المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ( ٨١ ) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ( ٨٢ ) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( ٨٣ )
الأمر بالرجوع قيل : هو من قول كبيرهم، وقيل : بل هو من قول يوسف لهم، والأول أظهر.
وقرأ الجمهور «سرقَ » على تحقيق السرقة على بنيامين، بحسب ظاهر الأمر. وقرأ ابن عباس وأبو رزين «سُرِّق » بضم السين وكسر الراء وتشديدها(١)، وكأن هذه القراءة فيها لهم تحر، ولم يقطعوا عليه بسرقة، وإنما أرادوا جعله سارقاً بما ظهر من الحال - ورويت هذه القراءة عن الكسائي - وقرأ الضحاك :«إن ابنك سارقٌ » بالألف وتنوين القاف، ثم تحروا بعد - على القراءتين - في قولهم ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ أي وقولنا لك :﴿إن ابنك سرق﴾ إنما هي شهادة عندك بما علمناه من ظاهر ما جرى، والعلم في الغيب إلى الله، ليس في ذلك حفظنا، هذا قول ابن إسحاق، وقال ابن زيد : قولهم :﴿ما شهدنا إلا بما علمنا﴾ أرادوا به : وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترقّ في شرعك إلا بما علمنا من ذلك، ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ أن السرقة تخرج من رحل أحدنا، بل حسبنا أن ذلك لا يكون البتة، فشهدنا عنده حين سألنا بعلمنا.
وقرأ الحسن «وما شهدنا عليه إلا بما علمنا » بزيادة «عليه ».
ويحتمل قوله :﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ أي حين واثقناك، إنما قصدنا ألا يقع منا نحن في جهته شيء يكرهه، ولم نعلم الغيب في أنه سيأتي هو بما يوجب رقه.
وروي أن معنى قولهم :﴿للغيب﴾ أي الليل، الغيب : الليل - بلغة حمير - فكأنهم قالوا : وما شهدنا عندك إلا بما علمناه من ظاهر حاله، وما كنا بالليل حافظين لما يقع من سرقته هو أو التدليس عليه.
١ أي: نسب إلى السرقة ورمي بها، مثل: خونته وفسقته وفجرته إذا نسبته إلى هذه الحلال، وقال الزجاج: سرق يحتمل معنيين: أحدهما: علم منه السرق، والآخر: اتهم بالسرق. قال الجوهري: والسرق والسرقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق، والمصدر: سرق يسرق سرقا بالفتح..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى