جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَالْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنّ كَثِيراً مّنَ النّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره لفرعون : فاليوم نجعلك على نجوة الأرض ببدنك، ينظر إليك هالكا من كذّب بهلاكك. لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً يقول : لمن بعدك من الناس عبرة يعتبرون بك، فينزجرون عن معصية الله والكفر به والسعي في أرضه بالفساد. والنجوة : الموضع المرتفع على ما حوله من الأرض، ومنه قوله أوس بن حجر :
فَمَنْ بِعَقْوَتِهِ كَمَنْ بِنَجْوَتِهِوالمُسْتَكِنّ كمَنْ يَمْشِي بِقرْوَاحِ
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد وغيره قال : قالت بنو إسرائيل لموسى : إنه لم يمت فرعون. قال : فأخرجه الله إليهم ينظرون إليه مثل الثور الأحمر.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد، قال : وكان من أكثر الناس، أو أحدث الناس عن بني إسرائيل. قال : فحدثنا أن أول جنود فرعون لما انتهى إلى البحر هابت الخيل اللهب، قال : ومثل لحصان منها فرس وديق، فوجد ريحها أحسبه أنا قال : فانسل فاتبعته قال : فلما تتامّ آخر جنود فرعون في البحر وخرج آخر بني إسرائيل أمر البحر فانطبق عليهم، فقالت بنو إسرائيل : ما مات فرعون، وما كان ليموت أبدا فسمع الله تكذيبهم نبيه. قال : فرمى به على الساحل كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شداد : فالْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدنِكَ قال : بدنه : جسده رمى به البحر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن مجاهد : فالْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدنِكَ قال : بجسدك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا تميم بن المنتصر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا الأصغر بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، قال : ثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : لما جاوز موسى البحر بجميع من معه، التقى البحر عليهم يعني على فرعون وقومه فأغرقهم، فقال أصحاب موسى : إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه فدعا ربه فأخرجه، فنبذه البحر حتى استيقنوا بهلاكه.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : فالْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً يقول : أنكر ذلك طوائف من بني إسرائيل، فقذفه الله على ساحل البحر ينظرون إليه.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً قال : لما أغرق الله فرعون لم تصدق طائفة من الناس بذلك، فأخرجه الله آية وعظة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي السليل عن قيس بن عباد أو غيره، بنحو حديث ابن عبد الأعلى، عن معمر.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد : فالْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدنِكَ قال : بجسدك.
قال : حدثنا محمد بن بكير، عن ابن جريج، قال : بلغني، عن مجاهد : فالْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدنِكَ قال : بجسدك.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : كذب بعض بني إسرائيل بموت فرعون، فرمى به على ساحل البحر ليراه بنو إسرائيل، قال : كأنه ثور أحمر.
وقال آخرون : تنجو بجسدك من البحر فتخرج منه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فالْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً يقول : أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر، فنظروا إليه بعد ما غرق.
فإن قال قائل : وما وجه قوله : ببدنك ؟ وهل يجوز أن ينجيه بغير بدنه، فيحتاج الكلام إلى أن يقال فيه ببدنك ؟ قيل : كان جائزا أن ينجيه بالبدن بغير روح، ولكن ميتا.
وقوله : وإنّ كَثِيرا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ يقول تعالى ذكره : وإنّ كَثِيرا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنَا يعني : عن حججنا وأدلتنا على أن العبادة والألوهة لنا خالصة، لغَافِلُونَ يقول : لساهون، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى