المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿قال تزرعون﴾ الآية، تضمن هذا الكلام من يوسف عليه السلام ثلاثة أنواع من القول :
أحدها : تعبير بالمعنى لا باللفظ.
والثاني : عرض رأي وأمر به، وهو قوله :﴿فذروه في سنبله﴾.
والثالث : الإعلام بالغيب في أمر العام الثامن، قاله قتادة.
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل هذا ألا يكون غيباً، بل علم العبارة، أعطى انقطاع الجدب بعد سبع، ومعلوم أنه لا يقطعه إلا خصب شاف، كما أعطى أن النهر مثال للزمان. إذ هو أشبه شيء به فجاءت البقرات مثالاً للسنين.
و ﴿دأبا﴾ معناه : ملازمة لعادتكم في الزراعة، ومنه قول امرىء القيس :[ الطويل ]
كدأبك من أم الحويرث قبلها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ***. البيت(١)
وقرأ جمهور السبعة «دأْباً » بإسكان الهمزة، وقرأ عاصم وحده «دأَباً » بفتح الهمزة، وأبو عمرو يسهل الهمزة عند درج القراءة، وهما مثل : نهر ونهر. والناصب لقوله :﴿دأباً﴾ ﴿تزرعون﴾، عند أبي العباس المبرد، إذ في قوله ﴿تزرعون﴾ تدأبون، وهي عنده مثل قولهم : قعد القرفصاء، واشتمل الصماء(٢) ؛ وسيبويه يرى نصب هذا كله بفعل مضمر من لفظ المصدر يدل عليه هذا الظاهر، كأنه قال : تزرعون تدأبون دأباً.
وقوله ﴿فما حصدتم فذروه﴾ هي إشارة برأي نبيل نافع بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين بوجه إلا بحيلة إبقائها في السنبل، فإن الحبة إذا بقيت في خبائها انحفظت والمعنى : اتركوا الزرع في السنبل إلا ما لا غنى عنه للأكل، فيجتمع الطعام هكذا ويتركب، ويؤكل الأقدم فالأقدم.
١ من معلقته المشهورة، والبيت بتمامه: هذا صدر بيت لامرئ القيس
كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسل
ويروى: "كدينك"، أي: مثل عادتك وشأنك، وأم الحويرث هي أخت الحارث بن حصين ابن ضمضم من بني كلب، وقد تزوجت من حجر أبي امرئ القيس، ومأسل بفتح السين:
جبل بعينه، وبكسر السين: ماء بعينه، والرواية هنا بالفتح..

٢ جاء في "الصحاح ـ شمل": "واشتمال الصماء: أن يجلل جسده كله بالكساء أو بالإزار"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى