الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه. وقرأ الحسن " وجَوَّزْنا " بتشديدِ الواو، قال الزمخشري :" وجَوَّزْنا : مِنْ أجاز المكان وجاوَزَه وجَوَّزه، وليس مِنْ جَوَّز الذي في بيت الأعشى :
وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلةأَخَذْتَ من الأخرى إليك حبالَها
لأنه لو كان منه لكان حَقُّه أن يقال : وجَوَّزْنا بني إسرائيل في البحر كما قال :
٢٦٢٧. . . . . . . . . . . . . . . . . . .كما جَوَّز السَّكَّيَّ في الباب فَيْتَقُ
يعني أن فَعَّل بمعنى فاعَلَ وأَفْعَل، وليس التضعيفُ للتعدية، إذ لو كان كذلك لتعدَّى بنفسه كما في البيت المشار إليه دون الباء.
وقرأ الحسن " فاتَّبَعَهُم " بالتشديد، وقد تقدم الفرق.
قوله :﴿بَغْياً وَعَدْواً﴾ يجوز أن يكونا مفعولين مِنْ أجلهما أي : لأجلِ البَغْي والعَدْوِ، وشروطُ النصب متوفرةٌ، ويجوزُ أن يكونا مصدرين في موضع الحال أي : باغين متعدِّين. وقرأ الحسن " وعُدُوَّاً " بضم العين والدال المشددة، وقد تقدَّم ذلك في سورة الأنعام.
قوله :﴿حَتَّى إِذَآ﴾ غايةٌ لاتِّباعه.
قوله :﴿آمَنتُ أَنَّهُ﴾ قرأ الأخَوان بكسر إنَّ وفيها أوجه، أحدها : أنها استئنافُ إخبار، فلذلك كُسِرت لوقوعِها ابتداءَ كلام. والثاني : أنه على إضمار القول أي : فقال إنه، ويكون هذا القولُ مفسراً لقوله آمنت. والثالث : أن تكون هذه الجملةُ بدلاً من قوله :" آمنت "، وإبدالُ الجملةِ الاسمية من الفعلية جائزٌ لأنها في معناها، وحينئذ تكون مكسورةً لأنها محكيَّة ب " قال " هذا الظاهر. والرابع : أن " آمنتُ " ضُمِّن معنى القول لأنه قولٌ. وقال الزمخشري :" كَرَّر المخذولُ المعنى الواحدَ ثلاثَ مرات في ثلاث عبارات حِرْصاً على القبول " يعني أنه قال :" آمنتُ "، فهذه مرة، وقال :﴿أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرَائِيلَ﴾ فهذه ثانيةٌ، وقال :﴿وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فهذه ثالثةٌ، والمعنى واحد " وهذا جنوحٌ منه إلى الاستئنافِ في " إنه ".
وقرأ الباقون بفتحِها وفيها أوجهٌ أيضاً، أحدُها : أنها في محلِّ نصب على المفعولِ به أي : آمَنْتُ توحيدَ، لأنه بمعنى صدَّقْتُ. الثاني : أنها في موضع نصبٍ بعد إسقاط الجارِّ أي : لأنه. الثالث : أنها في محل جر بذلك الجارِّ وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى