جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : إن الذين لا يخافون لقاءنا يوم القيامة، فهم لذلك مكذّبون بالثواب والعقاب، متنافسون في زين الدنيا وزخارفها، راضون بها عوضا من الآخرة، مطمئنين إليها ساكنين. وَالّذِينَ هم عن آيات الله، وهي أدلته على وحدانيته، وحججه على عباده في إخلاص العبادة له غَافِلُونَ معرضون عنها لاهون، لا يتأملونها تأمل ناصح لنفسه، فيعلموا بها حقيقة ما دلتهم عليه، ويعرفوا بها بطول ما هم عليه مقيمون. أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النّارُ يقول جلّ ثناؤه : هؤلاء الذين هذه صفتهم مأواهم مصيرها إلى النار نار جهنم في الاَخرة. بِمَا كَانُوا يَكْسِبونَ في الدنيا من الآثام والأجرام ويجترحون من السيئات. والعرب تقول :«فلان لا يرجو فلانا » : إذا كان لا يخافه. ومنه قول الله جلّ ثناؤه : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقارا. ومنه قول أبي ذؤيب :
| إذَا لَسَعَتْهُ النّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها | وخالَفَها فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَاسِلِ |
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : واطْمَأنّوا بِها قال : هو مثل قوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وَزِينَتَها نُوَفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : إنّ الّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بالحَياةِ الدّنْيا واطْمأَنّوا بِها قال : هو مثل قوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا وَزِينَتَها نُوَفّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّ الّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بالحَياةِ الدّنْيا واطْمأَنّوا بِها وَالّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ قال : إذا شئت رأيت صاحب دنيا لها يفرح، ولها يحزن، ولها يسخط، ولها يرضى.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّ الّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بالحَياةِ الدّنْيا واطْمأَنّوا بِها. . . الآية كلها، قال : هؤلاء أهل الكفر. ثم قال : أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النّارُ بِمَا كانُوا يَكْسِبُوَنَ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين لا يخافون لقاءَنا يوم القيامة، فهم لذلك مكذِّبون بالثواب والعقاب، متنافسون في زين الدنيا وزخارفها، راضُون بها عوضًا من الآخرة، مطمئنين إليها ساكنين (١) = والذين هم عن آيات الله = وهي أدلته على وحدانيته، وحججه على عباده، في إخلاص العبادة له = (غافلون)، معرضون عنها لاهون، (٢) لا يتأملونها تأمُّل ناصح لنفسه، فيعلموا بها حقيقة ما دلَّتهم عليه، ويعرفوا بها بُطُول ما هم عليه مقيمون= (أولئك مأواهم النار)، يقول جل ثناؤه: هؤلاء الذين هذه صفتهم = (مأواهم)، مصيرها إلى النار نار
(٢) انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ١٣: ٢٨١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
* * *
والعرب تقول: "فلان لا يرجو فلانًا": إذا كان لا يخافه.
ومنه قول الله جل ثناؤه: (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا). [سورة نوح: ١٣]، (٣) ومنه قول أبي ذؤيب:
| إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يُرْج لَسْعَهَا | وَخَالَفهَا فِي بَيْتِ نُوب عَوَاسِلِ (٤) |
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٥٥٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (واطمأنوا بها)، قال: هو مثل قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا).
١٧٥٥٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها)، قال: هو مثل قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا) [سورة هود: ١٥].
١٧٥٥٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٧٥٥٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: قوله (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن
(٢) انظر تفسير " الكسب " فيما سلف من فهارس اللغة (كسب).
(٣) انظر تفسير "الرجاء" فيما سلف من فهارس اللغة (كسب).
(٤) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ٩: ١٧٤.