اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
و " نَسْتَبْقُ " نتسابق. والافتِعَال والتَّفاعُل يشتركان نحو قولهم : نَنْتَضِل ونتناضل ونرتمي ونترامى، و " نَسْتَبِقَ " في محل نصب على الحال و " تَركْنَا " حال من نَسْتَبقُ و " قد " معه مضمرة عند بعضهم.
قال الزجاج :" يسابق بعضنا بعضاً في الرمي "، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام :" لا سَبقَ إلاَّ في نصْلٍ أو خفِّ أو حافرٍ " يعنى بالنصل : الرمي وأصل السبق : الرمي بالسهم، ثم يوصف المتراميان بذلك، يقال : استبقا وتسابقا : إذا فعلا ذلك السبق ليتبين أيهما أسبق.
ويدل على صحة هذا التفسير ما روي في قراءة عبدالله :" إنَّا ذَهبْنَا نَنْضِلُ " وقال السدي ومقاتل :" نَسْتبِقُ " نشتد ونعدو.
فإن قيل : كيف جاز أن يستبقوا وهم رجال بالغون، وهذا من فعل الصبيان فالجواب : أن الاستباق منهم كان مثل الاستباق في الخيل، وكانوا يجربون بذلك أنفسهم ويدربونها على العدو، لأنه كالآلات لهم في محاربة العدو، وقوله " فأكلهُ الذِّئْبُ " قيل : أكل الذئب يوسف وقيل : عرَّضُوا، وأرادوا أكل الذئب المتاع، والأول أصح.
ثم قالوا :" ومَا أنْتَ بمُؤمٍ لنَا "، أي بمصدق لنا. وقولهم " ولوْ كُنَّا صَادقينَ " جملة حالية، أي : ما أنت بمصدق لنا في كل حال حتى في حال صدقنا لما غلب على ظنك في تهمتنا ببغض يوسف وكراهتنا له.
فإن قيل : كيف قالوا ليعقوب : أنت لا تصدق الصادقين ؟.
قيل : المعنى أنك تتهمنا في هذا الأمر ؛ لأنك خفتنا في الابتداء، واتهمتنا في حقه.
وقيل : المعنى لا تصدقنا ؛ لأنه لا دليل لنا على صدقنا وإن كنا صادقين عند الله تعالى.

فصل


احتجوا بهذه الآية على أن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق لقوله تعالى :﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾، أي بمصدق.
روي أن امرأة تحاكمت إلى شريح فبكت، فقال الشعبي : يا أبا أمية : أما تراها تبكي ؟ قال : قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا بالحق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى