الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ﴾ : مستأنف لا محل له، ولا يجوز أن يكونَ حالاً ؛ لأنهما لم يقولا ذلك حال الدخول. ولا جائز أن تكونَ مقدرةً ؛ لأن الدخول لا يَؤُول إلى الرؤيا. و " إني " وما في حَيِّزه في محلِّ نصب بالقول.
و " أراني " هنا متعديةٌ لمفعولين عند بعضِهم إجراءً للحُلُميَّة مُجْرَى العِلْمِيَّة، فتكون الجملة مِنْ قوله :" أَعْصِرُ " في محلِّ المفعول الثاني، ومَنْ منع كانت عنده في محل الحال. وجرت الحُلُمية مَجْرى العِلْمية أيضاً في اتِّحاد فاعلها ومفعولِها ضميرين متصلين، ومنه الآيةُ الكريمة ؛ فإن الفاعلَ والمفعولَ متحدان في المعنى ؛ إذ هما للمتكلم، وهما ضميران متصلان. ومثلُه :" رَأَيْتُك في المنام قائماً " و " زيدٌ رآه قائماً "، ولا يجوز ذلك في غير ما ذُكر، لا تقول : أَكْرَمْتُني، ولا أكرمْتُك، ولا زيد أكرمه، فإن أردت ذلك قل : أكرمتُ نفسي، أو إياي ونفسك، أو إياك ونفسَه، أو إياه، وقد تقدَّم تحقيق هذا.
وإذا دَخَلَتْ همزةُ النقل على هذه الحُلُمِيَّة تعدَّت لثالث، وقد تقدَّم هذا في قوله تعالى :﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾ [الأنفال: ٤٣]، ولو أراكهم كثيراً.
والخَمْر : العِنَب أُطلق عليه ذلك مجازاً، لأنه آيل إليه كما يُطْلق الشيءُ على الشيء باعتبار ما كان عليه كقوله :﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٢] ومجازُ هذا أقربُ : وقيل : بل الخمر : العنب حقيقة في لغة غسان وأزد عمان. وعن المعتمر :" لقيت أعرابياً حاملاً عنباً في وعاءٍ فقلت : ما تحمل ؟ فقال : خمراً.
وقراءة أُبَيّ وعبد اللَّه " أَعْصِر عنباً " لا تدل على الترادف لإِرادتها التفسيرَ لا التلاوة، وهذا كما في مصحف عبد اللَّه " فوق رأسي ثريداً " فإنه أراد التفسير فقط.
و " تأكل الطير " صفةٌ لخبزاً. و " فوق " يجوز أن يكون ظرفاً للحمل، وأن يتعلق بمحذوف حالاً من " خبزاً " لأنه في الأصل صفةٌ له. والضمير في قوله :" نَبِّئْنا بتأويله " قال الشيخ :" عائدٌ على ما قَصَّا عليه، أُجري مُجْرى اسم الإِشارة كأنه قيل بتأويل ذلك " وهذا قد سبقه إليه الزمخشري، وجعله سؤالاً وجواباً. وقال غيره :" إنما وَحَّد الضمير لأنَّ كل واحد سأل عن رؤياه، فكأن كل واحد منهما قال : نَبِّئْنا بتأويل ما رأيت.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى