جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قَالُواْ يَأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنّا كُنّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّيَ إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ﴾.
يقول تعالى ذكره : قال ولد يعقوب الذين كانوا فرّقوا بينه وبين يوسف : يا أبانا سل لنا ربك يعف عنا ويستر علينا ذنوبنا التي أذنبناها فيك وفي يوسف فلا يعاقبنا بها في القيامة إنّا كُنّا خاطِئِينَ فيما فعلنا به، فقد اعترفنا بذنوبنا. قال : سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي يقول جل ثناؤه : قال يعقوب : سوف أسأل ربي أن يعفو عنكم ذنوبكم التي أذنبتموها فيّ وفى يوسف.
ثم اختلف أهل التأويل في الوقت الذي أخر الدعاء إليه يعقوب لولده بالاستغفار لهم من ذنبهم، فقال بعضهم : أخر ذلك إلى السحر. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت عبد الرحمن بن إسحاق، يذكر، عن محارب ابن دثار، قال : كان عمّ لي يأتي المسجد، فسمع إنسانا يقول : اللهمّ دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت، وهذا سَحَرٌ، فاغفر لي قال : فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسأل عبد الله عن ذلك، فقال : إن يعقوب أخّر بنيه إلى السحر بقوله : سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن مسعود : سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي قال : أخرهم إلى السحر.
قال : حدثنا أبو سفيان الحميريّ، عن العوام، عن إبراهيم التيميّ في قول يعقوب لبنيه : سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي قال : أخرهم إلى السّحر.
قال : حدثنا عمرو، عن خلاد الصّفّار، عن عمرو بن قيس : سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي قال : في صلاة الليل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي قال : أخرّ ذلك إلى السّحرَ.
وقال آخرون : أخّر ذلك إلى ليلة الجمعة. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي، قال : حدثنا الوليد، قال : أخبرنا ابن جُريج، عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ : سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي يقول :«حَتّى تَأُتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ. وهو قَوْلُ أخي يَعْقُوبَ لبَنِيهِ ».
حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال : حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقيّ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : أخبرنا ابن جريج، عن عطاء وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال : قال رسول الله ﷺ :«قَدْ قالَ أخِي يَعْقُوبُ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي، يَقُولُ : حتى تَأْتيَ لَيْلَةُ الجُمُعَة ».
وقوله : إنّهُ هُوَ الغَفُورُ الرّحِيمُ يقول : إن ربّي هو الساتر على ذنوب التائبين إليه من ذنوبهم الرحيم بهم أن يعذّبهم بعد توبتهم منها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى