اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قال تعالى :﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ الآية.
لمَّا ذكر خاتمة فرعون ذكر خاتمة بني إسرائيل، فقال :" ولقدْ بوَّأنا " أي : أسكنا بني إسرائيل " مُبَوَّأ صِدْقٍ " أي : مكاناً محموداً.
ويجُوزُ أن يكون " مُبَوَّأ صِدْقٍ " منصوباً على المصدر، أي : بَوَّأناهم مُبَوَّأ صدقٍ، وأن يكون مكاناً أي : مكان تبوُّء صدقٍ.
ويجوز أن ينتصب " مُبَوَّأ " على أنَّه مفعولٌ ثانٍ كقوله تعالى :﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الجنة غُرَفَاً﴾ [العنكبوت: ٥٨] أي : لنُنْزلنَّهُمْ. ووصف المُبَوَّأ بكون صدقاً ؛ لأنَّ عادة العربِ أنها إذا مدحتْ شيئاً أضافته إلى الصِّدْقِ، تقولُ : رَجُلٌ صدقٌ، وقدم صدقٍ، قال تعالى :﴿رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠].
والمراد بالمبوَّأ الصدق : قيل :" مصر "، وقيل : الأردن وفلسطين وهي الأرض المقدسة ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات﴾ الحلال " فَمَا اخْتَلَفُوا " يعنى اليهود الذين كانُوا في عَهْدِ النبي ﷺ في تصديقه وأنه نبيٌّ حقٌّ " حتَّى جاءَهمُ العِلْمُ " يعنى القرآن، والبيان بأنه رسول الله صدق ودينه حق، وسمى القرآن علماً ؛ لأنه سببُ العِلْمِ، وتسمية المُسَبَّبِ باسم السبب مجاز مشهور.
قال ابنُ عباس : هم قريظة والنَّضير وبنو قينقاع أنزلناهم منزل صدق : ما بين المدينة، والشام ورزقناهم من الطيبات، وهو ما في تلك البلادِ من الرطب، والتمر الذي لا يوجد مثله في البلاد(١) وقيل : المراد بني إسرائيل الذين نجوا من فرعون أورثهم الله جميع ما كان تحت أيدي قوم فرعون من الناطق، والصامت، والحرث، والنسل، كما قال :﴿وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧].

فصل


في كون القرآن سبباً لحدوث الاختلاف وجهان :
الأول : أنَّ اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمدٍ - عليه الصلاة والسلام - ويفتخرون به على سائر النَّاس، فلمَّا بعثه الله تعالى كذَّبوهُ حسداً، وبغياً وإيثارااً لبقاء الرِّياسة، وآمن به طائفةٌ منهم، فبهذا الطريق كان سبباً لحدوث الاختلاف فيهم.
الثاني : أنَّ هذه الطائفة من بني إسرائيل كانوا قبل نزول القرآن كفاراً محضاً بالكلِّيَّة، وبقوا على هذه الحالة حتَّى جاءهم القرآنُ، فعند ذلك اختلفوا فآمن قومٌ وبقي قومٌ كفاراً. ثم قال :﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي : أنَّ هذا الاختلاف لا يمكن إزالته في دار الدنيا، وإنَّما يقضى بينهم في الآخرة، فيتميز المحق من المبطل.
١ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٧/١٢٧)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى