فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿قَالُوا إِن يَسْرِقْ﴾ أي بنيامين ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ يعنون يوسف.
وقد اختلف المفسرون في هذه السرقة التي نسبوها إلى يوسف ما هي ؟ فقيل : إنه كان ليوسف عمة هي أكبر من يعقوب، وكانت عندها منطقة إسحاق لكونها أسنّ أولاده وكانوا يتوارثونها فيأخذها الأكبر سناً من ذكر أو أنثى، وكانت قد حضنت يوسف وأحبته حباً شديداً، فلما ترعرع قال لها يعقوب : سلِّمي يوسف إليّ فأشفقت من فراقه، واحتالت في بقائه لديها، فجعلت المنطقة تحت ثيابه وحزمته بها، ثم قالت : قد سرقت منطقة إسحاق فانظروا من سرقها، فبحثوا عنها فوجدوها مع يوسف فأخذته عندها كما هو شرع الأنبياء في ذلك الوقت من آل إبراهيم. وقد سبق بيان شريعتهم في السرقة، وقيل : إن يوسف أخذ صنماً كان لجدّه - أبي أمه - فكسره وألقاه على الطريق تغييراً للمنكر. وحكي عن الزجاج أنه كان صنماً من ذهب. وحكى الواحدي عن الزجاج أنه قال : الله أعلم، أسرق أخ له أم لا ؟ وحكى القرطبي في تفسيره عن الزجاج أنه قال : كذبوا عليه فيما نسبوه إليه، قلت : وهذا أولى، فما هذه الكذبة بأوّل كذباتهم، وقد قدّمنا ما يدفع قول من قال : إنهم قد كانوا أنبياء عند صدور هذه الأمور منهم. قوله :﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ قال الزجاج وغيره : الضمير في أسرّها يعود إلى الكلمة أو الجملة، كأنه قيل : فأسرّ الجملة في نفسه ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ ثم فسرها بقوله :﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ وقد ردّ أبو عليّ الفارسي هذا فقال : إن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير مستعمل ؛ وقيل : الضمير عائد إلى الإجابة، أي : أسرّ يوسف إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر، وقيل : أسرّ في نفسه قولهم :( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل }، وهذا هو الأولى، ويكون معنى ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ أنه لم يبد لهم هذه المقالة التي أسرّها في نفسه بأن يذكر لهم صحتها، أو بطلانها، وجملة ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ مفسرة على القول الأوّل، ومستأنفة على القولين الآخرين، كأنه قيل : فماذا قال يوسف لما قالوا هذه المقالة ؟ أي :﴿أنتم شرّ مكانا﴾ أي : موضعاً ومنزلاً ممن نسبتموه إلى السرقة وهو بريء، فإنكم قد فعلتم ما فعلتم من إلقاء يوسف إلى الجبّ، والكذب على أبيكم وغير ذلك من أفاعيلكم، ثم قال :﴿والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾ من الباطل بنسبة السرقة إلى يوسف، وأنه لا حقيقة لذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ قال : يعنون يوسف. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : سرق مكحلة لخالته، يعني : يوسف. وأخرج أبو الشيخ عن عطية قال : سرق في صباه ميلين من ذهب. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال :( سرق يوسف صنماً لجدّه - أبي أمه - من ذهب وفضة فكسره وألقاه على الطريق فعيره بذلك إخوته ). وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير مثله غير مرفوع، وقد روى نحوه عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ قال : أسرّ في نفسه قوله :﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق في قوله :﴿فلما استيأسوا منه﴾ قال : أيسوا منه، ورأوا شدّته في أمره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿خَلَصُوا نَجِيّا﴾ قال : وحدهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله :﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قال «شمعون» الذي تخلف، أكبرهم عقلاً، وأكبر منه في الميلاد «روبيل». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة قال :﴿كبيرهم هو﴾ «روبيل»، وهو الذي كان نهاهم عن قتله، وكان أكبر القوم. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿أَوْ يَحْكُمَ الله لِي﴾ قال : أقاتل بسيفي حتى أقتل. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن أبي صالح نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة :﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافظين﴾ قال : ما كنا نعلم أن ابنك يسرق. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿واسأل القرية﴾ قال : يعنون مصر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة مثله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى