المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله تعالى ﴿وقال موسى﴾ الآية، غضب من موسى على القبط ودعاء عليهم فقدم للدعاء تقرير نعم الله عليهم وكفرهم بها، و ﴿آتيت﴾ معناه أعطيت وملكت، وتكرر قوله ﴿ربنا﴾ استغاثة كما يقول الداعي بالله، وقوله ﴿ليضلوا﴾ يحتمل أن يكون لام كي على بابها على معنى آتيتهم الأموال إملاء لهم واستدراجاً فكان الإيتاء كي يضلوا ويحتمل أن تكون لام الصيرورة والعاقبة، كما قال ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزناً﴾(١) والمعنى آتيتهم ذلك فصار أمرهم إلى كذا، وروي عن الحسن أنه قال : هو دعاء ويحتمل أن يكون المعنى على جهة الاستفهام أي ربنا ليضلوا فعلت ذلك، وفي تقرير الشنعة عليهم(٢).
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والحسن والأعرج وشيبة وأبو جعفر ومجاهد وأبو رجاء وأهل مكة :«ليَضلوا » بفتح الياء على معنى ليضلوا في أنفسهم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي والأعمش وقتادة وعيسى والحسن والأعرج بخلاف عنه «ليُضلوا » بضم الياء على معنى ليضلوا غيرهم، وقرأ الشعبي «ليِضلوا » بكسر الياء، وقرأ الشعبي أيضاً وغير «اطمُس » بضم الميم، وقرأت فرقة «اطمِس » بكسر الميم وهما لغتان، وطمس يطمس ويطمُس، قال أبو حاتم : وقراءة الناس بكسر الميم والضم لغة مشهورة، معناه عف وغيره وهو من طموس الأثر والعين وطمس الوجوه ومنه قول كعب بن زهير :[ البسيط ]
وروي أنهم حين دعا موسى بهذه الدعوة رجع سكرهم حجارة وزادهم ودنانيرهم وحبوبهم من الأطعمة رجعت حجارة، قاله محمد بن كعب القرظي وقتادة وابن زيد، قاله مجاهد وغيره، معناه أهلكها ودمرها، وروي أن الطمسة من آيات موسى التسع، وقوله ﴿اشدد على قلوبهم﴾ بمعنى : اطبع واختم عليهم بالكفر، قاله مجاهد والضحاك، ولما أشار عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ بقتل أسرى بدر شبهه بموسى في دعائه على قومه الذين بعث إليهم في هذه الآية وبنوح في قوله ﴿لا تذر على الأرض من الكافريرن دياراً﴾(٤). وقوله ﴿فلا يؤمنوا﴾ مذهب الأخفش وغيره أن الفعل منصوب عطفاً على قوله ﴿ليضلوا﴾، وقيل هو منصوب في جواب الأمر، وقال الفراء والكسائي : هو مجزوم على الدعاء ومنه قول الشاعر [ الأعشى ] :[ الطويل ]
وجعل رؤية العذاب نهاية وغاية، وذلك لعلمه من قبل الله أن المؤمن عند رؤية العذاب لا ينفعه إيمانه في ذلك الوقت ولا يخرجه من كفره، ثم أجاب الله هذه الدعوة في فرعون نفسه(٦)، قال ابن عباس :﴿العذاب﴾ هنا الغرق، وقرأ الناس «دعوتكما »، وقرأ السدي والضحاك «دعواتكما »، وروي عن ابن جريج ومحمد بن علي والضحاك أن الدعوة لم تظهر إجابتها إلا بعد أربعين سنة، وحينئذ كان الغرق(٧).
قال القاضي أبو محمد : وأعلما أن دعاءهما صادف مقدوراً، وهذا معنى إجابة الدعاء، وقيل لهما ﴿لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾ أي في أن تستعجلا قضائي فإن وعدي لا خلف له، وقوله ﴿دعوتكما﴾ ولم يتقدم الدعاء إلا لموسى، وروي أن هارون كان يؤمِّن على دعاء موسى، قاله محمد بن كعب القرظي، نسب الدعوة إليهما، وقيل كنّى عن الواحد بلفظ التثنية كما قال :
«قفا نبكي ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٨)
و نحو هذا.
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لأن الآية تتضمن بعد مخاطبتهما من غير شيء، قال علي بن سليمان قول موسى :﴿ربنا﴾ دال على أنهما دعوا معاً(٩)
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والحسن والأعرج وشيبة وأبو جعفر ومجاهد وأبو رجاء وأهل مكة :«ليَضلوا » بفتح الياء على معنى ليضلوا في أنفسهم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي والأعمش وقتادة وعيسى والحسن والأعرج بخلاف عنه «ليُضلوا » بضم الياء على معنى ليضلوا غيرهم، وقرأ الشعبي «ليِضلوا » بكسر الياء، وقرأ الشعبي أيضاً وغير «اطمُس » بضم الميم، وقرأت فرقة «اطمِس » بكسر الميم وهما لغتان، وطمس يطمس ويطمُس، قال أبو حاتم : وقراءة الناس بكسر الميم والضم لغة مشهورة، معناه عف وغيره وهو من طموس الأثر والعين وطمس الوجوه ومنه قول كعب بن زهير :[ البسيط ]
| من كل نضاخه الذفرى إذا عرفت | عرضتها طامس الأعلام مجهول(٣) |
| فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى | ولا تلقني إلاَّ وأنفُكَ راغمُ(٥) |
قال القاضي أبو محمد : وأعلما أن دعاءهما صادف مقدوراً، وهذا معنى إجابة الدعاء، وقيل لهما ﴿لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾ أي في أن تستعجلا قضائي فإن وعدي لا خلف له، وقوله ﴿دعوتكما﴾ ولم يتقدم الدعاء إلا لموسى، وروي أن هارون كان يؤمِّن على دعاء موسى، قاله محمد بن كعب القرظي، نسب الدعوة إليهما، وقيل كنّى عن الواحد بلفظ التثنية كما قال :
«قفا نبكي ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٨)
و نحو هذا.
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لأن الآية تتضمن بعد مخاطبتهما من غير شيء، قال علي بن سليمان قول موسى :﴿ربنا﴾ دال على أنهما دعوا معاً(٩)
١ - من الآية (٨) من سورة (القصص)..
٢ - قال بعض النحويين: هذه اللام في [ليضلوا] وما أشبهها بتأويل الخفض، أي: آتيتهم ما آتيتهم لضلالهم، والعرب تجعل لام [كي] في معنى لام الخفض، ولام الخفض في معنى لام [كي] لتقارب المعنى، قال الله تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم﴾ أي لإعراضكم، ولم يحلفوا لإعراضهم، وقال الشاعر:
سموت ولم تكن أهلا لتسموا ولكن المضيع قد يصاب..
٣ - النّضّاخة: كثيرة رشح العرق. والذّفرى: النُّقرة خلف أذن الناقة، أو العظم الشّاخص خلف الأذن، أو من لدن المقذّ إلى نصف القذال، وكلها أماكن قريبة من غُذّة العرق. وعُرضتها: همّتها، والأعلام: العلامات تكون في الطريق ليهتدي بها السائر في الصحراء كالأحجار والآبار والتلال ونحوها، وطامس الأعلام: الدارس منها. يقول: هذه الناقة كثيرة العرق لنشاطها في سيرها وإجهادها نفسها، وهي تعرف الطريق وتمضي فيه مُسرعة مجدّة- وإن طمست أعلامه وتغيرت- لكثرة ما سافرت فيه..
٤ - من الآية (٢٦) من سورة(نوح)..
٥ - البيت للأعشى، وهو من ميميته، التي يهجو بها يزيد بن مسهر الشيباني، ولذلك يقول قبله:
يزيد يغض الطرف دوني كأنما زوى بين عينيه عليّ المحاجم
يقال: زوى ما بين عينيه فانزوى بمعنى: جمعه فاجتمع، يقول: إن يزيد ينفر مني حين يلقاني، ويتجهم لي مقطبا وجهه كأنما وضعت بين عينيه المحاجم، وما أبالي أن يستمر غضبه عليّ وإعراضه عني وأن أكون شجا في حلقه..
٦ -وذلك حين أدركه الغرق فقال: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ وأجيب بقول الله سبحانه: ﴿الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾..
٧ - جاءت هذه الجملة في إحدى النسخ بلفظ: "وحينئذ كان الغرق"..
٨ - هذا أول البيت الذي افتتح به امرؤ القيس معلقته المشهورة، وفيه يقول:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللّوى بين الدخول فحومل
وقد خاطب الشاعر صاحبيه على عادة العرب في المخاطبة بالمثنى..
٩ - نقل أبو حيان في "البحر" أن ابن السميفع قرأ: ﴿قد أجبت دعوتكما﴾ خبرا عن الله تعالى، وبنصب"دعوة"، وأن الربيع قرأ: [دعوتيكما]، ثم قال" "وهذا يؤيد قول من قال: إن هارون دعا مع موسى، وقراءة. [دعوتيكما] تدل على أنه قرأ: ﴿قد أجبت﴾ على أنه فعل وفاعل". "البحر المحيط ٥/١٨٧". وقال أبو الفتح في "المحتسب": "ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن: ﴿قد أجيبت دعواتكما﴾، وهذه جمع دعوة، وبهذه القراءة تعلم أن قراءة الجماعة: [دعوتكما] يراد فيها بالواحد معنى الكثرة، وساغ ذلك لأن المصدر جنس، والأجناس يقع قليلها موقع كثيرها، وكثيرها موضع قليلها"..
٢ - قال بعض النحويين: هذه اللام في [ليضلوا] وما أشبهها بتأويل الخفض، أي: آتيتهم ما آتيتهم لضلالهم، والعرب تجعل لام [كي] في معنى لام الخفض، ولام الخفض في معنى لام [كي] لتقارب المعنى، قال الله تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم﴾ أي لإعراضكم، ولم يحلفوا لإعراضهم، وقال الشاعر:
سموت ولم تكن أهلا لتسموا ولكن المضيع قد يصاب..
٣ - النّضّاخة: كثيرة رشح العرق. والذّفرى: النُّقرة خلف أذن الناقة، أو العظم الشّاخص خلف الأذن، أو من لدن المقذّ إلى نصف القذال، وكلها أماكن قريبة من غُذّة العرق. وعُرضتها: همّتها، والأعلام: العلامات تكون في الطريق ليهتدي بها السائر في الصحراء كالأحجار والآبار والتلال ونحوها، وطامس الأعلام: الدارس منها. يقول: هذه الناقة كثيرة العرق لنشاطها في سيرها وإجهادها نفسها، وهي تعرف الطريق وتمضي فيه مُسرعة مجدّة- وإن طمست أعلامه وتغيرت- لكثرة ما سافرت فيه..
٤ - من الآية (٢٦) من سورة(نوح)..
٥ - البيت للأعشى، وهو من ميميته، التي يهجو بها يزيد بن مسهر الشيباني، ولذلك يقول قبله:
يزيد يغض الطرف دوني كأنما زوى بين عينيه عليّ المحاجم
يقال: زوى ما بين عينيه فانزوى بمعنى: جمعه فاجتمع، يقول: إن يزيد ينفر مني حين يلقاني، ويتجهم لي مقطبا وجهه كأنما وضعت بين عينيه المحاجم، وما أبالي أن يستمر غضبه عليّ وإعراضه عني وأن أكون شجا في حلقه..
٦ -وذلك حين أدركه الغرق فقال: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ وأجيب بقول الله سبحانه: ﴿الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾..
٧ - جاءت هذه الجملة في إحدى النسخ بلفظ: "وحينئذ كان الغرق"..
٨ - هذا أول البيت الذي افتتح به امرؤ القيس معلقته المشهورة، وفيه يقول:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللّوى بين الدخول فحومل
وقد خاطب الشاعر صاحبيه على عادة العرب في المخاطبة بالمثنى..
٩ - نقل أبو حيان في "البحر" أن ابن السميفع قرأ: ﴿قد أجبت دعوتكما﴾ خبرا عن الله تعالى، وبنصب"دعوة"، وأن الربيع قرأ: [دعوتيكما]، ثم قال" "وهذا يؤيد قول من قال: إن هارون دعا مع موسى، وقراءة. [دعوتيكما] تدل على أنه قرأ: ﴿قد أجبت﴾ على أنه فعل وفاعل". "البحر المحيط ٥/١٨٧". وقال أبو الفتح في "المحتسب": "ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن: ﴿قد أجيبت دعواتكما﴾، وهذه جمع دعوة، وبهذه القراءة تعلم أن قراءة الجماعة: [دعوتكما] يراد فيها بالواحد معنى الكثرة، وساغ ذلك لأن المصدر جنس، والأجناس يقع قليلها موقع كثيرها، وكثيرها موضع قليلها"..