المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ولما سمع الساقي - الذي نجا - هذه المقالة من الملك ومراجعة أصحابه، تذكر يوسف وعلمه بتأويل الأحلام والرؤى، فقال مقالته في هذه الآية.
و ﴿ادكر﴾ أصله ادتكر - افتعل - من الذكر، قلبت التاء دالاً وأدغم الأول في الثاني، ثم بدلت دالاً غير منقوطة لقوة الدال وجلدها، وبعض العرب يقول : اذكر ؛ وقرىء ﴿فهل من مذكر﴾(٩) بالنقط و ﴿من مدكر﴾ [القمر: ١٥، ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠، ٥١] على اللغتين ؛ وقرأ جمهور الناس :«بعد أمة »(١٠) وهي المدة من الدهر، وقرأ ابن عباس وجماعة «بعد أمة » وهو النسيان، وقرأ مجاهد وشبل بن عزرة(١١) «بعد أمه » بسكون الميم وهو مصدر من أمه إذا نسي، وقرأ الأشهب العقيلي «بعد إمة » بكسر الهمزة، والإمة : النعمة والمعنى : بعد نعمة أنعمها الله على يوسف في تقريب إطلاقه وعزته. وبقوله :﴿ادكر﴾ يقوي قول من يقول : إن الضمير في ﴿أنسانيه﴾ [الكهف: ٦٣] عائد على الساقي، والأمر محتمل.
وقرأ الجمهور :«أنا أنبئكم » وقرأ الحسن بن أبي الحسن :«أنا آتيكم »، وكذلك في مصحف أبي بن كعب.
وقوله :﴿فأرسلون﴾ استئذان في المضي، فقيل : كان السجن في غير مدينة الملك - قاله ابن عباس - وقيل : كان فيها(١).
قال القاضي أبو محمد : ويرسم الناس اليوم سجن يوسف في موضع على النيل بينه وبين الفسطاط ثمانية أميال.
١ وفي الكلام حذف بعد [فأرسلون]، والتقدير: "فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال"، والصديق: بناء مبالغة مثل: السكير، والشريب، وكان الساقي قد صحب يوسف زمانا وخبره وعرف صدقه في غير ما أمر، كتأويل رؤياه ورؤيا صاحبه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى