بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَقَالَ الذى نَجَا مِنْهُمَا﴾ وهو الساقي ﴿وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ يعني : تذكر بعد حين. يعني : بعد سبع سنين. وقال الزجاج : أصل ﴿ادكر﴾ اذكر. ولكن التاء أبدلت بالدال وأدغم الذال في الدال. وقال القتبي : الأمة الصنف من الناس، والجماعة كقوله تعالى :﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] ثم تستعمل الأمة في الأشياء المختلفة. يقال للإمام : أمة كقوله :﴿إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين﴾ [النحل: ١٢٠] لأنه سبب للاجتماع. ويسمى الدين أمة كقوله :﴿بَلْ قالوا إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على ءاثارهم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] أي : على دين، لأن القوم يجتمعون على دين واحد، فيقام ذلك اللفظ مقامه. ويسمى الحين أمة كقوله :﴿وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ وكقوله :﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [هود: ٨] وإنما سمي الحين أمة أيضاً، لأن الأمة من الناس ينقرضون في حين، فيقام الأمة مقام الحين وقرأ بعضهم ﴿وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ يعني : بَعْدَ بعُدَ نسيانٍ يقال : أمَهْتُ أي : نسيت. وقال الفراء : يقال رجل مأموه، كأنه ليس معه عقل فلما تذكر الساقي حال يوسف، جاء وجثا بين يدي الملك، وقال :﴿أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ يعني : بتأويل ما رأيت من الرؤيا. وروي عن الحسن : أنه كان يقرأ :﴿أَنَاْ ءاتِيكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾، وقراءة العامة ﴿أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ فقال : وما يدريك يا غلام، ولست بمعبّر، ولا كاهن ؟ فقصَّ عليه أمره الذي كان وقت كونه في السجن برؤيته، وتعبير يوسف لها، وصدق تعبيره على نحو ما وصفه له. وأخبره بحال يوسف وحكمته، وعلمه، وفهمه، ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ يعني : أرسلوني أيها الملك إلى ﴿يوسف﴾. خاطبه بلفظ الجماعة، كما يخاطب الملوك. فأرسله الملك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى