطفٌ عليه من غير تقدير حذف مضافٍ، قيل : لأنَّه يقال أيضاً : أجمعت شركائي.
الثالث : أنَّه منصوبٌ بإضمار فعلٍ لائق، واجمعُوا شركاءكم بوصل الهمزة، وقيل : تقديره : وادعوا، وكذلك هي في مصحف أبيِّ " وادعوا " فأضمر فعلاً لائقاً ؛ كقوله - تعالى - :﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: ٩]، أي : واعتقدوا الإيمان.
ومثله قول الآخر :[ الرجز ]
| عَلفتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً | حتَّى شَتَتْ همَّالةً عَيْنَاهَا(٧) |
| يا لَيْتَ زَوْجَك قَدْ غَدَا | مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا(٨) |
| إذَا مَا الغَانِيَاتُ يَرَزْنَ يَوْماً | وزجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا(٩) |
الرابع : أنه مفعولٌ معه، أي :" مع شُركائكم ".
قال الفارسيُّ : وقد يُنْصَب الشُّرَكاء بواو " مع "، كما قالوا : جاء البرد والطَّيالسة، ولم يذكر الزَّمخشريُّ غير قول أبي علي.
قال الزَّجَّاج :" معناه : فأجمعُوا أمركم مع شُركائِكُم، فلما ترك انتصب ".
قال أبو حيَّان :" وينبغي أن يكون هذا التخريجُ على أنَّه مفعولٌ معه من الفاعل، وهو الضمير في " فأجْمِعُوا " لا من المفعول الذي هو " أمْرَكُمْ " وذلك على أشهر الاستعمالين ؛ لأنَّه يقال :" أجمع الشركاءُ أمرهم " ولا يقال :" جمع الشركاء أمرهم " إلا قليلاً ".
قال شهاب الدين : يعني : أنَّهُ إذا جعلناه مفعولاً معه من الفاعل، كان جائزاً بلا خلافٍ، وذلك لأنَّ من النَّحويين من اشترط في صحَّة نصب المفعول معه : أن يصلح عطفُه على ما قبله، فإنْ لَمْ يصلح عطفه، لم يصحَّ نصبُه مفعولاً معه، فلو جعلناه من المفعول لم يجز على المشهور، إذ لا يصلح عطفه على ما قبله ؛ إذ لا يقال : أجمعت شركائي، بل جمعت.
وقرأ الزهري، والأعمش، والأعرج، والجحدري(١٠)، وأبو رجاء، ويعقوب، والأصمعي عن نافع :" فاجْمَعُوا " بوصل الألف، وفتح الميم من جمع يجْمَعُ، و " شُرَكاءكُمْ " على هذه القراءةِ يتضح نصبه نسقاً على ما قبله، ويجوز فيه ما تقدَّم في القراءة الأولى من الأوجه.
قال صاحبُ اللوامح : أجمعت الأمر : أي : جعلته جميعاً، وجمعتُ الأموال جمعاً، فكان الإجماع في الأحداث، والجمعُ في الأعيان، وقد يستعمل كلُّ واحدٍ مكان الآخر، وفي التنزيل :﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠] وقد اختلف القراء في قوله :﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤].
فقرأ الستَّة : بقطع الهمزة، جعلوه من " أجْمع " وهو موافق لما قيل : إنَّ " أجْمَع " في المعاني.
وقرأ أبو(١١) عمرو وحدهُ " فاجْمَعُوا " بوصل الألف، وقد اتفقوا على قوله ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠]، فإنَّه من الثلاثي، مع أنَّه متسلِّطٌ على معنًى، لا عينٍ.
ومنهم من جعل للثلاثي معنى غير معنى الرُّباعي ؛ فقال في قراءة أبي عمرو : من جمع يَجْمع ضد فرَّق يفرق، وجعل قراءة الباقين من : أجمع أمرهُ إذا أحكمه وعزم عليه، ومنه قول الشاعر :[ الرجز ]
| يَا ليتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَعُ | هَلْ أغْدُونْ يوماً وأمْرِي مُجْمَع ؟(١٢) |
وقرأ الحسن، والسلمي، وعيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق، وسلام(١٣)، ويعقوب :" وشُرَكاؤكُمْ " رفعاً، وفيه تخريجان :
أحدهما : أنَّه نسقٌ على الضَّمير المرفوع ب " أجْمِعُوا " قبله، وجاز ذلك ؛ إذ الفصل بالمفعول سوَّغ العطف.
والثاني : أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره : وشُركاؤكُم فليُجْمِعُوا أمرهم، وشذَّتْ فرقةٌ فقرأت(١٤) :" وشُرَكائِكُمْ " بالخفضِ، ووُجِّهَتْ على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مجرُوراً على حاله ؛ كقول الشاعر :
| أكُلَّ امرِئٍ تَحْسِبينَ امْرَءًا | ونَارٍ توقَّدُ باللَّيْل نَارَا(١٥) |
قوله :" غُمَّةً " يقال : غمٌّ وغُمَّةٌ، نحو كَرْبٌ وكُربَةٌ.
قال أبو الهيثم : هو من قولهم : غمَّ علينا الهلالُ، فهو مغمومٌ إذا التمسَ، فلم يُرَ ؛ قال طرفةُ بن العبد :[ الطويل ]
| لعَمْرُكَ ما أمْرِي عليَّ بغُمَّةٍ | نَهَاري ولا لَيْلِي عليَّ بِسرمَدِ(١٦) |
قوله :﴿ثُمَّ اقضوا﴾ مفعول " اقضوا " محذوف، أي : اقضُوا إليَّ ذلك الأمر الذي تريدون إيقاعه بي ؛ كقوله :﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر﴾ [الحجر: ٦٦] فعدَّاه لمفعول صريح.
وقرأ السَّري(١٧) :" ثُمَّ أفْضُوا " بقطع الهمزة والفاء، من أفْضى يُفضِي إذا انتهى، يقال : أفضَيْتُ إليك، قال تعالى :﴿وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، فالمعنى : ثُمَّ أفضُوا إليَّ سرَّكم، أي : انتهوا به إليَّ، وقيل : معناه : أسْرِعُوا به إليَّ، وقيل : هو مِنْ أفْضَى، أي : خَرَجَ إلى الفضاءِ، أي : فأصْحِرُوا به إليَّ، وأبرزُوه لي ؛ كقوله :[ الطويل ]
| أبَى الضَّيْمَ والنُّعْمَانُ يَحْرِقُ نابهُ | عليه فأفْضَى والسُّيُوفُ معاقِلُه(١٨) |
وروى الأصمعي، عن نافع :" فأجمعُوا ذوي الأمر منكم " فحذف المضاف، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت.
قال ابن الأنباري : المرادُ من الأمر هنا : وجوه كيدهم، ومكرهم، والتقدير : لا تتركوا مِن أمركُم
١ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٣١، البحر المحيط ٥/١٧٦، الدر المصون ٤/٥٣..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٣١..
٣ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٦٢) والرازي (١٧/١٠٩)..
٤ البيتان لعنترة. ينظر: ديوانه (٦) والبحر المحيط ٥/١٧٧ والدر المصون ٤/٥٣..
٥ ينظر البيت في ديوانه (١١٨) والبحر المحيط ٥/١٧٧ والمنصف ٣/٤٧ وروح المعاني ١١/١٥٧ والتهذيب ٢/٩٧ وشرح المعلقات للزوزني ٣١١ وشرح القصائد السبع ٤٥٢ والدر المصون ٤/٥٣..
٦ البيت ينسب للمؤرج ينظر: الخصائص ٢/١٣٦ والهمع ١/٢٤٧ ومعاني الفراء ١/٤٧٣ والنوادر ١٣٣ والدرر ١/٢٠٤ والبحر المحيط ٥/١٧٧ والقرطبي ٨/٢٣١ واللسان (جمع) وشرح القصائد السبع ٤٥٢ والدر المصون ٤/٥٣..
٧ تقدم..
٨ تقدم..
٩ تقدم..
١٠ ينظر: السبعة ص (٣٢٨)، الحجة ٤/٢٨٧، إعراب القراءات ١/٢٧٠، النشر ٢/٢٨٦، إتحاف فضلاء البشر ٢/١١٧..
١١ ينظر: السابق..
١٢ تقدم..
١٣ ينظر: إعراب القراءات ١/٢٧١، إتحاف فضلاء البشر ٢/١١٧-١١٨، المحرر الوجيز ٣/١٣٢، البحر المحيط ٥/١٧٨، الدر المصون ٤/٥٥..
١٤ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٣٢، البحر المحيط ٥/١٧٨، الدر المصون ٤/٥٥..
١٥ تقدم..
١٦ ينظر البيت في ديوانه (٤٠) والبحر المحيط ٥/١٧٨ والتهذيب ١٦/١١٥ وشرح القصائد السبع ٢٨٨ والتفسير الكبير ٨٧/١٣٨ والقرطبي ٨/٢٣٢ واللسان (غمم) والدر المصون ٤/٥٥..
١٧ ينظر: الكشاف ٢/٣٦٠، المحرر الوجيز ٣/١٣٢، البحر المحيط ٥/١٧٩، الدر المصون ٤/٥٥..
١٨ تقدم..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٣١..
٣ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٦٢) والرازي (١٧/١٠٩)..
٤ البيتان لعنترة. ينظر: ديوانه (٦) والبحر المحيط ٥/١٧٧ والدر المصون ٤/٥٣..
٥ ينظر البيت في ديوانه (١١٨) والبحر المحيط ٥/١٧٧ والمنصف ٣/٤٧ وروح المعاني ١١/١٥٧ والتهذيب ٢/٩٧ وشرح المعلقات للزوزني ٣١١ وشرح القصائد السبع ٤٥٢ والدر المصون ٤/٥٣..
٦ البيت ينسب للمؤرج ينظر: الخصائص ٢/١٣٦ والهمع ١/٢٤٧ ومعاني الفراء ١/٤٧٣ والنوادر ١٣٣ والدرر ١/٢٠٤ والبحر المحيط ٥/١٧٧ والقرطبي ٨/٢٣١ واللسان (جمع) وشرح القصائد السبع ٤٥٢ والدر المصون ٤/٥٣..
٧ تقدم..
٨ تقدم..
٩ تقدم..
١٠ ينظر: السبعة ص (٣٢٨)، الحجة ٤/٢٨٧، إعراب القراءات ١/٢٧٠، النشر ٢/٢٨٦، إتحاف فضلاء البشر ٢/١١٧..
١١ ينظر: السابق..
١٢ تقدم..
١٣ ينظر: إعراب القراءات ١/٢٧١، إتحاف فضلاء البشر ٢/١١٧-١١٨، المحرر الوجيز ٣/١٣٢، البحر المحيط ٥/١٧٨، الدر المصون ٤/٥٥..
١٤ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١٣٢، البحر المحيط ٥/١٧٨، الدر المصون ٤/٥٥..
١٥ تقدم..
١٦ ينظر البيت في ديوانه (٤٠) والبحر المحيط ٥/١٧٨ والتهذيب ١٦/١١٥ وشرح القصائد السبع ٢٨٨ والتفسير الكبير ٨٧/١٣٨ والقرطبي ٨/٢٣٢ واللسان (غمم) والدر المصون ٤/٥٥..
١٧ ينظر: الكشاف ٢/٣٦٠، المحرر الوجيز ٣/١٣٢، البحر المحيط ٥/١٧٩، الدر المصون ٤/٥٥..
١٨ تقدم..