التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ يقال: برح الرجل براحًا وبروحًا، إذا رام من موضعه، ذكره الفراء (١) في المصادر، وأراد الأرض (٢) موضعه ذلك في قول ابن عباس (٣)، وقال الزجاج (٤): يريد أرض مصر، وإلا فالناس كلهم على الأرض.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ قال ابن عباس (٥): حتى يبعث إلى أبى أن آتيه.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَحْكُمَ الله لِي﴾ قال: يريد أو يقضي في أمري شيئًا، وقال غيره: أو يحكم الله لي لمحاربة (٦) أو غيرها مما أراد به أخي على أبيه فاحارب مَن حبسه، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: أعدلهم وأفضلهم.
٨١ - قوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ يقوله الأخ المحتبس بمصر لأخوته: ﴿فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ ذكر ابن الأنباري في هذا وجهين:
أحدهما: أن معناه سرق عند الملك، وفيما يقدره الملك وحاضروه، فأما في تقديرنا وما نعلمه من أمره فلا، ومثل هذا كثير كقوله: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] أي: عند نفسك، و ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أي: عند نفسك، فأما عندنا فلا، قال: وقد قال بعض الناس: تأويله أن ابنك فعل فعلًا يشبه السرق، فسُمي بما يشبه فعله
(١) كتاب المصادر مفقود.
(٢) في (ب): (بالأرض).
(٣) "تنوير المقباس" ص ١٥٣
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٢٥.
(٥) "زاد المسير" ٤/ ٢٦٧.
(٦) في (ج): (كمحاربة).
على المجاز، قال: والأول هو الأثبت، لموافقته مذاهب العرب، ومشاكلته ألفاظًا من القرآن، وأكثر المفسرين على أنهم ما عرفوا حقيقة الحال فنسبوا إليه السرق، على ما رأوه من ظاهر الأمر، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾، قال ابن عباس (١): يريد بما ظهر.
قال ابن إسحاق (٢): معناه: ما قلنا أنه سرق إلا بما علمنا؛ لأنه وجدت السرقة في رحله ونحن ننظر.
قال أبو علي الفارسي (٣): شهد الذي يراد به علم هو ضرب من العلم مخصوص، وكل شهادة علم، وليس كل علم شهادة، ومما يدل على اختصاصه أنه لو قال عند الحاكم: أعلم أن لزيد على عمرو عشرة، لم يحكم به حتى يقول: أشهد، فالشهادة مثل التيقن في أنه ضرب من العلم مخصوص، فليس كل علم تيقنًا، وإن كان كل تيقن علمًا.
وذكرنا حقيقة التيقن عند قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٤) فمعنى أشهد على كذا: أعلمه علمًا بحصري، وقد تذلل لي التوقف عنه ولا أثبت لوضوحه عندي، ويدل على أن الشهادة يراد بها المعنى الزائد على العلم قوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ وليس يتجه حمله على هذا، فعلم أن معناه ما ذكرناه، وشهد في هذا الوجه يتعدَّى بحرف جر، فتارةً يكون بالباء
(١) "زاد المسير" ٤/ ٢٦٧.
(٢) الطبري ١٣/ ٣٦، الثعلبي ٧/ ١٠٢ أ.
(٣) "الحجة" ٦/ ١٤٣، ١٤٤، وانظر: ١/ ٢٥٦ - ٢٦٤.
(٤) الأنعام: ٧٥ وخلاصة ما ذكره هنالك ما نقله عن أبي علي الفارسي "أن التيقن: ضرب من العلم مخصوص فكل علم ليس تيقنًا، وإن كل تيقن علمًا. لأن التيقن هو العلم الذي قد كان عرضر لعالمه إشكال فيه" تفسير البسيط، تحقيق: د. الفايز، ص ٢٩٢.
كهذه الآية، وكقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦]، ، وأخرى يكون بعلى كقوله: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ قال ابن عباس (١): لم نعلم ما كان يصنع في ليله ونهاره ومجيئه وذهابه، وتلخيص هذا القول (٢) أنهم قالوا: ما كنا لغيب ابنك حافظين، أي: كنا نحفظه في محضره، فإذا غاب عنا في الأحوال التي ينفرد فيها، استترت عنا أموره وخفيت علينا حالاته.
وقال مجاهد (٣) وقتادة (٤) والحسن (٥): ما كنا نشعر أن ابنك سيسرق ويصير أمرنا إلى هذا، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به، وإنما ضمنا حفظه مما لنا إلى حفظه منه سبيل.
وقال ابن كيسان (٦): لم نعلم أنك تُصاب به كما أصبت بيوسف، ولو علمنا ذلك لم نحرق قلبك ولم نذهب به.
وقال عطاء فيما رواه عن ابن عباس: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: لعله قد غاب عنا أمر ليس هو كما ظهر، وشرح هذا ما ذكره عكرمة (٧)
(١) الثعلبي ٧/ ١٠٢ أ، البغوي ٤/ ٢٦٦، القرطبي ٩/ ٢٤٥.
(٢) ذكره في "زاد المسير" ٤/ ٢٦٨ عن ابن الأنباري.
(٣) الطبري ١٣/ ٣٦، وابن أبي شيبة وابن المنذر كما في "الدر" ٤/ ٥٥.
(٤) الطبري ١٣/ ٣٦، وعبد الرزاق ٢/ ٣٢٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٣ وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" ٤/ ٥٥.
(٥) انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" ٢/ ٢٨٢.
(٦) "زاد المسير" ٤/ ٢٦٨، الثعلبي ٧/ ١٠٢ ب.
(٧) الثعلبي ٧/ ١٠٢ ب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى