تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ) هذا القول منهم له في الظاهر عظيم لأنهم قالوا :( وما أنت بمؤمن لنا ) في هذا وما كنا صادقين عندك من قبل في غير هذا.
أو يكون قوله :( وما أنت بمؤمن لنا ) أي تتهمنا، ولا تصدقنا، لأنه اتهمهم حين[ في الأصل وم : حيث ] ( قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب )[ الآية : ١٣ ] فاعترضت له التهمة وليس في الاتهام تكذيب. إنما في الوقف ؛ لأن من ائتمن آخر في شيء، ثم اتهمه فيه، لا يكون[ في الأصل وم : يكون ] في اتهامه إياه تكذيب. فعلى ذلك قولهم :( وما أنت بمؤمن لنا ) أي تتهمنا بما سبقت منا[ في الأصل وم : من ] التهمة ( ولو كنا صادقين ).
على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية وإلا لم يجز أن يكون نبي من الأنبياء يكذب من يعلم أنه صادق في خبره وقوله.
فإن قيل قوله :( وأخاف أن يأكله الذئب )[ الآية : ١٣ ] كيف كذلك ؟ وقد قال لهم يعقوب :( وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك )[ الآية : ٦ ] فكيف خاف أكل الذئب والضياع ؟ وذلك لا يحتمل أن يقوله[ في الأصل وم : يقول ] له إلا بعلم من الله والوحي إليه. قيل : يحتمل [ ذلك بوجهين :
أحدهما ][ ساقطة من الأصل وم ] : أن يكون ما ذكر على شرط الخوف أنه مما ذكر، فيكون له ما قال من الاجتباء وتعليم الأحاديث وإتمام النعمة عليه.
[ والثاني : أن يكون ][ في الأصل وم : أو ] خاف ذلك على ما خافوا جميعا ما هم عليه من الدين، و إن اعتصموا عما خافوا جميعا :( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام )[إبراهيم: ٣٥] ومعلوم أن إبراهيم لا يعبد الأصنام، وقال يوسف :( توفني مسلما و ألحقني بالصالحين )[ الآية : ١٠١ ] ومثاله : هو ما ذكرنا في غير موضع : أن العصمة لا تزيل الخوف، ولا تؤمن من[ في الأصل وم : عن ] ارتكاب مضاداته، بل تزيد الخوف على[ أدرج بعدها في الأصل وم : ذلك ] الأخيار والأبرار ؛ كأن خوفهم وإشفاقهم على دينهم أكثر من غيرهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :( نستبق ) قال بعضهم : نشتد إلى الصيد. وقال أبو عوسجة :( نستبق ) هذا من السباق أي يعدون حتى ينظروا إليهم ؛ يستبق أي يتقدم من صاحبه، ويغلبه في العدو.
وقال القتبي :( نستبق ) أي ننتضل : يسابق بعضنا بعضا في الرمي. يقال : سابقته، فسبقته، والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى