فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
لما بالغ موسى عليه السلام في إظهار المعجزات، وإقامة الحجج البيّنات، ولم يكن لذلك تأثير في من أرسل إليهم، دعا عليهم بعد أن بيّن سبب إصرارهم على الكفر، وتمسكهم بالجحود والعناد، فقال مبيناً للسبب أوّلاً :﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحياة الدنيا﴾ قد تقدّم أن الملأ : هم الأشراف. والزينة : اسم لكل ما يتزين به، من ملبوس ومركوب، وحلية وفراش وسلاح، وغير ذلك، ثم كرّر النداء للتأكيد فقال :﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾. وقد اختلف في هذه اللام الداخلة على الفعل، فقال الخليل وسيبويه : إنها لام العاقبة والصيرورة. والمعنى : أنه لما كان عاقبة أمرهم الضلال، صار كأنه سبحانه أعطاهم ما أعطاهم من النعم ليضلوا، فتكون اللام على هذا متعلقة بآتيت ؛ وقيل : إنها لام كي : أي أعطيتهم لكي يضلوا. وقال قوم : إن المعنى أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا. فحذفت لا كما قال سبحانه :﴿يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾. قال النحاس : ظاهر هذا الجواب حسن إلا أن العرب لا تحذف لا إلا مع أن، فموّه صاحب هذا التأويل بالاستدلال بقوله :﴿يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾، وقيل اللام للدعاء عليهم. والمعنى، ابتلهم بالهلاك عن سبيلك، واستدلّ هذا القائل بقوله سبحانه بعد هذا :﴿اطمس﴾ و ﴿اشدد﴾. وقد أطال صاحب الكشاف في تقرير هذا بما لا طائل تحته، والقول الأوّل هو : الأولى. وقرأ الكوفيون «ليضلوا » بضم حرف المضارعة : أي يوقعوا الإضلال على غيرهم. وقرأ الباقون بالفتح : أي يضلون في أنفسهم ﴿رَبَّنَا اطمس على أموالهم﴾. قال الزجاج : طمس الشيء : إذهابه عن صورته ؛ والمعنى : الدعاء عليهم بأن يمحق الله أموالهم، ويهلكها وقرئ بضم الميم من اطمس ﴿واشدد على قُلُوبِهِمْ﴾ أي : اجعلها قاسية مطبوعة لا تقبل الحق، ولا تنشرح للإيمان. قوله :﴿فَلاَ يُؤْمِنُواْ﴾ قال المبرد والزجاج : هو معطوف على ﴿ليضلوا﴾، والمعنى : آتيتهم النعم، ليضلوا ولا يؤمنوا، ويكون ما بين المعطوف والمعطوف عليه اعتراضاً. وقال الفراء، والكسائي، وأبو عبيدة : هو دعاء بلفظ النهي، والتقدير : اللهمّ فلا يؤمنوا، ومنه قول الأعشى :
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوىولا تلقني إلا وأنفك راغم
وقال الأخفش : إنه جواب الأمر : أي اطمس واشدد، فلا يؤمنوا، فيكون منصوباً. وروي هذا عن الفراء أيضاً، ومنه :
يا ناق سيري عنقاً فسيحاإلى سليمان فنستريحا
﴿حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ أي : لا يحصل منهم الإيمان إلا مع المعاينة لما يعذبهم الله به، وعند ذلك لا ينفع إيمانهم. وقد استشكل بعض أهل العلم ما في هذه الآية من الدعاء على هؤلاء، وقال : إن الرسل إنما تطلب هداية قومهم وإيمانهم. وأجيب بأنه لا يجوز لنبيّ أن يدعو على قومه إلا بإذن الله سبحانه، وإنما يأذن الله بذلك لعلمه بأنه ليس فيهم من يؤمن، ولهذا لما أعلم الله نوحاً عليه السلام بأنه لا يؤمن من قومه إلا من قد آمن، قال :
﴿رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿رَبَّنَا اطمس على أموالهم﴾ يقول : دمر على أموالهم وأهلكها ﴿واشدد على قُلُوبِهِمْ﴾ قال : اطبع :﴿فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ وهو الغرق. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب القرظي، قال : سألني عمر ابن عبد العزيز، عن قوله :﴿رَبَّنَا اطمس على أموالهم﴾ فأخبرته أن الله طمس على أموال فرعون وآل فرعون، حتى صارت حجارة، فقال عمر : كما أنت حتى آتيك، فدعا بكيس مختوم ففكه، فإذا فيه الفضة مقطوعة كأنها الحجارة والدنانير والدراهم، وأشباه ذلك من الأموال حجارة كلها. وقد روي أن أموالهم تحوّلت حجارة من طريق جماعة من السلف.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : قد أجيبت دعوتكما، قال : فاستجاب له، وحال بين فرعون وبين الإيمان. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة قال : كان موسى إذا دعا أمَّن هارون على دعائه يقول آمين. قال أبو هريرة : وهو اسم من أسماء الله، فذلك قوله :﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن عكرمة نحوه. وأخرج سعيد بن منصور، عن محمد بن كعب القرظي، نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، قال : يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة.
وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج، مثله. وأخرج الحكيم الترمذي، عن مجاهد، نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، " فاستقيما " : فامضيا لأمري، وهي الاستقامة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال : العدو والعتوّ والعلوّ في كتاب الله : التجبر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : لما خرج آخر أصحاب موسى ودخل آخر أصحاب فرعون، أوحى الله إلى البحر أن انطبق عليهم، فخرجت أصبع فرعون بلا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل : فعرفت أن الربّ رحيم، وخفت أن تدركه الرحمة، فرمسته بجناحي وقلت : آلان وقد عصيت قبل ؟ فلما خرج موسى وأصحابه قال من تخلّف من قوم فرعون : ما غرق فرعون ولا أصحابه، ولكنهم في جزائر البحر يتصيدون، فأوحى الله إلى البحر أن الفظ فرعون عرياناً، فلفظه عرياناً أصلع أخينس قصيراً فهو قوله :﴿فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ لمن قال : إن فرعون لم يغرق، وكأن نجاة غيره لم تكن نجاة عافية، ثم أوحى الله إلى البحر أن الفظ ما فيك، فلفظهم على الساحل، وكان البحر لا يلفظ غريقاً في بطنه حتى يأكله السمك، فليس يقبل البحر غريقاً إلى يوم القيامة. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال : قال رسول الله ﷺ :«أغرق الله فرعون فقال :﴿آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيل﴾ قال لي جبريل : يا محمد لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة» وقد روى هذا الحديث الترمذي من غير وجه، وقال : حسن صحيح غريب، وصححه أيضاً الحاكم. وروي عن ابن عباس، مرفوعاً من طرق أخرى. وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال :«قال لي جبريل : ما كان على الأرض شيء أبغض إليّ من فرعون، فلما آمن جعلت أحشو فاه حمأة وأنا أغطه خشية أن تدركه الرحمة» وأخرج ابن جرير، والبيهقي، من حديث أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عمر، مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي أمامة، مرفوعاً نحوه أيضاً، وفي إسناد حديث أبي هريرة رجل مجهول، وباقي رجاله ثقات.
والعجب كل العجب ممن لا علم له بفنّ الرواية من المفسرين، ولا يكاد يميز بين أصح الصحيح من الحديث وأكذب الكذب منه، كيف يتجارى على الكلام في أحاديث رسول الله ﷺ ببطلان ما صح منها، ويرسل لسانه وقلمه بالجهل البحت، والقصور الفاضح الذي يضحك منه، كل من له أدنى ممارسة لفن الحديث، فيا مسكين مالك ولهذا الشأن الذي لست منه في شيء ؟ ألا تستر نفسك وتربع على ضلعك، وتعرف بأنك بهذا العلم من أجهل الجاهلين، وتشتغل بما هو علمك الذي لا تجاوزه، وحاصلك الذي ليس لك غيره، وهو علم اللغة وتوابعه من العلوم الآلية، ولقد صار صاحب الكشاف رحمه الله، بسبب ما يتعرّض له في تفسيره من علم الحديث الذي ليس هو منه في ورد، ولا صدر، سخرة للساخرين وعبرة للمعتبرين، فتارة يروي في كتابه الموضوعات، وهو لا يدري أنها موضوعات، وتارة يتعرض لردّ ما صح، ويجزم بأنه من الكذب على رسول الله والبهت عليه، وقد يكون في الصحيحين وغيرهما، مما يلتحق بهما من رواية جماعة من الصحابة بأسانيد كلها أئمة ثقات أثبات حجج، وأدنى نصيب من عقل يحجر صاحبه عن التكلم في علم لا يعلمه، ولا يدري به أقلّ دراية، وإن كان ذلك العلم من علوم الاصطلاح التي يتواضع عليها طائفة من الناس، ويصطلحون على أمور فيما بينهم، فما بالك بعلم السنة الذي هو قسيم كتاب الله، وقائله رسول الله ﷺ، وراويه عنه خير القرون، ثم الذين يلونهم، وكل حرف من حروفه وكلمة من كلماته يثبت بها شرع عامّ، لجميع أهل الإسلام.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله :﴿فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قال : أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر فنظروا إليه بعدما غرق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في الآية قال : بجسدك، قال : كذب بعض بني إسرائيل بموت فرعون، فألقي على ساحل البحر حتى يراه بنو إسرائيل : أحمر قصيراً كأنه ثور. وأخرج ابن الأنباري، عن محمد بن كعب، في قوله :﴿فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قال : بدرعك، وكان درعه من لؤلؤة يلاقي فيها الحروب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى