اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
ولمَّا ذكر الله تعالى لهم ما يزيل الشَّك عنهم، حذَّرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني، وهم المكذِّبون فقال :﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله﴾ [يونس: ٩٥] الآية.
وقيل : كنى بالشَّك عن الضِّيق. وقيل : كنى به عن العجب، وجه المجازِ فيه أنَّ كُلاًّ منهما فيه تردُّد، وقال الكسائيُّ : إن كنت في شكٍّ أنَّ هذه عادتُهُم مع الأنبياء ؛ فسلهم كيف صبر موسى - عليه السلام - ؟.
وقيل : إنه تعالى علم أنَّ الرسول لم يشك في ذلك، إلاَّ أنَّ المقصود منه أنَّهُ متى سمع هذا الكلام فإنَّهُ يصرخ ويقول " يا ربّ لا أشك، ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب، بل يكفيني ما أنزلته عليَّ من الدلائل الظاهرة " ونظيره قوله تعالى للملائكة :﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] والمقصودُ أن يُصرِّحُوا بالجواب الحق ويقولوا :﴿سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن﴾ [سبأ: ٤١].
وكقوله لعيسى - عليه الصلاة والسلام - ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله﴾ [المائدة: ١١٦] والمقصود منه أن يصرح عيسى بالبراءة عن ذلك. وقيل : التقدير إنَّك لسيت بشاك البتة. ولو كنت شاكاً لكان لك طرق كثيرة في إزالة الشَّك كقوله تعالى :﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي : أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعاً ؛ لزم فيه المحال الفلاني، فكذا ههنا، ولو فرضنا وقوع الشَّك فارجع إلى التَّوراةِ، والإنجيل لتعرف بهما أنَّ هذا الشك زائل.
والوجه الثاني من وجهي إنْ أنَّها نافيةٌ. قال الزمخشري :" أي : فما كنتَ في شكٍّ فاسأل، يعنى لا نأمرك بالسُّؤال لكونكَ شاكاً، ولكن لتزداد يَقِيناً كما ازداد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بمعاينة إحياء الموتى " وهذا القول سبقه إليه الحسنُ البصريُّ والحسينُ بنُ الفضل، وكأنَّهُ فرارٌ من الإشكال المتقدِّم في جعلها شرطية، وقد تقدَّم جوابه من وجوهٍ.
قال القرطبي(١) : قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزَّاهد : سمعت الإمامين : ثَعْلباً والمبرد يقولان : معنى :" فإن كُنتَ في شكٍّ " أي : قُلْ يا محمَّدُ للكافر : فإن كُنتَ في شكٍّ ﴿فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ﴾.
وقال الفراء : أعْلمَ اللهُ أنَّ رسولهُ غير شاكٍّ، لكنَّه ذكره على عادة العرب، يقول الواحدُ لعبده : إن كنت عبدي فأطِعْني، ويقول لولده افعل كذا إن كنت ولدي، ولا يكونُ ذلك شكّاً.
وقال الفقيه : وقال بعضهم : هذا الخطاب لمنْ كان لا يقطعُ بتكذيب محمدٍ - عليه الصلاة والسلام - ولا بتصديقه بل كان في شكٍّ.
وقيل : المراد بالخطاب النبي ﷺ والمعنى : لو كنت ممَّن يلحقك شكٌّ فيما أخبرناك به، فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشَّكَّ.
والمراد بالشَّك هنا : ضيق الصدر، أي : إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر واسأل الذين يقرَؤونَ الكتابَ من قَبْلكَ، يُخْبِرُوكَ صَبْرَ الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف كان عاقبة أمرهم. والشَّكُّ في اللغةِ : أصله الضِّيق، يقال : شكَّ الثَّوب، أي : ضمَّهُ بخلال حتى يصير كالوعاء، فالشكُّ يقبض الصدر، ويضمه حتَّى يضيق.
قال المُحَقِّقُون : المراد بالذين يقرءون الكتاب : المؤمنون من أهْلِ الكتابِ، كعبد الله بن سلام، وعبد الله بن صوريا، وتميم الداري، وكعب الأحبار، لأنَّهُم هم الذين يوثق بأخبارهم.
وقال بعضهم : المراد الكل سواء كانوا من المسلمين أم من الكُفَّار ؛ لأنَّهم إذا بلغُوا عدد التواتر، وقرؤوا آية من التَّوراة، والإنجيل، وتلك الآية دالة على البشارة بمقدمِ النبي ﷺ فقد حصل الغرضُ.
وقرا يحيى(٢)، وإبراهيم : الكتب بالجمع، وهي مبنيةٌ أنَّ المراد بالكتاب الجنسٌ لا كتابٌ واحد. فإن قيل : إن كتبهم قد دخلها التَّحريفُ والتَّغييرُ، فكيف يمكنُ التعويلُ عليها ؟.
فالجواب : أنهم إنما حرَّفُوها لإخفاء الآيات الدَّالة على نبوَّةِ محمدٍ - عليه الصلاة والسلام -، فإن بقيت فيها آيات دالة على نبوته ؛ كان ذلك من أقوى الدَّلائل على صحَّة نبوَّة محمد - عليه الصلاة والسلام - لأنَّها لمَّا بقيت مع توفر دواعيهم على إزالتها دلَّ ذلك على أنَّها كانت في غاية الظهور.
قيل : السؤالُ كان عن القرآن، ومعرفة نُبوَّةِ الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -. وقيل : السؤال راجعٌ إلى قوله ﴿فَمَا اختلفوا حتى جَآءَهُمُ العلم﴾ والأول أولى ؛ لأنَّه الأهمُّ. ولمَّا بين هذا الطريق قال :﴿لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ﴾ أي : ثبت عنده بالآيات والبراهين القاطعة أنَّ ما أتاك هو الحق :" فلا تكُوننَّ من المُمترينَ " أي : لا مدخل للمرية فيه ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله﴾ أي : اثبت، ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية، وانتفاء التكذيب بآيات الله ؟ وروي أنَّه عليه الصلاة والسلام قال عند نزوله :" لا أشُكُّ ولا أسْألُ بلْ أشهدُ أنَّهُ الحقُّ " (٣).
وقيل : كنى بالشَّك عن الضِّيق. وقيل : كنى به عن العجب، وجه المجازِ فيه أنَّ كُلاًّ منهما فيه تردُّد، وقال الكسائيُّ : إن كنت في شكٍّ أنَّ هذه عادتُهُم مع الأنبياء ؛ فسلهم كيف صبر موسى - عليه السلام - ؟.
وقيل : إنه تعالى علم أنَّ الرسول لم يشك في ذلك، إلاَّ أنَّ المقصود منه أنَّهُ متى سمع هذا الكلام فإنَّهُ يصرخ ويقول " يا ربّ لا أشك، ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب، بل يكفيني ما أنزلته عليَّ من الدلائل الظاهرة " ونظيره قوله تعالى للملائكة :﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] والمقصودُ أن يُصرِّحُوا بالجواب الحق ويقولوا :﴿سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن﴾ [سبأ: ٤١].
وكقوله لعيسى - عليه الصلاة والسلام - ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله﴾ [المائدة: ١١٦] والمقصود منه أن يصرح عيسى بالبراءة عن ذلك. وقيل : التقدير إنَّك لسيت بشاك البتة. ولو كنت شاكاً لكان لك طرق كثيرة في إزالة الشَّك كقوله تعالى :﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي : أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعاً ؛ لزم فيه المحال الفلاني، فكذا ههنا، ولو فرضنا وقوع الشَّك فارجع إلى التَّوراةِ، والإنجيل لتعرف بهما أنَّ هذا الشك زائل.
والوجه الثاني من وجهي إنْ أنَّها نافيةٌ. قال الزمخشري :" أي : فما كنتَ في شكٍّ فاسأل، يعنى لا نأمرك بالسُّؤال لكونكَ شاكاً، ولكن لتزداد يَقِيناً كما ازداد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بمعاينة إحياء الموتى " وهذا القول سبقه إليه الحسنُ البصريُّ والحسينُ بنُ الفضل، وكأنَّهُ فرارٌ من الإشكال المتقدِّم في جعلها شرطية، وقد تقدَّم جوابه من وجوهٍ.
قال القرطبي(١) : قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزَّاهد : سمعت الإمامين : ثَعْلباً والمبرد يقولان : معنى :" فإن كُنتَ في شكٍّ " أي : قُلْ يا محمَّدُ للكافر : فإن كُنتَ في شكٍّ ﴿فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ﴾.
وقال الفراء : أعْلمَ اللهُ أنَّ رسولهُ غير شاكٍّ، لكنَّه ذكره على عادة العرب، يقول الواحدُ لعبده : إن كنت عبدي فأطِعْني، ويقول لولده افعل كذا إن كنت ولدي، ولا يكونُ ذلك شكّاً.
وقال الفقيه : وقال بعضهم : هذا الخطاب لمنْ كان لا يقطعُ بتكذيب محمدٍ - عليه الصلاة والسلام - ولا بتصديقه بل كان في شكٍّ.
وقيل : المراد بالخطاب النبي ﷺ والمعنى : لو كنت ممَّن يلحقك شكٌّ فيما أخبرناك به، فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشَّكَّ.
والمراد بالشَّك هنا : ضيق الصدر، أي : إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر واسأل الذين يقرَؤونَ الكتابَ من قَبْلكَ، يُخْبِرُوكَ صَبْرَ الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف كان عاقبة أمرهم. والشَّكُّ في اللغةِ : أصله الضِّيق، يقال : شكَّ الثَّوب، أي : ضمَّهُ بخلال حتى يصير كالوعاء، فالشكُّ يقبض الصدر، ويضمه حتَّى يضيق.
فصل
قال المُحَقِّقُون : المراد بالذين يقرءون الكتاب : المؤمنون من أهْلِ الكتابِ، كعبد الله بن سلام، وعبد الله بن صوريا، وتميم الداري، وكعب الأحبار، لأنَّهُم هم الذين يوثق بأخبارهم.
وقال بعضهم : المراد الكل سواء كانوا من المسلمين أم من الكُفَّار ؛ لأنَّهم إذا بلغُوا عدد التواتر، وقرؤوا آية من التَّوراة، والإنجيل، وتلك الآية دالة على البشارة بمقدمِ النبي ﷺ فقد حصل الغرضُ.
وقرا يحيى(٢)، وإبراهيم : الكتب بالجمع، وهي مبنيةٌ أنَّ المراد بالكتاب الجنسٌ لا كتابٌ واحد. فإن قيل : إن كتبهم قد دخلها التَّحريفُ والتَّغييرُ، فكيف يمكنُ التعويلُ عليها ؟.
فالجواب : أنهم إنما حرَّفُوها لإخفاء الآيات الدَّالة على نبوَّةِ محمدٍ - عليه الصلاة والسلام -، فإن بقيت فيها آيات دالة على نبوته ؛ كان ذلك من أقوى الدَّلائل على صحَّة نبوَّة محمد - عليه الصلاة والسلام - لأنَّها لمَّا بقيت مع توفر دواعيهم على إزالتها دلَّ ذلك على أنَّها كانت في غاية الظهور.
فصل
قيل : السؤالُ كان عن القرآن، ومعرفة نُبوَّةِ الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -. وقيل : السؤال راجعٌ إلى قوله ﴿فَمَا اختلفوا حتى جَآءَهُمُ العلم﴾ والأول أولى ؛ لأنَّه الأهمُّ. ولمَّا بين هذا الطريق قال :﴿لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ﴾ أي : ثبت عنده بالآيات والبراهين القاطعة أنَّ ما أتاك هو الحق :" فلا تكُوننَّ من المُمترينَ " أي : لا مدخل للمرية فيه ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله﴾ أي : اثبت، ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية، وانتفاء التكذيب بآيات الله ؟ وروي أنَّه عليه الصلاة والسلام قال عند نزوله :" لا أشُكُّ ولا أسْألُ بلْ أشهدُ أنَّهُ الحقُّ " (٣).
١ ينظر: تفسير القرطبي ٨/٢٤٤..
٢ ينظر: الكشاف ٢/٣٧١، البحر المحيط ٥/١٩١، الدر المصون ٤/٦٩..
٣ أخرجه عبد الرزاق (١٠٢١١) والطبري في "تفسيره" (٦/٦١٠) عن قتادة مرسلا..
٢ ينظر: الكشاف ٢/٣٧١، البحر المحيط ٥/١٩١، الدر المصون ٤/٦٩..
٣ أخرجه عبد الرزاق (١٠٢١١) والطبري في "تفسيره" (٦/٦١٠) عن قتادة مرسلا..