الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿عَلَى قَمِيصِهِ﴾ : في محل نصبٍ على الحال من " الدم ". قال أبو البقاء :" لأنَّ التقدير : جاؤوا بدمٍ كذبٍ على قميصه "، يعني أنه لو تأخَّر لكان صفةً للنكرة. وهذا الوجهُ قد ردَّه الزمخشري فقال :" فإن قلت : هل يجوز أن تكون حالاً متقدمة ؟ قلت : لا، لأنَّ حال المجرور لا تتقدَّم عليه ". وهذا الذي رَدَّ به الزمخشريُّ أحدُ قولَي النحاة، وقد صحَّح جماعةٌ جوازَه وأنشدوا :
٢٧٥٤. . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** فَلَنْ يذهبوا فَرْغاً بقَتْلِ حِبال
وقولَ الآخر :
وقول الآخر :
وقال الحوفي :" إنَّ " على قميصه " متعلقٌ ب " جاؤوا "، وفيه نظر ؛ لأن مجيئَهم لا يصحُّ أن يكونَ على القميص.
وقال الزمخشري :" فإن قلتَ " على قميصه " ما محلُّه ؟ قلت : محلُّه النصبُ على الظرف، كأنه قيل : وجاؤوا فوق قميصه بدم، كما تقول : جاء على جِماله بأَحْمال ". قال الشيخ :" ولا يساعد المعنى على نصب " على " على الظرف بمعنى فوق، لأنَّ العامل فيه إذ ذاك " جاؤوا "، وليس الفوقُ ظرفاً لهم، بل يستحيل أن يكونَ ظرفاً لهم ". وهذا الردُّ هو الذي رَدَدْت به على الحوفي قولَه إنَّ " على " متعلقةٌ ب " جاؤوا ". ثم قال الشيخ :" وأمَّا المثال الذي ذكره الزمخشري وهو " جاء على جِماله بأَحْمال " فيمكن أن يكونَ ظرفاً للجائي لأنه تمكَّن الظرف فيه باعتبار تبدُّلِه مِنْ جملٍ إلى جمل، وتكون " بأَحْمال " في موضع الحال، أي : مضموماً بأحمال ".
وقرأ العامَّةُ :" كَذِب " بالذال المعجمة، وهو من الوصف بالمصادر فيمكن أن يكونَ على سبيل المبالغة نحو : رجلٌ عَدْلٌ أو على حَذْفِ مضافٍ، أي : ذي كذب، نَسَبَ فِعْلَ فاعله إليه. وقرأ زيد بن علي " كَذِباً " فاحتمل أن يكون مفعولاً من أجله واحتمل أن يكونَ مصدراً في موضع الحال، وهو قليلٌ أعني مجيءَ الحالِ من النكرة.
وقرأ عائشة والحسن :" كَدِب " بالدال المهملة. وقال صاحبُ اللوامح :" معناه : ذي كَدِب، أي : أثر ؛ لأنَّ الكَدِبَ هو بياضٌ يَخْرُجُ في أظافير الشباب ويؤثِّر فيها، فهو كالنقش، ويُسَمَّى ذلك البياضُ " الفُوْف " فيكون هذا استعارةً لتأثيره في القميص كتأثير ذلك في الأظافير ". وقيل : هو الدمُ الكَدِر. وقيل : الطريُّ. وقيل : اليابس.
قوله :﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ قبل هذه الجملةِ جملةٌ محذوفة تقديره : لم يأكلْه الذئب، بل سَوَّلَتْ.
وسوَّلت، أي : زيَّنَتْ وسَهَّلَتْ.
قوله :﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يجوز أن يكونَ مبتدأً وخبره محذوفٌ، أي : صبر جميل أَمْثَلُ بي. ويجوز أن يكون خبراً محذوفَ المبتدأ، أي : أمري صبرٌ جميل. وهل يجب حَذْفُ مبتدأ هذا الخبر/ أو خبر هذا المبتدأ ؟ وضابطُه أن يكونَ مصدراً في الأصل بدلاً مِن اللفظ بفعله، وعبارة بعضِهم تقتضي الوجوبَ، وعبارة آخرين الجواز. ومن التصريح بخبر هذا النوعِ. ولكنه في ضرورة شعر قولُه :
وقولُ الشاعر :
يحتمل أن يكونَ مبتدأً أو خبراً كما تقدَّم.
وقرأ أُبَيّ وعيسى بن عمر :" فصبراً جميلاً " [ نصباً، ورُويت عن الكسائي، وكذلك هي في ] مصحف أنس بن مالك، وتخريجها على المصدر الخبري، أي : أصبرُ أنا صبراً، وهذه قراءة ضعيفة إن خُرِّجَتْ هذا التخريجَ، فإن سيبويه لا ينقاس ذلك عنده إلا في الطلب، فالأَوْلى أن يُجعل التقدير : إنَّ يعقوب رَجَعَ وأَمَر نفسَه فكأنه قال : اصبري يا نفسُ صبراً. ورُوري البيتُ أيضاً بالرفع والنصب على ما تقدَّم، والأمر فيه ظاهر.
٢٧٥٤. . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** فَلَنْ يذهبوا فَرْغاً بقَتْلِ حِبال
وقولَ الآخر :
| ٢٧٥٥ لَئِنْ كان بَرْدُ الماءِ هَيْمانَ صادِياً | إليَّ حبيباً إنَّها لحبيبُ |
| ٢٧٥٦ غافلاً تَعْرِضُ المنيَّةُ لِلْمَرْ | ءِ فيُدْعَى ولاتَ حينَ إباءُ |
وقال الزمخشري :" فإن قلتَ " على قميصه " ما محلُّه ؟ قلت : محلُّه النصبُ على الظرف، كأنه قيل : وجاؤوا فوق قميصه بدم، كما تقول : جاء على جِماله بأَحْمال ". قال الشيخ :" ولا يساعد المعنى على نصب " على " على الظرف بمعنى فوق، لأنَّ العامل فيه إذ ذاك " جاؤوا "، وليس الفوقُ ظرفاً لهم، بل يستحيل أن يكونَ ظرفاً لهم ". وهذا الردُّ هو الذي رَدَدْت به على الحوفي قولَه إنَّ " على " متعلقةٌ ب " جاؤوا ". ثم قال الشيخ :" وأمَّا المثال الذي ذكره الزمخشري وهو " جاء على جِماله بأَحْمال " فيمكن أن يكونَ ظرفاً للجائي لأنه تمكَّن الظرف فيه باعتبار تبدُّلِه مِنْ جملٍ إلى جمل، وتكون " بأَحْمال " في موضع الحال، أي : مضموماً بأحمال ".
وقرأ العامَّةُ :" كَذِب " بالذال المعجمة، وهو من الوصف بالمصادر فيمكن أن يكونَ على سبيل المبالغة نحو : رجلٌ عَدْلٌ أو على حَذْفِ مضافٍ، أي : ذي كذب، نَسَبَ فِعْلَ فاعله إليه. وقرأ زيد بن علي " كَذِباً " فاحتمل أن يكون مفعولاً من أجله واحتمل أن يكونَ مصدراً في موضع الحال، وهو قليلٌ أعني مجيءَ الحالِ من النكرة.
وقرأ عائشة والحسن :" كَدِب " بالدال المهملة. وقال صاحبُ اللوامح :" معناه : ذي كَدِب، أي : أثر ؛ لأنَّ الكَدِبَ هو بياضٌ يَخْرُجُ في أظافير الشباب ويؤثِّر فيها، فهو كالنقش، ويُسَمَّى ذلك البياضُ " الفُوْف " فيكون هذا استعارةً لتأثيره في القميص كتأثير ذلك في الأظافير ". وقيل : هو الدمُ الكَدِر. وقيل : الطريُّ. وقيل : اليابس.
قوله :﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ قبل هذه الجملةِ جملةٌ محذوفة تقديره : لم يأكلْه الذئب، بل سَوَّلَتْ.
وسوَّلت، أي : زيَّنَتْ وسَهَّلَتْ.
قوله :﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يجوز أن يكونَ مبتدأً وخبره محذوفٌ، أي : صبر جميل أَمْثَلُ بي. ويجوز أن يكون خبراً محذوفَ المبتدأ، أي : أمري صبرٌ جميل. وهل يجب حَذْفُ مبتدأ هذا الخبر/ أو خبر هذا المبتدأ ؟ وضابطُه أن يكونَ مصدراً في الأصل بدلاً مِن اللفظ بفعله، وعبارة بعضِهم تقتضي الوجوبَ، وعبارة آخرين الجواز. ومن التصريح بخبر هذا النوعِ. ولكنه في ضرورة شعر قولُه :
| ٢٧٥٧ فقالَتْ على اسمِ اللَّهِ أَمْرُك طاعةٌ | وإن كنتُ قد كُلِّفْتُ ما لم أُعَوَّدِ |
| ٢٧٥٨ يَشْكو إليَّ جَمَلي طولَ السُّرى | صَبْرٌ جميلٌ فكِلانا مُبْتَلَى |
وقرأ أُبَيّ وعيسى بن عمر :" فصبراً جميلاً " [ نصباً، ورُويت عن الكسائي، وكذلك هي في ] مصحف أنس بن مالك، وتخريجها على المصدر الخبري، أي : أصبرُ أنا صبراً، وهذه قراءة ضعيفة إن خُرِّجَتْ هذا التخريجَ، فإن سيبويه لا ينقاس ذلك عنده إلا في الطلب، فالأَوْلى أن يُجعل التقدير : إنَّ يعقوب رَجَعَ وأَمَر نفسَه فكأنه قال : اصبري يا نفسُ صبراً. ورُوري البيتُ أيضاً بالرفع والنصب على ما تقدَّم، والأمر فيه ظاهر.