فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
شرع الله سبحانه في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد، ومن يؤمن به، وقدّم الطائفة التي لم تؤمن، لأن الكلام في هذه السورة مع الكفار الذين يعجبون مما لا عجب فيه، ويهملون النظر والتفكر فيما لا ينبغي إهماله مما هو مشاهد لكل حيّ طوال حياته، فيتسبب عن إهمال النظر، والتفكر الصادق : عدم الإيمان بالمعاد، ومعنى الرجاء هنا الخوف، ومنه قول الشاعر :
إذا لسعته النحل لم يرج لسعهاوخالفها في بيت نوبٍ عواسلِ
وقيل ﴿يرجون﴾ : يطمعون. ومنه قول الشاعر :
أترجو بني مروان سمعي وطاعتيوقومي تميم والفلاة ورائيا
فالمعنى على الأوّل : لا يخافون عقاباً. وعلى الثاني : لا يطمعون في ثواب إذا لم يكن المراد باللقاء حقيقته، فإن كان المراد به حقيقته كان المعنى : لا يخافون رؤيتنا، أو لا يطمعون في رؤيتنا. وقيل : المراد بالرجاء هنا : التوقع، فيدخل تحته الخوف والطمع، فيكون المعنى :﴿لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا﴾ لا يتوقعون لقاءنا، فهم لا يخافونه، ولا يطمعون فيه ﴿وَرَضُواْ بالحياة الدنيا﴾ أي : رضوا بها عرضاً عن الآخرة، فعملوا لها ﴿واطمأنوا بِهَا﴾ أي : سكنت أنفسهم إليها، وفرحوا بها ﴿والذين هُمْ عَنْ آياتنا غافلون﴾ لا يعتبرون بها، ولا يتفكرون فيها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله :﴿وَرَضُواْ بالحياة الدنيا﴾ قال : مثل قوله :﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، أيضاً في قوله :﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ قال : يكون لهم نور يمشون به. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله :﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ قال : حدّثنا الحسن قال : بلغنا أن رسول الله قال :" إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة حسنة وريح طيبة، فيقول له : ما أنت ؟ فوالله إني لأراك عين امرئ صدق، فيقول له : أنا عملك، فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة ؛ وأما الكافر، فإذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيقول له : ما أنت ؟ فوالله إني لأراك عين امرئ سوء، فيقول له : أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار "، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن أبيّ بن كعب، قال : قال رسول الله ﷺ :" إذا قالوا سبحانك اللهم أتاهم ما اشتهوا من الجنة من ربهم " وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي الهذيل، قال : الحمد أوّل الكلام وآخر الكلام، ثم تلا :﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى