الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ : العامَّة على " جَعَل " دون زيادة واو قبلها. وقرأ عبد اللَّه " وجَعَلَ "، وهي تحتمل وجهين، أحدُهما : أنَّ الجوابَ محذوفٌ. والثاني : أن الواوَ مزيدةٌ في الجواب على رأيِ مَنْ يَرى ذلك، وهم الكوفيون والأخفش. / وقال الشيخ :" وقرأ عبداللَّه فيما نقل الزمخشري " وجعل السِّقاية في رَحْل أخيه : أمهلهم حتى انطلقوا ثم أذَّن مؤذِّن "، وفي نَقْل ابن عطية " وجعل " بزيادة واوٍ في " جَعَل "، دون الزيادة التي زادها الزمخشري بعد قوله :﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾، فاحتمل أن تكونَ الواوُ زائدةً على مذهب الكوفيين، واحتمل أن يكونَ جوابُ " لمَّا " محذوفاً تقديره : فَقَدها حافظُها، كما قيل : إنما أوحيَ إلى يوسفَ أن يَجْعل السقاية فقط، ثم إنَّ حافِظَها فَقَدَها فنادى برأيه فيما ظهر له، ورجَّحه الطبري. وتفتيشُ الأوعية يَرُدُّ هذا القول ".
قلت : لم ينقلِ الزمخشري هذه الزيادةَ كلَّها قراءةً عن عبد اللَّه، إنما جعل الزيادةَ المذكورةَ بعد قوله :" رَحْل أخيه " تقديرَ جوابٍ مِنْ عنده، وهذا نصُّه : قال الزمخشري :" وقرأ ابن مسعود ﴿وجَعَل السِّقاية﴾ على حَذْفِ جواب " لمَّا " كأنه قيل : فلمَّا جَهَّزهم بجهَازهم وجعل السِّقاية في رَحْل أخيه أمهلهم حتى انطلقوا ثم أذَّن مؤذِّن " فهذا من الزمخشري إنما هو تقديرٌ لا تلاوةٌ منقولة عن عبد اللَّه، ولعله وقع للشيخِ نسخةٌ سقيمة.
والسِّقاية : إناءٌ مستطيل يُسْقَى به وهو الصُّواع، وللمفسرين فيه خلافٌ طويل.
قوله :﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ منادَى حُذِفَ منه حرفُ النداء والعِيْر مؤنث، ولذلك أتَتْ " أيّ " المُتَوَصَّلُ بها إلى ندائه. والعِيْر فيها قولان، أحدهما : أنها في الأصلِ جماعةُ الإِبل سُمِّيَتْ بذلك لأنها تَعِيْر، أي : تَذْهَبُ وتجيء به. والثاني : أنها في الأصل قافلة الحمير كأنها جمع عَيْر، والعَيْر : والعَيْر : الحمار. قال :
٢٨٠٨ ولا يُقيم على ضَيْمٍ يُرادُ بهإلا الأَذَلاَّن عَيْرُ الحَيِّ والوَتِدُ
والأصل : عَيْر وعُيْر بضم العين ثم فَعِل به ما فُعِل ب " بِيض "، والأصل : بُيْض بضم الأول، ثم أُطْلِقَ العِير على كل قافلة حميراً كنَّ أو غيرَها، وعلى كل تقدير فنسبةُ النداء إليها على سبيل المجاز، لأنَّ المنادى في الحقيقة أهلُها. ونَظَّره الزمخشري بقوله :" يا خيلَ اللَّهِ اركبي "، إلا أنه في هذه الآية التفت إلى المضاف المحذوف في قوله :" إنكم لسارقون " ولم يَلْتفت إليه في " يا خيل اللَّه اركبي "، ولو التفت لقال : اركبوا. ويجوزُ أن يُعَبَّر عن أهلها للمجاورة فلا يكونُ مِنْ مجازِ الحَذْف، بل من مجازِ العَلاقة.
وتجمعه العرب قاطبةً، على عَيَرات بفتح الياء، وهذا ممَّا اتُّفِقَ على شذوذه ؛ لأن فِعْلَة المعتلةَ بالعين حقُّها في جمعها بالألف والتاء أن تُسَكَّن عينُها نحو : قِيمة وقِيْمات ودِيْمة ودِيْمات، وكذلك فَعْل دون ياء إذا جُمِعَ حَقُّه أن تُسَكَّن عينُه. وقال امرؤ القيس :
٢٨٠٩ غَشِيْتُ ديارَ الحي بالبَكَرَاتِفعارِمَةٍ فبُرْقَةِ العِيَراتِ
وقال الأعلم الشنتمري :" العِيَرات هنا : مواضع الأَعْيار وهي الحُمُر " قلت : وفي عِيَرات شذوذٌ آخرُ وهو جَمْعُها بالألف والتاء مع جَمْعِها على " أعْيار " أيضاً جمعَ تكسير، وقد نَصُّوا على ذلك. قيل : ولذلك لُحِّن المتنبي في قوله :
٢٨١٠ إذا كان بعضُ الناسِ سَيْفاً لدولةٍففي الناسِ بُوْقاتُ لهم وطبولُ
قالوا : فجمع بوقاً على بوقات مع تكسيرهم له على أبواق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى