تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ) معناه : فلم تكن قرية آمنت - أي أهل قرية آمنت - فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس، وهذا الإيمان هو عند نزول العذاب. والمنقول في القصص : أن يونس - صلوات الله عليه - أنذر قومه بالعذاب وخرج من بينهم، فلما رأوا العذاب شبه النيران في السماء خرجوا من بلدهم إلى الصحراء، وفرقوا بين الأولاد والأمهات والبهائم والأجنة، وضجوا إلى الله تعالى ضجة واحدة، فكشف الله عنهم العذاب بعد أن رأوه عيانا، ولم يفعل هذا بأحد غيرهم، فهذا معنى قوله تعالى :( إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) أي : إلى أجل معلوم.
وفي بعض التفاسير : أن الدعاء الذي دعا به قوم يونس هو : يا حي حين لا حي، يا حي يا محيي الموتى، يا حي لا إله إلا أنت.
واختلف القول في أنهم هل رأوا العذاب عيانا أو رأوا دليل العذاب ؟ فالأكثرون على أنهم رأوا العذاب عيانا. قال قتادة : تدنى عليهم العذاب حتى صار بينهم وبين العذاب قدر ميل. وقال بعضهم : رأوا دليل العذاب، ولم يروا عين العذاب.
والقول الأول أصح ؛ بدليل قوله :( كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ) والكشف إنما يكون بعد وقوع العذاب أو قرب العذاب. فإن قال قائل : كيف قبل إيمانهم عند المعاينة، ولم يقبل إيمان غيرهم، وقد قال في موضع آخر :( يؤمنون بالغيب ) (١) دل أن الإيمان المقبول هو الإيمان بالغيب ؟
الجواب : أن قوم يونس استثنوا من هذا الأصل بنص القرآن، والله تعالى يفعل ما يشاء ولا سؤال عليه فيما يفعل. وزعم الخليل وسيبويه : أن الاستثناء هاهنا منقطع، ومعنى الآية : لكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا.
وعن علي - رضي الله عنه - قال : الحذر لا يرد القدر، والدعاء يرد القدر ؛ فإن الله تعالى كشف العذاب عن قوم يونس بالدعاء. وعن علي - أيضا - أنه قال : كان كشف العذاب يوم عاشوراء.
وقيل في تقدير ابتداء الآية :" فهلا " (٢) كانت قرية آمنت حين ينفعها إيمانها ؛ لكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب، ومعنى قرية : أهل قرية. وقيل : اسم تلك القرية كان نينوى، من بلاد الجزيرة.
١ - البقرة: ٣..
٢ - في "ك": فهل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى