اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الملك﴾ " الصَّواعُ هو المِكْيَال، وهو السِّقاية المتقدِّمة سمَّاه تارة والسِّقايةُ : وصفٌ.
وقيل :" ذُكِّرَ ؛ لأَنَّه صاعٌ، وأنْثَ لأنَّهُ سِقايَة.
والصّواع السّقاية : إناءٌ له رأسان في وسطه مقبض، كان الملك يشربُ منه من الرَّأسِ الواحدة ويكالُ الطَّعام بالرَّأسِ الآخرِ.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : كلُّ شيء يُشربُ به فهو صُواعٌ ؛ وأنشد :[ الخفيف ]
قيل : إنما كان الطعَّام بالصَّواع مبالغة في إكرامهم.
وقال مجاهدٌ، وأبو صالح : الصُّواع الطرجهالة بلغة حميرٍ. وإنَّما اتخذ هذا الإناء مكيلاً لعزة ما يكال به في ذلك الوقت. وفيه قراءات كلُّها لغات في ذلك الحرف، ويُذكِّر، ويؤنَّث فالعامة :" صُوَاع " بزنة :" غُرَاب "، العين مهملة، وقرأ ابن جبير، والحسن كذلك إلاَّ أنه بالغين المعجمة وقرأ يحيى بن يعمر كذلك ؛ إلا أنه حذف الألف، وسكن الواو، وقرأ زيد بن عليِّ " صَوْغ " كذلك إلا أنه فتح الصَّاد، وجعله مصدراً ل :" صَاغَ " يَصُوغُ. والقراءتان [ قبله ] مشتقان منه وهو واقع موقع مفعول. أي : مصوغ الملك.
وقرأ أبو حميرة وابن جبير والحسن رضي الله عنهم في رواية عنهما " صِواعَ " كالعامة إلا أنهم كسروا الفاء. وقرأ أبو هريرة ومجاهد رضي الله عنهما :" صَاع " بزنة بَاب وألفه كألفه في كونها منقلبة عن واو مفتوحة وقرأ أبو رجاء :" صَوْع " بزنة " قَوْس ".
وقرأ عبدالله بن عون كذلك إلا أنه ضم الفاء فهذه ثمان قراءات متواترة وواحدة في الشاذ.
قوله :﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي من الطعام، ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾.
قال مجاهد : الزعيم هو المؤذن الذي أذن، والزعيم : الكفيل.
قال الكلبيُّ : الزَّعيمُ : هو الكفيل بلسانِ أهل اليمنِ.
روى أبو عبيدة عن الكسائيِّ : زعمْتُ بِهِ أزعُم زُعْماً وزَعَامَةً، أي : تكفلت به.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد حكم بها رسول الله ﷺ في قوله :" الزَّعيمُ غَارِمٌ ".
فإن قيل : هذه الكفالةُ شيءٌ مجهولٌ ؟.
فالجواب : حمل البعير من الطَّعام كان معلوماً عندهم، فصحت الكفالةُ به إلاَّ أن هذه الكفالة ما لرد السَّرقة، وهي كفالةٌ بما لم يجب ؛ لأنَّه لا يحلُّ للسَّارقِ أن يأخذ شيئاً على ردّ السِّرقةِ، ولعلّ مثل هذه الكفالة كانت تصحُّ عندهم.
قال القطربيُّ :" تجوز الكفالةُ عن الرِّجلُ ؛ لأنَّ المؤذن هو الضَّامنُ وهو غير يوسف صلوات الله وسلامه عليه.
قال علماؤنا : إذا قال الرجلُ : تحمَّلتُ، أو [ تكفلت ] أو ضمِنتُ، أو أنا حميلٌ لكل أو زعيمٌ، أو كفيلٌ، أو ضامنٌ، أو قبيلٌ، أو لك عندي، أو علي، أو إليّ، أو قبلي، فذلك كلُّه [ حَمالةٌ ] لازمةٌ.
واختلفوا فيمن تكفل بالنفس، أو بالوجه هل يلزمه ضمانُ المالِ ".
فقال الشافعيُّ رضي الله عنه في المشهور عنه، وأحمد : مَن تكفَّل بالنَّفس لم يلزمه الحقٌّ الذي على المطلوب إن ماتَ.
وقال مالكُ، والليثُ، والأوزاعيُّ : إذا تكفل نفسه، وعليه مال، فإن لم يأت به غرم المال، ويرجع به على المطلوب، فإن اشترط ضمان نفسه، أو وجهه، وقال : لا أضمن المال، فلا شيء عليه من المال ".
واختلفوا فيما إذا تكفَّل رجلٌ عن رجلٍ بمالٍ، هل للطالب أن يأخذ من شاء منهما ؟.
فقال الأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأحمد، وإسحاق : يأخذ من شاء منهما، وهذا كان قولم مالكٍ، ثمُّ رجع عنه فقال : لا يأخذُ من الكفيل إلاَّ أن يفلس الغريمُ، أو يغيبُ ؛ لأنَّ البداءة بالذي عليه الحق أولى إلاَّ أن يكون معدماً، فإنَّه يأخذُ من الحميل ؛ لأنه معذورٌ في أخذه في هذه الحالةِ، وهذا قولٌ حسنٌ، والقياسُ : أنَّ للرَّجُلِ مطالبة من شاء منهما.
وقال ابنُ أبي ليلى : إذا ضمن الرَّجلُ عن صاحبه مالاً ؛ تحوَّل على الكفيل، وبرىء الأصيل، إلاَّ أن يشترط المكفول له عليهما أن يأخذ من أيهما شاء.
وقيل :" ذُكِّرَ ؛ لأَنَّه صاعٌ، وأنْثَ لأنَّهُ سِقايَة.
والصّواع السّقاية : إناءٌ له رأسان في وسطه مقبض، كان الملك يشربُ منه من الرَّأسِ الواحدة ويكالُ الطَّعام بالرَّأسِ الآخرِ.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : كلُّ شيء يُشربُ به فهو صُواعٌ ؛ وأنشد :[ الخفيف ]
| ٣١٢٤ نَشْرَبُ الخَمْرَ بالصُّواعِ جِهَاراً | . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . |
وقال مجاهدٌ، وأبو صالح : الصُّواع الطرجهالة بلغة حميرٍ. وإنَّما اتخذ هذا الإناء مكيلاً لعزة ما يكال به في ذلك الوقت. وفيه قراءات كلُّها لغات في ذلك الحرف، ويُذكِّر، ويؤنَّث فالعامة :" صُوَاع " بزنة :" غُرَاب "، العين مهملة، وقرأ ابن جبير، والحسن كذلك إلاَّ أنه بالغين المعجمة وقرأ يحيى بن يعمر كذلك ؛ إلا أنه حذف الألف، وسكن الواو، وقرأ زيد بن عليِّ " صَوْغ " كذلك إلا أنه فتح الصَّاد، وجعله مصدراً ل :" صَاغَ " يَصُوغُ. والقراءتان [ قبله ] مشتقان منه وهو واقع موقع مفعول. أي : مصوغ الملك.
وقرأ أبو حميرة وابن جبير والحسن رضي الله عنهم في رواية عنهما " صِواعَ " كالعامة إلا أنهم كسروا الفاء. وقرأ أبو هريرة ومجاهد رضي الله عنهما :" صَاع " بزنة بَاب وألفه كألفه في كونها منقلبة عن واو مفتوحة وقرأ أبو رجاء :" صَوْع " بزنة " قَوْس ".
وقرأ عبدالله بن عون كذلك إلا أنه ضم الفاء فهذه ثمان قراءات متواترة وواحدة في الشاذ.
قوله :﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي من الطعام، ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾.
قال مجاهد : الزعيم هو المؤذن الذي أذن، والزعيم : الكفيل.
قال الكلبيُّ : الزَّعيمُ : هو الكفيل بلسانِ أهل اليمنِ.
روى أبو عبيدة عن الكسائيِّ : زعمْتُ بِهِ أزعُم زُعْماً وزَعَامَةً، أي : تكفلت به.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد حكم بها رسول الله ﷺ في قوله :" الزَّعيمُ غَارِمٌ ".
فإن قيل : هذه الكفالةُ شيءٌ مجهولٌ ؟.
فالجواب : حمل البعير من الطَّعام كان معلوماً عندهم، فصحت الكفالةُ به إلاَّ أن هذه الكفالة ما لرد السَّرقة، وهي كفالةٌ بما لم يجب ؛ لأنَّه لا يحلُّ للسَّارقِ أن يأخذ شيئاً على ردّ السِّرقةِ، ولعلّ مثل هذه الكفالة كانت تصحُّ عندهم.
فصل
قال القطربيُّ :" تجوز الكفالةُ عن الرِّجلُ ؛ لأنَّ المؤذن هو الضَّامنُ وهو غير يوسف صلوات الله وسلامه عليه.
قال علماؤنا : إذا قال الرجلُ : تحمَّلتُ، أو [ تكفلت ] أو ضمِنتُ، أو أنا حميلٌ لكل أو زعيمٌ، أو كفيلٌ، أو ضامنٌ، أو قبيلٌ، أو لك عندي، أو علي، أو إليّ، أو قبلي، فذلك كلُّه [ حَمالةٌ ] لازمةٌ.
واختلفوا فيمن تكفل بالنفس، أو بالوجه هل يلزمه ضمانُ المالِ ".
فقال الشافعيُّ رضي الله عنه في المشهور عنه، وأحمد : مَن تكفَّل بالنَّفس لم يلزمه الحقٌّ الذي على المطلوب إن ماتَ.
وقال مالكُ، والليثُ، والأوزاعيُّ : إذا تكفل نفسه، وعليه مال، فإن لم يأت به غرم المال، ويرجع به على المطلوب، فإن اشترط ضمان نفسه، أو وجهه، وقال : لا أضمن المال، فلا شيء عليه من المال ".
فصل
واختلفوا فيما إذا تكفَّل رجلٌ عن رجلٍ بمالٍ، هل للطالب أن يأخذ من شاء منهما ؟.
فقال الأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأحمد، وإسحاق : يأخذ من شاء منهما، وهذا كان قولم مالكٍ، ثمُّ رجع عنه فقال : لا يأخذُ من الكفيل إلاَّ أن يفلس الغريمُ، أو يغيبُ ؛ لأنَّ البداءة بالذي عليه الحق أولى إلاَّ أن يكون معدماً، فإنَّه يأخذُ من الحميل ؛ لأنه معذورٌ في أخذه في هذه الحالةِ، وهذا قولٌ حسنٌ، والقياسُ : أنَّ للرَّجُلِ مطالبة من شاء منهما.
وقال ابنُ أبي ليلى : إذا ضمن الرَّجلُ عن صاحبه مالاً ؛ تحوَّل على الكفيل، وبرىء الأصيل، إلاَّ أن يشترط المكفول له عليهما أن يأخذ من أيهما شاء.