جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَلَقَدْ بَوّأْنَا بَنِيَ إِسْرَائِيلَ مُبَوّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطّيّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتّىَ جَآءَهُمُ الْعِلْمُ إِنّ رَبّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : ولقد أنزلنا بني إسرائيل منازل صدق. قيل : عنى بذلك الشأم وبيت المقدس.
وقيل : عنى به الشام ومصر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا المحاربي وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك : مُبَوّأ صِدْقٍ قال : منازل صدق : مصر والشام.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : مُبَوّأ صِدْقٍ قال : بوأهم الله الشام وبيت المقدس.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وَلَقَدْ بَوّأنا بني إسْرَائِيلَ مُبَوّأ صِدْقٍ الشام. وقرأ : إلى الأرْض التي بارَكْنا فِيها للعَالَمِينَ.
وقوله : وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطّيّباتِ يقول : ورزقنا بني إسرائيل من حلال الرزق وهو الطيب.
وقوله : فَمَا اخْتَلَفُوا حتى جاءَهُمُ العِلْمُ يقول جلّ ثناؤه : فما اختلف هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني إسرائيل، حتى جاءهم ما كانوا به عالمين وذلك أنهم كانوا قبل أن يبعث محمد النبيّ ﷺ مجمعين على نبوّة محمد والإقرار به وبمبعثه غير مختلفين فيه بالنعت الذي كانوا يجدونه مكتوبا عندهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفر به بعضهم وآمن به بعضهم، والمؤمنون به منهم كانوا عددا قليلاً، فذلك قوله : فما اختلفوا حتى جاءهم المعلوم الذي كانوا يعلمونه نبيّا لله، فوضع العلم مكان المعلوم.
وكان بعضهم يتأوّل العلم ههنا كتاب الله ووحيه. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فَمَا اخْتَلَفُوا حتى جاءَهُمُ العِلُمُ بَغْيا بَيْنَهُمْ قال : العلم : كتاب الله الذي أنزله وأمره الذي أمرهم به، وهل اختلفوا حتى جاءهم العلم بغيا بينهم أهل هذه الأهواء، هل اقتتلوا إلا على البغي ؟ قال : والبغي وجهان : وجه النفاسة في الدنيا ومن اقتتل عليها من أهلها، وبغى في العلم يرى هذا جاهلاً مخطئا ويرى نفسه مصيبا عالما، فيبغي بإصابته وعلمه على هذا المخطئ.
وقوله : إنّ رَبّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : إن ربك يا محمد يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل فيك يوم القيامة فيما كانوا فيه من أمري في الدنيا يختلفون، بأن يدخل المكذّبين بك منهم النار والمؤمنين بك منهم الجنة. فذلك قضاؤه يومئذ فيما كانوا يختلفون من أمر محمد ﷺ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وقوله: (وإن كثيرًا من الناس عن آياتنا لغافلون)
، يقول تعالى ذكره: (وإن كثيرًا من الناس عن آياتنا)، يعني: عن حججنا وأدلتنا على أن العبادة والألوهة لنا خالصةٌ (١) = (لغافلون)، يقول: لساهون، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد أنزلنا بني إسرائيل منازلَ صِدْق. (٣)
* * *
قيل: عني بذلك الشأم وبيت المقدس.
وقيل: عُنِي به الشأم ومصر.
*ذكر من قال ذلك:
١٧٨٨٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: (مبوّأ صدق)، قال: منازل صدق، مصر والشأم.
(٢) انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ص: ٨٠، ، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير " بوأ " فيما سلف ص: ١٧١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
١٧٨٨٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق)، الشام. وقرأ: (إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) [سورة الأنبياء: ٧١]
* * *
وقوله: (ورزقناهم من الطيبات)، يقول: ورزقنا بني إسرائيل من حلال الرزق = وهو (الطيب). (١)
* * *
وقوله: (فما اختلفوا حتى جاءهم العلم)، يقول جل ثناؤه: فما اختلف هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني إسرائيل، حتى جاءهم ما كانوا به عالمين. وذلك أنهم كانوا قبل أن يبعث محمد النبيّ ﷺ مجمعين على نبوّة محمدٍ والإقرار به وبمبعثه، غير مختلفين فيه بالنعت الذي كانوا يجدونه مكتوبًا عندهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفر به بعضهم وآمن به بعضهم، والمؤمنون به منهم كانوا عددًا قليلا. فذلك قوله: فما اختلفوا حتى جاءهم المعلوم الذي كانوا يعلمونه نبيًّا لله = فوضع (العلم) مكان (المعلوم).
* * *
وكان بعضهم يتأول (العلم) ههنا، كتابَ الله ووحيَه.
*ذكر من قال ذلك:
١٧٨٨٥- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (فما اختلفوا حتى جاءهم العلم)، (٢) قال: (العلم)، كتاب الله الذي
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "... حتى جاءهم العلم بغيا بينهم "، وليس هذا من تلاوة هذه الآية، ولا هو في تفسيرها، فحذفته. وأشباهها من الآيات التي ورد فيها ذكر العلم والبغي فيه في سورة آل عمران: ١٩ / سورة الشورى: ١٤ / سورة الجاثية: ١٧، وآثرت حذف هذه الزيادة من هذا الموضع، لأني لم أجد أبا جعفر ذكر هذا الخبر في تفسير شيء من هذه الآيات، والظاهر أن المعنى أخذ بعضه ببعض، فزاد ابن زيد في التفسير من نظائر الآية في السور الأخرى.