الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا﴾ :" أحبُّ " أفعل تفضيل، وهو مبنيٌّ مِنْ " حُبَّ " المبني للمفعول وهو شاذ. وإذا بَنَيْتَ أفعل التفضيل مِنْ مادة الحب والبغض تعدَّى إلى الفاعل المعنوي ب " إلى "، وإلى المفعولِ المعنويّ باللام أو ب " في "، فإذا قلت :" زيدٌ أحبُ إليَّ مِنْ بكر " يعني أنك تحب زيداً أكثر من بكر فالمتكلم هو الفاعلُ، وكذلك :" هو أبغض إليَّ منه " أنت المُبْغِض، وإذا قلت : زيدٌ أحبُّ لي مِنْ عَمْروٍ، أو أَحَبُّ فيَّ منه، أي : إنَّ زيداً يحبُّني أكثر من عمرو. وقال امرؤ القيس :
٢٧٤٠ لَعَمْري لَسَعْدٌ حيث حُلَّت ديارُهأحبُّ إلينا منكَ فافرسٍ حَمِرْ
وعلى هذا جاءَتِ الآيةُ الكريمة، فإنَّ الأبَ هو فاعل المحبَّة. واللام في " ليوسف " لامُ الابتداء أفادَتْ توكيداً لمضمون الجملة، وقوله :" أحبُّ " خبر المثنى، وإنما لم يطابِقْ لِما عَرَفْتَ مِنْ حكم أفعلَ التفضيل.
والواو في " ونحن عصبةٌ " للحال، فالجملةُ بعدها في محل نصب على الحال. والعامَّةُ على رفع " عُصْبة " خبراً ل " نحن ". وقرأ أمير المؤمنين بنصبها على أن الخبر محذوف، والتقدير : نحن نُرى أو نجتمع فيكون " عصبة " حالاً، إلا أنه قليلٌ جداً، وذلك لأن الحال لا تَسُدُّ مَسَدَّ الخبر إلا بشروطٍ ذكرها النحاة نحو " ضَرْبي زيداً قائماً "، و " أكثر شُرْبي السَّوِيْقَ ملتوتاً ". قال ابن الأنباري :" هذا كما تقول العرب :" إنما العامريُّ عِمَّتَه " أي : يتعمَّم عِمَّته ".
قال الشيخ :" وليس مثلَه لأنَّ " عصبة " ليس بمصدرٍ ولا هيئةٍ، فالأجودُ أن يكونَ من باب " حُكْمُك مُسَمَّطاً ". قلت : ليس مرادُ ابنِ الأنباري إلا التشبيهَ من حيث إنه حَذَف الخبر وسَدَّ شيءٌ آخرُ مَسَدَّه في غير المواضع المنقاسِ فيها ذلك، ولا نَظَر لكونِ المنصوب مصدراً أو غيرَه. وقال المبرد :" هو من باب " حُكْمُك مُسَمَّطاً " أي :/ لك حكمُك مُسَمَّطاً، قال الفرزدق :" يا لَهْذَمُ حُكمك مُسَمَّطاً " أراد : لك حكمُك مُسَمَّطاً، قال :" واسْتُعْمل هذا فَكَثُرَ حتى حُذِف استخفافاً لعلم ما يريد القائل كقولك :" الهلالُ واللَّهِ " أي : هذا الهلال ". والمُسَمَّط : المُرْسَلُ غير المردودِ. وقدَّره غيرُ المبرد : حُكْمُك ثَبَتَ مُسَمَّطاً. وفي هذا المثالِ نظرٌ ؛ لأنَّ النحويين يجعلون مِنْ شَرْط سَدِّ الحالِ مَسَدَّ الخبرِ أن لا يَصْلُحَ جَعْلُ الحال خبراً لذلك المبتدأ نحو :" ضربي زيداً قائماً " بخلاف :" ضربي زيداً شديدٌ "، فإنها تُرْفع على الخبرية، و تَخْرج المسألة من ذلك، وهذه الحال أعني مُسَمَّطاً يَصْلُحُ جَعْلُها خبراً للمبتدأ، إذ التقدير : حُكْمُكَ مُرْسَلٌ لا مَرْدُود، فيكون هذا المَثَلُ على ما قَرَّرْتُه مِنْ كلامهم شاذاً.
والعُصْبة : ما زاد على عشرة، عن ابن عباس، وعنه : ما بين عشرةٍ إلى أربعين. وقيل : الثلاثة نفر، فإذا زاد على ذلك إلى تسعة فهم رَهْط، فإذا بلغوا العشرة فصاعداً فعُصْبة. وقيل : ما بين الواحد إلى العشرة. وقيل من عشرة إلى خمسة عشر. وقيل : ستة. وقيل : سبعة. والمادة تدلُّ على الإِحاطة من العِصابة لإِحاطتها بالرأس.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى