زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ﴾ أي : قوم يسيرون ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ قال الأخفش : أنث السيارة وذكر الوارد، لأن السيارة في المعنى للرجال. وقال الزجاج : الوارد : الذي يرد الماء ليستقي للقوم.
وفي اسم هذا الوارد قولان :
أحدهما : مالك بن ذعر بن يؤيب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : مجلث بن رعويل، قاله وهب بن منبه.
قوله تعالى :﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ أي : أرسلها. قال الزجاج : يقال : أدليت الدلو : إذا أرسلتها لتملأها، ودلوتها : إذا أخرجتها. ﴿قَالَ يَا بشراي﴾ قرأه ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر :" يا بشراي " بفتح الياء وإثبات الألف. وروى ورش عن نافع " بشراي " و ﴿محياي﴾ [الأنعام: ١٦٢] و ﴿مثواي﴾ [يوسف: ٢٣] بسكون الياء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي " يا بشرى " بألف بغير ياء. وعاصم بفتح الراء، وحمزة، والكسائي يميلانها. قال الزجاج : من قرأ " يا بشراي " فهذا النداء تنبيه للمخاطبين، لأن البشرى لا تجيب ولا تعقل ؛ فالمعنى : أبشروا، ويا أيها البشرى هذا من أوانك، وكذلك إذا قلت : يا عجباه، فكأنك قلت : اعجبوا، ويا أيها العجب هذا من حينك ؛ وقد شرحنا هذا المعنى [ هود : ٦٩ و ٧٤ ].
فأما قراءة من قرأ " يا بشرى " فيجوز أن يكون المعنى : يا من حضر، هذه بشرى. ويجوز أن يكون المعنى : يا بشرى هذا أوانك على ما سبق بيانه من تنبيه الحاضرين. وذكر السدي أنه نادى بذاك أحدهم وكان اسمه بشرى. وقال ابن الأنباري : يجوز فيه هذه الأقوال، ويجوز أن يكون اسم امرأة. وقرأ أبو رجاء، وابن أبي عبلة :" يا بشري " بتشديد الياء وفتحها من غير ألف. قال ابن عباس : لما أدلى دلوه ؛ تعلق يوسف بالحبل فنظر إليه فإذا غلام أحسن ما يكون من الغلمان، فقال لأصحابه : البشرى، فقالوا : ما وراءك ؟ قال : هذا غلام في البئر، فأقبلوا يسألونه الشركة فيه، واستخرجوه من الجب، فقال بعضهم لبعض : اكتموه عن أصحابكم لئلا يسألونكم الشركة فيه، فإن قالوا : ما هذا ؟ فقولوا : استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر ؛ فجاء إخوة يوسف فطلبوه فلم يجدوه في البئر، فنظروا، فإذا هم بالقوم ومعهم يوسف، فقالوا لهم : هذا غلام أبق منا، فقال مالك بن ذعر : فأنا أشتريه منكم، فباعوه بعشرين درهما وحلة ونعلين، وأسره مالك بن ذعر من أصحابه، وقال : استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر.
قوله تعالى :﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ قال الزجاج :" بضاعة " منصوب على الحال، كأنه قال : وأسروه جاعليه بضاعة. وقال ابن قتيبة : أسروا في أنفسهم أنه بضاعة وتجارة. في الفاعلين لذاك قولان :
أحدهما : أنهم واردو الجب، أسروا ابتياعه عن باقي أصحابهم، وتواصوا أنه بضاعة استبضعهم إياها أهل الماء ؛ وقد ذكرنا هذا المعنى عن ابن عباس، وبه قال مجاهد.
والثاني : أنهم إخوته، أسروا أمره، وباعوه، وقالوا : هو بضاعة لنا، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس أيضا.
قوله تعالى :﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ يعم الباعة والمشترين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى