دراسة موضوعية
تحليل ورود الموضوع في القرآن الكريم
وَرَدَ ذِكْرُ الخبيث في القرآنِ الكريمِ في 9 مواضع، توزَّعَتْ على 8 سور من سُوَرِه. وجاءَ أكثرُ ذِكرِهِ في سورة الأعراف، وتتمحورُ أغلبُ الآياتِ حولَ موضوعِ «بالإبتلاء يتميز الخبيث من الطيب» بواقعِ آية واحدة.
توزيع المواضيع الفرعية
التوزيع على السور
التوزيع على أجزاء القرآن
الأجزاء المُلوَّنة تحتوي على آيات عن الخبيث
المحتويات
مفهوم الخبيث
أولًا: المعنى اللغوي:
خبث الشيء خباثة وخبثًا فهو خبيث، وهم خبثاء وخباث، والخبيث: نعت كل شيء فاسد، وخبيث الطعم، وخبيث اللون وبه خبث، وخباثة وأخبث فهو مخبث إذا صار ذا خبث وشر.
والخبيث: ضد الطيب من الرزق والولد والناس، وقد خبث الشيء خباثة، وخبث الرجل خبثًا، فهو خبيث، وأخبثه غيره، أي: علّمه الخبث وأفسده، وأخبث أي: اتخذ أصحابًا خبثاء، فهو خبيث مخبث ومخبثان، والكفر مخبثة لنفس المنعم، والأخبثان البول والغائط، وشيء خبيث، أي: نجس، والمخبث: الذي يعلم الناس الخبث، ويطلق الخبيث على الحرام كالزنا، وعلى الرديء المستكره طعمه أو ريحه كالثوم والبصل، وعلى الحرام وعلى الكافر، ومنه الخبائث، وهي التي كانت العرب تستخبثها مثل: الحية والعقرب(1).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الخبيث: هو ما يكره بسبب رداءته وخسته سواء أكان محسوسًا أم معقولًا، وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد والتفكير، والكذب في المقال، والقبح في الأفعال والتصرفات(2).
العلاقة بين المعنى اللغوي والمعني الاصطلاحي:
من خلال التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي للفظ (الخبيث) يتضح لنا بجلاء العلاقة الوثيقة بين المعنيين، حيث إن الخبيث اصطلاحًا تعني المكروه لرداءته وفساده، والخبيث لغة تعني الفاسد والرديء والمحرم والمكروه.
الخبيث في الاستعمال القرآني
وردت مادة (خبث) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت(١٦) مرة(3).
والصيغ التي جاءت هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
|---|---|---|
| الفعل الماضي | ١ | (ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ) [الأعراف:٥٨] |
| الصفة المشبهة | ١٣ | (ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ) [البقرة:٢٦٧] |
| الجمع | ٢ | (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [الأعراف:١٥٧] |
وجاء الخبيث في الاستعمال القرآني بمعنى: ما يكره رداءة وخساسة، محسوسًا كان أو معقولًا، وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح في الفعال (4).
الألفاظ ذات الصلة
الرديء:
الرديء لغة:
الرديء: الدون من الأشياء، والخابث: الرديء من كل شيء، والرديء الفاسد والمنكر والمكروه والوضيع الخسيس، والجمع أردئاء (5).
الرديء اصطلاحًا:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي للرديء عن معناه اللغوي.
الصلة بين الرديء والخبيث:
الرديء والخبيث من المترادفات في المعنى، فالرديء هو الخبيث والفاسد.
الطيب:
الطيب لغة:
الطيب: الأفضل من كل شيء، والطيب: كل ما تستلذه الحواس أو النفس والطيب الحلال، وكل ما خلا من الأذى والخبث، وهو ضد الخبيث(6).
الطيب اصطلاحًا:
الطيب: لفظ ويراد منه ثلاثة معان: الطاهر، والحلال، والمستلذ. (7).
الصلة بين الخبيث والطيب:
الطيب والخبيث ضدان؛ فالطيب طاهر حلال، والخبيث نجس حرام.
الفاسد:
الفاسد لغة:
فسد يفسد فسادًا وفسودًا، نقيض صلح، فهو فاسد (8).
الفاسد اصطلاحًا :
«هو خلاف الصحيح، وهو مالا يترتب أثره عليه»(9).
الصلة بين الفاسد والخبيث:
الخبيث أعم، فكل خبيث فاسد، وليس كل فاسد خبيث.
النجس:
النجس لغة:
النجس: الشيء القذر حتى من الناس، وكل شيء قذرته فهو نجس(10) .
النجس اصطلاحًا:
قال المتولي: «النجاسة في اصطلاح الفقهاء: كل عين حرم تناولها على الإطلاق، مع إمكان التناول لا لحرمتها»(11).
الصلة بين الخبيث والنجس:
الخبيث والنجس من المترادفات أيضًا.
الحرام:
الحرام لغةً:
الحرام من حرم، فالحاء والراء والميم أصل واحد، وجمع الحرام حرم، والحرام ضد الحلال، والحرام هو المنع والتشديد(12).
الحرام اصطلاحًا:
هو ما طلب الشارع من المكلف تركه على وجه الإلزام، بحيث يعاقب فاعله ويثاب تاركه(13).
الصلة بين الحرام والخبيث:
إن بين الخبيث والحرام علاقة وثيقة حيث إن الخبيث محرم لخبثه وفساده، فكل خبيث محرم.
الموصوف بالخبث في القرآن
إنّ الله عز وجل خلق الطيب والخبيث وأمرنا بالطيب ونهانا عن كل خبيث؛ لأن من خلقنا أدرى بنا من أنفسنا، والخبث يكون في الأموال فهناك الحرام والحلال، وهناك الخبيث من الأعمال، والخبيث من الناس الذين يصدون عن الله بكل السبل، وهناك أيضًا الخبيث من المطعم والمشرب.
أولًا: الخبث في الأموال:
قال تعالى: (ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ) [البقرة: ٢٦٧].
عن البراء بن عازب قال: «نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله عز وجل:
(ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ)[البقرة: ٢٦٧](14).
إن الكسب ينقسم إلى نوعين: كسب طيب وآخر خبيث، والله عز وجل يأمرنا بالإنفاق من حلالات ما كسبنا من التجارة والصناعة، فإن من شأن المال أن يجعل المرء عبدًا له إن لم يحسن إدارته وأن يعرف الإنسان مقصود المال، وأنه لماذا خلق؟، فلا يحفظ إلا قدر الحاجة، ولا يعطيه من همته فوق ما يستحقه ويجتنب الحرام المحض، ويجتنب الجهات الجالبة للمال المكروهة القادحة في المروءة، كالهدايا التي فيها شوائب الرشوة، وكالسؤال الذي فيه الذلة، وهتك المروءة(15).
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس، بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس، لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى)(16).
فعلى المؤمن أن يتحرى كسبه الطيب، فعن أبي هريرة قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن حلال أم من حرام)(17).
والآية الكريمة تحثنا على ألا نقصد الخبيث الرديء من أموالنا لننفق منه، فالله أغنى عنه منا، فلا نجعل لله ما نكره، وأن يكون الإنفاق بأفضل الموجود، فلا يكون بالدون والرديء الذي تعافه النفوس، والله غني عن الخبيث الذي يخرجه ضعيف الإيمان واليقين، حميد يحمد الطيب الذي يخرجه الإنسان، ويجزي به عليه جزاء الراضي الشاكر، وهو الذي أعطاه إياه(18).
قال ابن عباس رضي الله عنه: «أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيه -وهو خبيثه- فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا»(19).
وقيل: المقصود من الآية: عدم العدول عن المال الحلال، وقصد الحرام، فتجعل النفقة منه(20).
والمنفقون على قسمين:
الأول: هناك من ينفق ماله رياء لا يبتغي منه وجه الله عز وجل، فهذا لا يثمر خيرًا، وحظ صاحبه منه التعب في كسبه، والحسرة على ضياعه، والعذاب على إنفاقه في غير وجهه.
الثاني: من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله لا يرجو سواه، فهذا يثمر خيرًا، وحظ صاحبه منه الأجر في كسبه، ومضاعفة أجره وماله، وتطهير نفسه وماله، والفوز بالجنة.
ونظير ذلك قوله تعالى: (ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ) [النساء: ٢].
هذه الآية عنى بها جل جلاله أوصياء اليتامى أن يعطوهم ما لهم إذا بلغوا الحلم وأنس منهم الرشد وعدم أخذ الجيد من أموالهم وإعطائهم مكانه الرديء(21).
يقول الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: ولا تستبدلوا الحرام عليكم من أموالهم بأموالكم(22).
قال سعيد بن المسيب رضي الله عنه: «كان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم ويجعلون مكانه الرديء»(23).
وقد عبر سبحانه وتعالى عن الحلال والحرام بالخبيث والطيب في هذه الآية للتنفير من أكل أموال اليتامى والترغيب فيما رزقهم الله من الكسب الحلال بالاكتفاء به وعدم التشوف إلى مال اليتيم فإنه ظلم وسحت(24).
واستبدال بالخبيث الطيب ليس فقط في الأموال، فهناك الكثير من الناس من أبدل أطيب الكلام وهو القرآن الكريم، بالخبيث من الأغاني وما تحتويه من كلمات هابطة تخدش الحياء، واستبدلوا قراءة كتاب الله جل جلاله وأكبوا على الجرائد والمجلات والكتب الخليعات، التي تعمل على دمار المجتمع المسلم.
ثانيًا: الخبث في الأعمال:
ليس من الحكمة والعدل التسوية بين الجيد والرديء من الأشياء والأعمال، فلا يتساوى الضار والنافع ولا الفاسد والصالح، ولا الحرام والحلال، ولا الظالم والعادل، فلكل منها حكم يليق به عند الله جل جلاله الذي يضع كل شيء في موضعه بحسب علمه(25)، كما قال تعالى: (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ) [ ص: ٢٨].
قال تعالى: (ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ) [الجاثية:٢١]،
قال تعالى: (ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ) [المائدة: ١٠٠].
عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب، ألا إن الخمر لعن شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها)، فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله إني كنت رجلًا كانت هذه تجارتي، فاعتقبت من بيع الخمر مالًا، فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب)، فأنزل الله تعالى تصديقًا لقوله صلى الله عليه وسلم (ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ)) [المائدة: ١٠٠](26).
إنّ مما ترتضيه الفطرة السليمة وتدركه العقول المستقيمة، أن الخير والشر لا يستويان، وأن الخبيث والطيب لا يتساويان، ومن غير المعقول أن تكون الأعمال الطيبة مساوية للأعمال الخبيثة ومعاملة أهل الخبيث كمعاملة أهل الطيب، فهذه قوانين عادلة في تسيير هذا الكون، فإنه لا بد من عقاب المسيء، وثواب المحسن، فلا مساواة بين الخير والشر، والله يعاقب على الشر، ويثيب على الخير، ولازم هذه النتيجة أن يحذر الناس فيرجوا ثواب الله عز وجل ويخافوا عقابه(27).
والشجر مثله مثل الناس، ينقسم إلى صنفين: إلى طيب وإلى خبيث، وقد ضرب الله مثلًا للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، وضرب الله مثلًا للكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة.
قال تعالى: (ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀÓ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ.ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ) [إبراهيم: ٢٤ -٢٦].
إن شجرة الإيمان أصلها ثابت في قلب المؤمن علمًا واعتقادًا، وفرعها من الكلام الطيب، والعمل الصالح، والأخلاق الحسنة، والأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان، هي ما ينتفع به المؤمن، وينفع غيره به في الدنيا والآخرة، وأما شجرة الكفر فهي شجرة خبيثة المأكل والمطعم، كشجرة الحنظل ونحوها، لا عروق تمسكها، ولا ثمرة طيبة تؤكل منها ولا رائحة زكية تشم منها، وكذلك كلمة الكفر والمعاصي ليس لها ثبوت نافع في القلب، ولا تثمر إلا كل قول خبيث، وعمل خبيث، يضر صاحبه ولا ينفعه، ولا يصعد إلى الله منه عمل صالح(28).
ويقول الألوسي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: «وجه تشبيه الكلمة الطيبة بمعنى شهادة أن لا إله إلا الله بهذه الشجرة المنعوتة بما ذكر أن أصل تلك الكلمة ومنشأها وهو الإيمان ثابت في قلوب المؤمنين وما يتفرع منها وينبني عليها من الأعمال الصالحة والأفعال الزكية يصعد إلى السماء، وما يترتب على ذلك من ثواب الله تعالى ورضاه هو الثمرة التي تؤتيها كل حين، ويقال نحو هذا على تقدير أن تكون الكلمة بمعنى آخر فتأمل»(29).
إن الكلمة الطيبة والعمل الطيب والدعوة إلى الله عز وجل كالشجرة الطيبة ثابتة ومثمرة ثابتة لا تزعزعها الأعاصير، ولا تعصف بها رياح الباطل مهما اشتدت وتكالبت، ومهما رأينا واقعًا مريرًا من الظلم والطغيان والتآمر الخبيث على الدعوة الإسلامية التي هي أطيب دعوة للحق والخير ونعيم الدنيا والآخرة، وإن خيل للبعض أنها معرضة للخطر الماحق في بعض الأحيان، فهي تظل كالشجرة العالية الثابتة تبقى متعالىة، تطل على الشر والظلم والطغيان من عل.
وإن الدعوة الخبيثة وأعمالها من دعوات التحرر من الدين وقيوده -كما يدعون- كالشجرة الخبيثة قد تهيج وتتعالى وتتشابك ويخيل إلى بعض الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى، ولكنها في الحقيقة هشة، وتظل جذورها في التربة قريبة تقتلع من أبسط هبة ريح، فلا يبقى لها أثر(30).
ثالثًا: الخبث في الناس:
لقد خلق الله عز وجل عباده على الفطرة السليمة التي ارتضاها لهم، ولكن فطرة البشر شابها ما شابها من عوالق الكفر الشر والخبث، فكان هناك المؤمن والكافر الطيب والخبيث وما جعلت الجنة والنار إلا لتفرق بينهما فهم ليسوا سواء، فيميز الله الكافر والخبيث المستحق للعقاب، ويفرقه ويعزله عن المؤمن الطيّب المستحق للثواب.
قال تعالى: (ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ * ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ) [الأنفال: ٣٦ - ٣٧].
ففي هذه الآية يقول الطبري رحمه الله: إن الله عز وجل يحشر الذين كفروا بربهم، وينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله، إلى جهنم، ليفرق بينهم وهم أهل «الخبث» وبين المؤمنين بالله وبرسوله، وهم «الطيبون»، فميز الله سبحانه وتعالى بينهم بأن أسكن الطيبين من المؤمنين جناته، وأنزل أهل الكفر ناره(31).
إذن فالناس هنا في الإنفاق على نوعين:
هناك من ينفق أموالًا طائلة في الصد عن سبيل الله ولإغراق العالم الإسلامي في اللهو والغناء والفسق والفجور.
وهناك من ينفق أمواله في الحق والجهاد وفي الحركة للقضاء على الباطل وأهله.
فبهذا الاحتكاك المرير، تنكشف الطباع، ويتميز الحق من الباطل، كما يتميز أهل الحق من أهل الباطل(32).
وفي سياق هذه الآية يجدد كتاب الله مرة أخرى بيان الحكمة الإلهية في ابتلاء المؤمنين وتمحيصهم بالنكبات والتضحيات، فيقول سبحانه وتعالى: (ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ) [آل عمران: ١٧٩].
ففي مثل هذه الوقائع والمواقف الصعبة ترفع الحجب وتهتك الأستار عن الخبيث من الناس.
قال مجاهد: «ميز بينهم يوم أحد»، وقال قتادة: «ميز بينهم بالهجرة والجهاد»(33).
واختلف المفسرون؛ من المخاطب بالآية على أقوال: قيل: الخطاب للمؤمنين والمنافقين، وقيل: الخطاب للمشركين والمراد بالمؤمنين، وقيل: الخطاب للمؤمنين، والخطاب عند جمهور المفسرين للكفار والمنافقين، أي: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق حتى يميز الخبيث من الطيب، قاله ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي(34).
قال تعالى: (ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ) [الأنبياء: ٧٤].
لقد من الله جل جلاله على سيدنا لوط عليه السلام بأن آتاه الله سبحانه وتعالى الحكمة في فصل القضاء بين الخصوم، وكذلك علمًا بأمر دينه، وما يجب عليه لله من فرائضه.
وكان الله عز وجل قد بعثه لقرية اسمها سدوم، وكان أهلها خبثاء يعملون الخبائث، فنجاه الله من عذابه الذي أحلّه بأهل القرية التي كانت تعمل الخبائث من إتيان الذكران في أدبارهم، وخذفهم الناس، وتضارطهم في أنديتهم، مع أشياء أخر كانوا يعملونها من المنكر، فعاقبهم الله عز وجل بالعذاب الشديد في الدنيا قبل الآخرة، وأكرم الله عز وجل لوطًا عليه السلام في الدنيا بإنقاذه من أهل السوء وأعمالهم، وفي الآخرة بالجنة(35).
وفي قوله تعالى: (ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ) [النور: ٢٦].
يشير جل جلاله إلى مبدأ هام من مبادئ الحياة الاجتماعية، وهو أن النفوس الخبيثة لا تلتئم إلا مع النفوس الخبيثة من مثلها، والنفوس الطيبة لا تمتزج إلا بالنفوس الطيبة من مثلها، فالله عز وجل جعل الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء.
وهذه الآية نزلت في حادثة الإفك حين اتهموا السيدة عائشة رضي الله عنها بالفحش، والمعنى ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له، لا شرعًا ولا قدرًا، فكل طيب له ما يوافقه وكل خبيث له ما يوافقه(36).
ومن منطلق هذه الآية فقد اشترط الفقهاء التكافؤ بين الأزواج، والمقصود أن يكون الزوجان متقاربين في كل شيء تقريبًا، والكفاءة تكون أيضًا في الطيبة أو الخبث، فلا يأتي واحد بامرأة خبيثة ويزوجها لرجل طيب كي لا تتعبه، ولا يأتي واحد برجل خبيث ويزوجه بامرأة طيبة كي لا يتعبها؛ لأن الطيب عندما يتزوج طيبة تريحه وتقدره، وكذلك الخبيث عندما يتزوج خبيثة فإنهما يتوافقان في الطباع والسلوك، وفي هذا توازن، والخبيث إن لم يخجل من الفضيحة، فالخبيثة لا تخجل منها أيضًا، أما الطيب والطيبة فكلاهما يخشى على مشاعر الآخر ويحافظ على كرامته(37).
رابعًا: الخبث في الأماكن:
وكما أن الخبث في الناس والأموال والأعمال فهناك أيضًا خبث في الأماكن.
قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ) [الأعراف: ٥٨].
والمقصود في هذه الآية الأرض الطيبة والتربة السهلة السمحة الكريمة، التربة التي يخرج نباتها إذا أصابها المطر بإذن الله سبحانه وتعالى فتخرج نباتًا حسنًا غزير النفع، والبلد الذي خبث أرضه فهي سبخة لا تنتفع بالمطر لا يخرج نباته إلا عسرًا بمشقة وكلفة(38).
قال ابن عباس رضي الله عنه: «هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن يقول: هو طيب وعمله طيب، كما أن البلد الطيب ثمره طيب، ثم ضرب مثل للكافر كالبلدة السبخة المالحة التي خرجت منها البركة، فالكافر خبيث وعمله خبيث»(39).
ويقول العز بن عبدالسلام رحمه الله في تفسيره: قال بعض أرباب القلوب: الذي خبث من القلوب لا يخرج إلا نكدًا بالكفر والمعاصي، والجمهور على أنه من بلاد الأرض الطيب التربة والرخيص السعر، أو الكثير من العلماء، أو العادل سلطانه، وضرب الله سبحانه وتعالى الأرض الخبيثة مثلًا للكافر، الذي خبث في تربته، أو بغلاء أسعاره، أو بجور سلطانه، أو قلة علمائه فلا ينتفع به، لشدة تعسره فلا خير فيه(40).
ومن الأماكن الخبيثة والتي تحب الشياطين المكث فيها:
البيوت الخربة التي لا يذكر الله عز وجل فيها، ولا تتلى فيها آياته، ولا تقام فيها الصلوات، ويعصى الله فيها جهارًا نهارًا، فيكون أصحابها كالأموات، وقد أوصانا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قائلًا: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)(41). والمؤمن إذا رجع لبيته وذكر اسم الله وسلم على أهله، حضرت الملائكة وتنحى الشيطان، وأما المفرط إذا دخل بيته ولم يذكر الله وغنى وطرب، فقد آوى إلى بيته الخبث كله من الشياطين، وأصبح هذا المكان خبيثًا، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم، ولا عشاء، وإذا دخل، فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء)(42). وكل مكان يجتمع فيه شياطين الإنس والجن للفسوق والفجور من الملاهي الليلية وأماكن الرقص وشرب الخمر ولعب الميسر هي أماكن خبيثة.
أماكن قضاء الحاجة، ولما كانت الشياطين خبيثة فإنها تألف مثل هذه الأماكن الخبيثة، قال تعالى: (ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ) [النور: ٢٦]. ولذلك تحضر الشياطين الأماكن التي يقضي فيها الإنسان حاجته، وتريد إتباع الأذية والضرر به.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)(43).
وفائدة هذه الاستعاذة: الالتجاء إلى الله عز وجل من الخبث والخبائث؛ لأن مثل هذه الأماكن خبيثة، والخبيث مأوى الخبثاء فهو مأوى للشياطين، فإذا أراد الشخص دخول الخلاء قال: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) حتى لا يصيبه الخبث وهو الشر، ولا الخبائث وهي النفوس الشريرة(44).
خامسًا: الخبث في المطعومات والمشروبات:
لقد أحل القرآن الكريم أصنافًا من الأطعمة والأشربة ووصفها بالطيبة، كما حرم أصنافًا أخرى ووصفها بالخبث، وقد أثبت العلم الحديث أن كل الأطعمة والأشربة التي أحلها القرآن الكريم، واعتبرها رزقًا طيبًا، مفيدة للإنسان جسدًا وروحًا، وأن الأطعمة التي حرمها مضرة للإنسان جسدًا وروحًا كذلك.
قال تعالى: (ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ * ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ) [البقرة: ١٧٢- ١٧٣].
فالله جل جلاله أمرنا بأكل الحلال الطيب الذي تستطيبه النفس من حلال الرزق الذي أحله الله لنا، وشكره والثناء عليه على النعم التي أنعم بها علينا منقادين لأمره سامعين مطيعين، فلا نحرم ما أحل الله ولا نحلل ما حرم عز وجل، وقد كان الناس في الجاهلية يحرمون بعض المطاعم طاعة منهم للشيطان، واتباعًا لأهل الكفر بالله من الآباء والأسلاف. (45)
ثم بين لهم سبحانه وتعالى ما حرم عليهم، وفصله لهم، قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯﭰ)[المائدة: ٣].
أحلّ الله الطّيبات النافعة غير المحرّمات العشر المستخبثات وهي:
الميتة: وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه، من غير ذبح ولا اصطياد، ما عدا ميتة السمك والجراد
الدّم: وهو الدّم المسفوح السائل، لا الجامد كالكبد والطحال.
لحم الخنزير وشحمه وجلده وعظمه: وتحريمه لأنه حيوان قذر لا يأكل إلا القاذورات والفضلات العفنة.
ما ذبح وذكر عليه اسم غير الله عز وجل.
المنخنقة: وهي التي تموت خنقًا، وهو حبس النّفس في الحلقوم، فهي نوع من الميتة.
الموقوذة: وهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد كالعصا أو الحجر أو الحصاة حتى تموت بلا ذكاة شرعية.
المتردّية: هي ما سقطت من مكان عال كجبل أو سطح، أو الهاوية في بئر.
النّطيحة: وهي التي نطحتها بهيمة أخرى، فماتت، وهي حرام كالميتة.
ما أكل السّبع: وهي التي افترسها حيوان كالذئب والنّمر والسّبع، فتموت، فلا تؤكل لأنها ميتة، وتأنفها الطّباع.
ما ذبح على النّصب: أي الحجارة التي كانت حول الكعبة لا يؤكل؛ لأنه مما ذكر اسم غير الله عليه(46).
فهذه الأطعمة خبيثة محرمة لا يجوز للمؤمن أكلها إلا إذا كان مضطرًّا لذلك، قال تعالى: (ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ) [النحل: ١١٤- ١١٥].
قال تعالى: (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ)[الأعراف: ١٥٧].
من رحمات الله عز وجل بعباده الرحمة التي وعد في إحلال الطيبات التي حرمت عليهم بشؤم ظلمهم، ويحرم عليهم الخبائث كالدم ولحم الخنزير والربا والرشوة، ويخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة التي هي من قبيل ما كتب عليهم حينئذ(47).
فثبت أن الله جل جلاله أحل ما هو طيب في نفسه قبل الحل، فكساه بإحلاله طيبًا آخر، فصار منشأ طيبه من الوجهين معًا فعند تأمل هذا الموضع حق التأمل نجد أسرار الشريعة، ونرى محاسنها وكمالها وبهجتها وجلالها(48).
قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ) [المائدة: ٩٠].
الخمر هو المتّخذ من ماء العنب النّيء، وتشمل كل شراب مسكر خامر العقل وغطّاه، ووصف الله عز وجل هذا النوع من المشروبات بالرجس، ويقال للنتن والعذرة والأقذار: رجس، يحمله الشيطان ويزينه للعباد؛ لتضليلهم وجرهم إلى ما حرم سبحانه وتعالى، فأمرنا باجتنابه وإبعاده وجعله في منأى عنا، واقترنت صيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم، فبهذا حرمت الخمر، وقد مرّ تحريم الخمر للتّرويض وبالتدريج في مراحل أربع، ولا خلاف بين علماء المسلمين أن هذه الآية نزلت بتحريم الخمر بشكل قاطع(49).
وهذه الآية جمعت أسباب تحريم الخمر وكذلك الميسر والأزلام وهي:
وصفت بكونها رجسًا، أي: قذرًا، حسًّا ومعنى، عقلًا وشرعًا.
أنها من عمل الشيطان وذلك غاية القبح.
أمر الله سبحانه وتعالى باجتنابها، والأمر بالاجتناب أشدّ تنفيرًا من مجرد النّهي عنها أو القول بأنها حرام، فهو يفيد الحرمة وزيادة وهو التنفير.
جعل الله جل جلاله اجتنابها سببًا للفرح والفوز والنجاة في الآخرة(50).
بين الطيب والخبيث
اقتضت حكمة الله جل جلاله البالغة أن لا يجعل أمر هذا الدّين إلا في أيدي صفوته من عباده، وأمر هذا الدّين هو أخذه بحقه، ولوكره الكافرون.
وحتّى يكون هذا كان لا بدّ من سنة ربانية لا تتخلّف، وهي سنّة التمييز والتمايز، فالله سبحانه وتعالى هو العليم بعباده وما في قلوبهم، هو الخبير بمن خلق، ولكن تحقّق سنة التمايز التي لا تظهر للناس إلا في حال الابتلاء والمحن، فيظهر وقتها المعدن الحقيقي للأشياء من حولنا.
أولًا: تمييز الخبيث من الطيب:
لا بد أن يعقد الله سببًا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، قال تعالى: (ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ) [آل عمران:١٧٩].
يقول الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: إن الله ما كان ليدع المؤمنين على ما هم من التباس المؤمن منهم بالمنافق، فلا يعرف هذا المنافق المستتر بالكفر من المؤمن المخلص الصادق الإيمان إلا بالمحن والاختبار، كما ميز بينهم يوم أحد عند لقاء العدو عند خروجهم إليهم يوم أحد، فبالمحن والابتلاء ظهر المؤمنون بإيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله وظهر المنافقون بمخالفتهم ونكوثهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله(51).
إنّ هناك الطيب من الأفعال وخبيثها، ومن البشر كذلك قد يكون ظاهرًا وقد يكون مستترًا، وليس من سنة الله في أرضه أن تكون ظاهر الأعمال في كلّ الأحوال محل تعمية على الناس، فلا يستطيعون معها التفريق بين مؤمن ومنافق وبين طائعٍ وعاصٍ(52).
فالله يمحص ويبتلي عباده لتكون راية الحق خفاقة بأيدي طاهرة نقية ولا يصل إلى ذلك المبتغى إلا من نقّاهم الله سبحانه من الخبث وتوطّدت نفوسهم على الطيّب فقط، وصدّق ذلك كلّه أفعالهم ومواقفهم في عسرهم ويسرهم، في راحتهم كما في أزماتهم، في صغائر أمورهم وعظائمها.
ومعنى التمييز هو التفريق بين المتشابهات في بعض المظاهر ولكنها مختلفة في الحقيقة، فقد يكون الحق متلبسًا بالباطل والعكس صحيح، فيأتي الابتلاء والتمحيص مرة أخرى، كما قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ* ﭛ ﭜ ﭝﭞ) [آل عمران:١٦٦ - ١٦٧].
ففي هذ الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ومواساة لهم فيما أصابهم، فالمؤمن يرضى ويسلم بما قضاه الله وقدره.
فهذا البلاء من القتل والجرح والهزيمة ما كان إلا ليظهر المؤمن الصادق من غيره بثبوتهم في القتال والصد في سبيل الله، وليميز الله الخبيث من الطيب فأظهر الحق سبحانه الغير الصادقين في الإيمان، وذلك بإظهارهم الشماتة، فقد كشفهم الله في هذه الموقعة، وميز الصف الإسلامي منهم وقرر حقيقة موقفهم يومذاك، فقال الحق سبحانه: (ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ)[آل عمران: ١٦٧](53).
فأصبح من الواضح أن من لوازم التمايز في الجماعة الابتلاء، فإن التمايز هنا تحقيق لسنة الخالق استخراجًا للخبيث من بين الطيّب لينبذه لتعود الصحّة والعافية للجماعة على وجه أفضل وأسلم مما كانت عليه.
وهنا وقف المسلمون موقفا عظيمًا تشيب من هوله الولدان، وتتحطّم فيه الرجولة الزائفة وينكشف عوارها، كان موقفًا لا يصمد فيه إلا من أخلص لله وباع نفسه فيه لله.
يصف الله سبحانه وتعالى ذاك الموقف العظيم في كتابه العظيم فيقول: (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔe ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛl ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩz)[ الأحزاب: ١٠ - ١٢].
لقد اختبر المؤمنون بالحصر والقتال ليتبين المخلصون من المنافقين وبين الله موقف المنافقين وتربصهم الدوائر بالمسلمين، وانتحالهم الأعذار، واختلاق المبررات للتراجع والفرار، في انتظار النتيجة التي يتوقعون أن تكون على المسلمين لا لهم، فابتلي المؤمنون بهذه الفتنة العظيمة بالخوف والقلق، والجوع، ليتبين إيمانهم، ويزيد إيقانهم، وهنالك تبين نفاق المنافقين، وظهر ما كانوا يضمرون، هذه عادة المنافق عند الشدة والمحنة، لا يثبت إيمانه، وينظر بعقله القاصر (54) .
فهو امتحان عظيم، وابتلاء عزّ نظيره، غير أنه سنّة من ربّ العباد ليصفّي من خلاله أهل دينه من كلّ خبثٍ وخبيث، وليحصل التمييز عند المسلمين وعند الناس بين عباد الله الذين استقاموا على أمره، وبين من كان ثبوتهم على أمر الله مجرّد زعمٍ وادّعاء لم يجاوز حلاقيمهم فيفضحهم الله عز وجل في كتابه العزيز بقولهم: (ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ) [الأحزاب: ١٢].
وموقفهم هذا فيه ما فيه من الخبث الكامن في نفوسهم، وتخذيل المسلمين في هذا الموقف الحرج العصيب، غير أن حالهم هذا لم يكن له أثر في قلوبٍ آمنت بربها، فقال عنهم ربّ العالمين على لسانهم: (ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ) [الأحزاب:٢٢](55).
لقد كثرت الفتن، وذلك لكثرة مدعي الإيمان المنطوين تحت لواء الإسلام، وهم كغثاء السيل في الكثرة ولكنهم قلة في نصرة دينه وإعلاء كلمته والجهاد في مرضاته، فيأبى الله إلا أن يظهر الحقائق ويبتلي السرائر ويميز الخبيث من الطيب.
قال تعالى: (ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ * ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ) [العنكبوت: ٢- ٣].
قال ابن عباس رضي الله عنه وغيره: المراد: قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم بسبب إسلامهم، كسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وعمار بن ياسر وياسر أبوه وسمية أمه وعدة من بني مخزوم وغيرهم، فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكروا أن يمكن الله الكفار من المؤمنين(56).
قال مجاهد رحمه الله وغيره: نزلت هذه الآية مسلية ومعلمة لهم أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارًا وتمحيصًا للمؤمنين(57).
فسنّة الله في أي دعوة صادقة خالصة أن يتعرض أصحابها للمحن والابتلاءات لكي تنقى من خبثها ولا يبقى فيها إلا الطيب، إن هذا شأن السالكين إلى الله في كل زمان ومكان فلابد في هذا الطريق أن يصقله الابتلاء وأن تظهر معدنه المحنة.
وعن هذا يقول سيد قطب رحمه الله: «إن ذهاب الباطل ناجيًا في معركة من المعارك وبقاءه منتفشًا فترة من الزمان، ليس معناه أن الله تاركه، أو أنه من القوة بحيث لا يغلب، أو بحيث يضر الحق ضررًا باقيًا قاضيًا، وإن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك، وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان، ليس معناه أن الله مجافيه أو ناسيه! أو أنه متروك للباطل يقتله ويرديه، كلا إنما هي حكمة وتدبير هنا وهناك يملي للباطل ليمضي إلى نهاية الطريق وليرتكب أبشع الآثام، وليحمل أثقل الأوزار، ولينال أشد العذاب باستحقاق! ويبتلى الحق، ليميز الخبيث من الطيب، ويعظم الأجر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت، فهو الكسب للحق والخسار للباطل، مضاعفًا هذا وذاك! هنا وهناك!»(58).
ثانيًا: الخلط بين الخبيث والطيب:
إن الطيب والخبيث وإن كانا في بعض الأوقات غير معروفين وغير ظاهرين، ولكن في الكثير من الأوقات يكون أحدهما معروفًا يمكن التمييز بينهما، فالحرام بيّن والحلال بيّن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه)(59).
في الحديث دلالة على أن الأشياء من حيث الحكم ثلاثة أقسام:
حلال خالص لا شبهة فيه، كالملابس والمطاعم والمراكب المباحة.
حرام خالص لا شبهة فيه، كشرب الخمر والربا والزنا وأكل مال اليتيم ونحوها مما نص الشرع على تحريمه.
مشتبه بين الحلال والحرام، كالمعاملات والمطاعم التي يترد الناس في حكمها ويختلط الأمر عليهم.
وقد نهانا الله عن استبدال وخلط أموال اليتامى، فقال تعالى: (ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ) [النساء: ٢].
فقد كانوا في الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى، فيأخذون أموال اليتامى ويبدلونها بأموالهم، ويقولون: اسم باسم ورأس برأس، مثل أن يكون لليتيم مائة شاة جياد فيبدلونها بمائة شاة هزلى لهم، ويقولون: مائة بمائة؛ فنهاهم الله عنها(60).
فالآية الكريمة تحذر من جمع وضم وخلط أموال اليتامى مع أموال الوصي عليهم، وعدم استبدال الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالهم الخاص فيأكلوها جميعًا فهذا ذنبٌ عظيم، فإن اليتيم بحاجة إلى رعاية وحماية؛ لأنه ضعيف، وظلم الضعيف ذنب عظيم عند الله(61).
قال سعيد بن جبير: «لا تبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول: لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام»(62).
قال تعالى: (ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ) [التوبة: ١٠٢].
لقد كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع طبقات:
الأولى: المؤمنون من الأنصار والمهاجرين الذين أخلصوا لله عز وجل.
الثانية: الكفار الذين أبوا إلا الكفر والعناد.
الثالثة: المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والحقد على المسلمين.
الرابعة: وآخرون خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، ولم يتم انطباعهم بالطابع الإسلامي ولم يصهروا في بوتقة الإسلام تمامًا.
وتقرر الآية الكريمة كيفية التعامل في المجتمع المسلم، وتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلص من المسلمين إلى طريقة التعامل مع كل منهم(63).
وتبين الآيات أن الأشقياء نوعان: كفار ومنافقون.
فذكر الكفار بقوله سبحانه: (ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ) [الحديد: ١٩].
وذكر المنافقين بقوله تعالى: (ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ) [النساء: ١٤٥].
أما المخلط فليس من الكفار الذين قطع لهم بالعذاب، ولكنه بين الجنة والنار، واقف بين الوعد والوعيد، كل منهما يدعوه إلى موجبه، لأنه أتى بسببه، فعسى الله أن يتوب عليهم(64).
وقال ابن عباس رضي الله عنه عن هذه الآية: هي في الأعراب، وهي عامة في الأمة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة، فهي آية ترج على هذا(65).
فقد يخلط المرء بين الحرام والحلال وبين الصاح والطالح وبين الخبيث والطيب، ولكن ما يلبث الحق أن ينير بصيرة المؤمن ويوجهه إلى الصواب إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى.
ثالثًا: نفي المساواة بين الخبيث والطيب:
قال تعالى: (ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ) [المائدة: ١٠٠].
هذه الآية حكم عام في نفي المساواة عند الله عز وجل بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وبين جيّدها، قصد به الترغيب في جيد كل منها والتحذير عن الرديء منها(66).
فهذه الآية خطاب الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، آمرًا له أن ينبه الناس إلى أن الخبيث والطيب لا يستويان عند الله في شيء، فالخير والشر لا يستويان، فلا يمكن أن يكون معاملة أهل الخبيث كمعاملة أهل الطيب، فهذا ما لا ترتضيه الفطرة السليمة وتدركه العقول المستقيمة، ويلفت نظر الإنسان أيًّا كان وحيثما كان، ومجرد الاستلذاذ بالخبيث والإعجاب به لا يقف في وجه هذه الحقيقة الناصعة.
فقد يكون الخبيث جذابًا وبراقًا ومثيرًا، ولكنه في جوهره خبيث، وفي أثره خبيث، ولن يقف الخبيث مع الطيب على قدم المساواة بأي وجه من الوجوه.
وقد يكون الطيب قليلًا غير براق أو مثيرًا وأقل وزنًا وحظًّا في الدنيا من الخبيث، فالطيب أوزن منه في الآخرة.
وإن كان مآل الطيب إلى الجنة، فإن مآل الخبيث إلى النار.
وإذا كان منفق المال الخبيث يعتبر إنفاقه هباء منثورًا، فمنفق المال الطيب يظل إنفاقه ثابتًا، هذا إلى ما يترتب على تناول كل من الطيب والخبيث، وعلى ممارسة كل من الطيبات والخبائث، من الآثار النفسية والأخلاقية، الفردية والاجتماعية، مما يجعل سلوك الطيبين رحمة لهم وللناس، وسلوك الخبيثين نقمة عليهم قبل أن يكون على بقية الناس، فإن الله طيّبٌ لا يقبل إلا طيبًا(67).
ولذا عقب عز وجل بقوله: (ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ) [المائدة: ١٠٠]، وذلك بجعل أنفسنا وقاية من عقاب الله، فهو خطاب لأصحاب العقول السليمة، بفعل الطيب من الأعمال وترك خبيثها؛ للفوز برضوان الله، والنجاة من غضبه وعقابه.
فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أن خلق المتضادات في هذه الحياة ليتم الابتلاء والامتحان للعباد، وهذا يشمل الخبيث من الأشخاص، والخبيث من الأعمال، والخبيث من الأقوال، والخبيث من الأموال، والخبيث من المآكل والمشارب، فلا يستوي الخبيث والطيب من هذه الأشياء ولا من غيرها على الإطلاق.
فلا يستوي الخبيث والطيب من الأشخاص، كما قال تعالى: (ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ) [السجدة: ١٨].
ثم بين الله عز وجل مصير كل من المؤمن والفاسق، قال تعالى: (ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ¶ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ) [السجدة: ١٩- ٢٠].
وليس من يعمل الصالحات كمن يمشي فسادًا في الأرض، قال تعالى: (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ) [ص: ٢٨]. و قال تعالى: (ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ) [الجاثية: ٢١]. و قال تعالى: (ﯬ ﯭ ﯮÁ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ) [القلم: ٣٥- ٣٦].
كما لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار، قال تعالى: (ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ) [الحشر: ٢٠].
لا يستوي الخبيث والطيب من الأعمال، كما قال تعالى: (ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ) [فصلت: ٣٤].
كذلك لا يستوي الخبيث والطيب من الأقوال، قال تعالى: (ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀÓ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ. ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ) [إبراهيم: ٢٤- ٢٦].
ولا يستوي الخبيث والطيب من الأطعمة والأشربة، فقد أحل الله الطيبات وحرّم الخبائث، قال الله تعالى في وصف رسوله عليه السلام: (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [الأعراف: ٥٧].
ولا يمكن أن يستوي الإنسان الذي يعمل بالمبادئ الأخلاقية والذي لا يعمل بها، ولا يستوي الذي يعمل الخير والذي يعمل الشر، قال تعالى: (ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ) [المائدة: ١٠٠].
قال تعالى: (ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ^ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ) [الانفطار: ١٣ - ١٤].
إن الإنسان الذي يعمل بمقتضى القيم الأخلاقية لا تزيد قيمته ودرجته وجزاؤه عند الله فحسب، بل تزيد قيمته الإنسانية بين الناس فيكون له الشرف والمكانة الأدبية في المجتمع، فيجد القبول والاهتمام به والمودة والتقدير من الناس، فقال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ) [مريم: ٩٦].
الاغترار بكثرة الخبيث
لا يعني كثرة الشيء أنه هو الجيد دومًا وهو المطلوب، فقد ذم القرآن الكريم الكثرة في كثير من آياته وامتدح القلة، وهذه بعض الأمثلة على ذم الكثير وعدم اعتباره:
قال تعالى: (ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ) [الأنعام: ١١٦].
وقال تعالى: (ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ) [يوسف: ١٠٣].
وقال تعالى: (ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ) [الصافات: ٧١].
وقال تعالى: (ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ) [البقرة: ١٠٠].
وقال تعالى: (ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ) [يوسف: ١٠٦].
وقال تعالى: (ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ) [الإسراء: ٨٩].
وقال تعالى: (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ) [البقرة: ٢٤٣].
وقال تعالى: (ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ) [غافر: ٦١].
وقال تعالى: (ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ) [يوسف: ٤٠].
كما امتدح الله عز وجل القلة في كثير من الأشياء:
وقال تعالى: (ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ) [ص: ٢٤].
وقال تعالى: (ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ) [النساء: ٨٣].
قال تعالى: (ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ) [سبأ: ١٣].
وقال تعالى: (ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ) [البقرة: ٢٤٦].
وقال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ)[النساء: ٦٦].
وقال تعالى: (ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ) [هود: ٤٠].
وقال تعالى: (ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ)[ المائدة: ١٠٠].
يقول الشيخ ابن سعدي رحمه الله: «ودلت هذه الآية على أنه لا يستدل على الحق بكثرة أهله، ولا تدل قلة السالكين لأمر من الأمور أن يكون غير الحق، بل الواقع بخلاف ذلك، فإن أهل الحق هم الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا وأجرًا»(68).
وإذا كانت كثرة الخبيث تغر وتعجب ففي الطيب متاع بلا معقبات من ندم أو تلف، وبلا عراقيل من ألم أو مرض، وما في الخبيث من لذة إلا وفي الطيب مثلها، بل أحسن منها على اعتدال وأمن من العاقبة في الدنيا والاخرة.
ولو أثار أنفسنا وأعجبنا واسترعى أنظارنا كون الخبيث كثيرًا، إن الشر مهما يكثر لا يمكن أن يستحسن شرعًا أو ترضى به الأخلاق، ولا يمكن أن ينقلب بالكثرة مساويًا للخير بل إنه كلما كثر، وجبت مقاومته، بشدة وبمقدار كثرته، تكون شدة المقاومة، وذلك فرق ما بين شريعة الله سبحانه وتعالى وقوانين العباد، فإن قوانين العباد، تستمد قوتها من الكثرة، وعرف الناس، ولو كان فاسدًا، أما شريعة الله، فهي للخير المحض، وإذا كثر الشر لا تتبعه، بل تقاومه، ولا ترضى به، لأنها جاءت لنشر الخير، والعقل حين يتخلص من الهوى بمخالطة التقوى له ورقاقة القلب له، يختار الطيب على الخبيث فينتهي الأمر إلى الفلاح في الدنيا والآخرة ولا يمكن أن ترضى، وإلا ما كانت رسالات الرسل، ولا جهاد الأنبياء والصديقين والشهداء الصالحين، ولذلك أمر سبحانه بمقاومة الشر مهما كثر(69).
كثيرًا ما يستدل أغلب الناس ممن قل فقهه على الحق بكثرة أهله، ويظنون أن الصواب يعرف بكثرة الجمهور والأتباع لرجل ما، وقد قيل: «الرجال يعرفون بالحق لا الحق يعرف بالرجال».
يقول ابن عاشور رحمه الله عن هذه الآية: فكان الخبيث المقصود في الآية شيئًا تلبّس بالكثرة، فراق في أعين الناظرين لكثرته، ففتح أعينهم للتأمّل فيه ليعلموا خبثه ولا تعجبهم كثرته.
والمخاطب بهذه الآية غير معيّن بل كلّ من يصلح للخطاب، وليس المقصود بهذه الآية أنّ كلّ خبيث يكون كثيرًا، ولا أن يكون أكثر من الطيّب من جنسه، فإنّ طيّب التمر والبرّ والثمار أكثر من خبيثها، وإنّما المراد أن لا تعجبكم من الخبيث كثرته إذا كان كثيرًا فتصرفكم عن التأمّل من خبثه وتحدوكم إلى متابعته لكثرته، ولكن انظروا إلى الأشياء بصفاتها ومعانيها لا بأشكالها ومبانيها، أو كثرة الخبيث في ذلك الوقت بوفرة أهل الملل الضالّة(70).
فالخبيث والطيب لا يتساويان في ميزان العدل الإلهي في الدنيا وفي الآخرة، فقليل حلال طيب خير من كثير حرام ضار، لهذا لا يجوز الاغترار بالخبيث ولو كثر وعم، وفي هذا تثبيت للمؤمنين على ما ابتلوا به من كثرة الخبائث وانتشارها وسطوة أهله وتجبرهم.
فمهما يكثر الخبيث وينتشر صيته فيبقى خبيثًا غير مستساغ لدى النفوس الطيبة الطاهرة، ولا تقبله الفطرة السليمة، وليس كل ما يلمع ذهبًا.
ودائما أصحاب العقول السليمة هم المخاطبون بالتوجيهات الربانية فالعقل السليم والفطرة النقية لا تتعارض مع النصوص الإلهية ، وقد قال عز وجل: (ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ)[ المائدة: ١٠٠].
فمن الواجب على كل ذي لب يميز الخبيث من الطيب، ويقضي بأن الطيب خير من الخبيث، وأن من الواجب على الإنسان أن يجتهد في إسعاد حياته، ويختار الخير على الشر أن يتقي الله ربه بسلوك سبيله، ولا يغتر بانكباب الكثيرين من الناس على خبائث الأعمال ومهلكات الأخلاق والأحوال، ولا يصرفه الأهواء عن اتباع الحق بتولية أو تهويل لعله يفلح بركوب السعادة الإنسانية حتى ولو كان غريبًا وسط هذه الفتن.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبى للغرباء، طوبى للغرباء، طوبى للغرباء)، فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: (ناس صالحون في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم)(71) .
تحريم الخبائث
من فضل الله علينا ومنته أنه أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، لحكم عظيمة وجليلة تتضح معالمها على مر الزمان، لتثبت أن هذا القرآن من عند عليم خبير.
قال تعالى: (ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ)[الأعراف: ٣٢].
فالله عز وجل يمتن على عباده بما مكنهم في الأرض من حياة واستقرار، إذ جعلها مسخرة لهم، ووضعها تحت تصرفهم، وآتاهم فيها من أسباب الكسب ووسائل العيش ما يطيب معه القرار، وأحل الطيبات من المأكل والمشرب والملبس والزينة، وأنكر تحريم ذلك وجعل سبحانه وتعالى كل ذلك مباحًا، ودعا عباده إلى استعمالها والتمتع بها، فالله جل جلاله هو وحده المختص بالتحليل والتحريم، وقد أحلها ولم يحرمها(72).
قال تعالى: (ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ)[ البقرة: ١٧٢-١٧٣].
ويأمر الله عز وجل بالأكل من طيبات ما خلق لنا وشكره على تلك النعم التي لا تعد ولا تحصى، ويفصل بعد ذلك الحق سبحانه وتعالى ما حرم على عباده وهي:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان: الحوت والجراد، والدمان، أحسبه قال: الكبد والطحال)(74).
قال الشّافعي رحمه الله تعالى:
فيحلّ الله عز وجل ما حرّم من الميتة والدم ولحم الخنزير، وكلّ ما حرم مما يغير العقل من الخمر للمضطر الذي لا يجد ما يسد رمقه من طعام أو شراب، وبلغ منه الجوع والعطش ما يخاف منه الموت أو المرض، وذلك بقدر ما ينقذ به نفسه، وليس له أن يأكل ويشرب حتى الشبع والتلذذ بذلك. (75)
وفي آية أخرى يبين الله عز وجل المزيد من الخبائث المحرمة على العبد.
قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ)[المائدة: ٣].
فزادت هذه الآية عن سابقتها عدة محرمات سبق الحديث عنها وهي:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بمكة عام الفتح: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه)(76).
وقال تعالى: (ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ)[ الأنعام: ١٤٥].
وقال تعالى: (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [الأعراف: ١٥٧].
لقد دلت هذه الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، فإن الطيبات هي المحللات، فقد وصفها بالطيب، لأنها لفظة تتضمن مدحًا وتشريفًا، وعلى هذا تكون الخبائث هي المحرمات.
وعلى هذا حلل الإمام مالك المتقذرات: كالحيات والعقارب والخنافس ونحوها.
ومذهب الشافعي رحمه الله أن الطيبات هي من جهة الطعم، إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها، لأن عمومها بهذا الوجه من الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير، بل المحرمات بالشرع وفي المتقذرات، فيحرم العقارب والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى يراها مختصة فيما حلله الشرع، ويرى الخبائث لفظًا عامًّا في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات(77).
وهذا هو الراجح عندي والذي تأنس له الفطرة السليمة والنفس الطيبة حيث إن الطيبات ما تقبل به النفس، أما الحشرات والزواحف مما لا تستسيغه الطباع البشرية.
فإن ما استخبثه الناس من الحيوانات لا لعلة ولا لعدم اعتياد بل لمجرد استخباث فهو حرام، وإن استخبثه البعض دون البعض كان الاعتبار بالأكثر كحشرات الأرض وكثير من الحيوانات التي ترك الناس أكلها ولم ينهض على تحريمها دليل يخصها، فإن تركها لا يكون في الغالب إلا لكونها مستخبثة فتندرج تحت قوله سبحانه: (ﮈ ﮉ ﮊ).
فقد أباح الله لعباده الطيبات، وحرم عليهم الخبائث والمضرات، ولقد كرم الله بني آدم بكرامات كثيرة، أهمها العقل؛ لكن نجد الكثير من الناس من يجني على هذا العقل بشرب الخمور والمسكرات(78).
ولنا هنا حديث عن محرم آخر وهو الخمر، قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ) [المائدة: ٩٠]، إن الله سبحانه وتعالى قد وصف الخمر بأنه رجس فعلم أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات(79).
وإنما حرم علينا سبحانه وتعالى هذه الخبائث:
ويقاس على ذلك العديد من الأطعمة والأشربة التي حرمها العلماء بالإجماع قياسًا عما ذكره الله جل جلاله من تحريم المخدرات والدخان وبعض الأدوية المذهبة للعقل واعتبارها من الخبائث.
فإن الخبيث غير مستطاب، فصارت هذه الآية الكريمة نصًّا فيما يحل ويحرم من الأطعمة، فحري بنا نحن المسلمين أن نتحرى المال الطيب الحلال، والرزق السليم النافع، ونحذر أشد الحذر من الأموال الخبيثة والمكاسب المحرمة.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن الحلال أم من حرام)(80).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ) [المؤمنون: ٥١]، وقال: (ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟)(81).
التناسب بين الخبيثين
إن الله عز وجل خلق كل شيء بقدر وبتناسق يأخذ الألباب، فجعل لكل شيء ما يناسبه فجعل الطيب لما يناسبه، وجعل للخبيث ما يناسبه، قال تعالى: (ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ) [النور: ٢٦]، جاء في معنى هذه الآية أقوال:
الأول: إن الخبيثات من الكلم للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلم، والطيبات من الكلم للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيّبات من الكلم.
الثاني: إن معناه الخبيثات من السيّئات للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من السيّئات، والطيّبات من الحسنات للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من الحسنات.
الثالث: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء(82).
وبما أن سياق السورة هو سياق الحديث عن الزواني والمحصنات، وعن المؤمنين والمؤمنات، وعن الأجواء التي تتحرك في دائرة العلاقات الزوجية التي يتحكم فيها الانسجام الأخلاقي بين الزوجين، ما يجعل من مسألة التوافق الروحي والإيماني عنصرًا حيويًّا في المسألة، نستطيع القول بأن المراد بالكلمتين هو المعنى الثالث المراد من الطيبين والخبيثين، ويؤكد ذلك طبيعة المقابلة بين الكلمتين(83).
ولكن قد يشكل فهم الآية على البعض، فهل هو على تقرير الواقع بحيث يكون المعنى أن واقع العلاقات الزوجية أو ما يشبهها، هو الانسجام بين الزوجين في الخبث والطيبة؟
ولكن هذا غير واقعي، لأن كثيرًا من الطيبين والطيبات ابتلوا بزيجات خبيثة، كما أن كثيرًا من الخبيثات ارتبطن بعلاقة زوجية مع رجال طيبين.
أو هو تشريع للعلاقة الزوجية، حيث إنه لا بد للخبيثات من أن يتزوجن من الخبيثين، فلو تزوجن غيرهم، لكانت العلاقة غير شرعية، كما لن تكون هناك شرعية لزواج الطيب من الخبيثة أو الطيبة من الخبيث؟
الحقيقة أنه لا هذا ولا ذاك، فالمسألة جارية مجرى التناسب القائم على الاتفاق في العقيدة الطيّبة، والأخلاق والسلوك الطيبين، ما يجعل الطيبين مناسبين للّاتي يملكن المواصفات نفسها، وهو ما يجعل الانجذاب الروحي الذي يؤدي إلى العلاقة الشرعية الزوجية أمرًا طبيعيًّا، كما أن المواصفات المضادة تخلق التناسب بين الذين يتمتعون بهذه الصفات السلبيّة، وتجعل العلاقة طبيعية بينهم باعتبار أن كل شكلٍ لشكله ألف.
ومقصود الآية: إن زوجتم فزوّجوا الخبيث للخبيثة، والطيب للطيبة؛ ليتحقق التكافؤ بين الزوجين ويحدث بينهما الوفاق، حتى إن عيّر الخبيث زوجته كانت مثله تستطيع أن تردّ عليه، لا بدّ من وجود التكافؤ حتى في القباحة، وإلا فكيف تفعل الطيبة مع الخبيث، أو الخبيث مع الطيبة ؟(84).
أراد الله عز وجل أن يوجهنا إلى أن نزوج فتياتنا الطيبات رجالًا طيبين، ويوجهنا أيضًا إلى أن نزوج شبابنا الطيبين فتيات طيبات، لكي يكون تناسبًا صحيحًا وسليمًا، فهذا توجيه أخلاقي اجتماعي، لهم في توجيهها هذا التوجيه الرائع، أي: ينبغي يا عبادي أن يكون الطيبون للطيبات والخبيثون للخبيثات.
وليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من فاحشة الزنا، فلها خاصية في تعبيد القلب لغير الله، فإنهما من أعظم الخبائث، وكلما ازداد القلب خبثًا ازداد من الله بعدًا، قال تعالى: (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [النور: ٣].
أي: إن الفاسق الفاجر الذي من شأنه الزنا والفسق لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة أو في مشركة مثلها، والفاسقة المستهترة لا يرغب في نكاحها الصالحون من الرجال، بل ينفرون منها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة، ولقد قالوا في أمثالهم: إن الطيور على أشكالها تقع(85).
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)(86).
ولا شك أن هذا حكم الأعم الأغلب كما يقال: لا يفعل الخير إلا الرجل التقى، وقد يفعل الخير من ليس بتقى، فكذا هذا، فإن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة، والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف.
قال الألوسي رحمه الله «تقبيح لأمر الزاني أشد تقبيح، ببيان أنه بعد أن رضي بالزنا لا يليق أن ينكح العفيفة المؤمنة، والزانية بعد أن رضيت بالزنا لا يليق أن ينكحها إلا من هو مثلها وهو الزاني، أو من أشد حالًا منها وهو المشرك، فأما المسلم العفيف فأسد غيرته يأبى ورود جفرتها»(87).
إن نكاح المؤمن المتّسم بالصلاح الزانية، ورغبته فيها واندماجه في سلك الفسقة المشهورين بالزنا محرم عليه، لما فيه من التشبه بالفسّاق ومن حضور مواضع الفسق والفجور التي قد تسبب له سوء القالة واغتياب الناس له، وكم في مجالسة الفساق من التعرض لاقتراف الآثام، فما بالك بمزاوجة الزواني والفجار(88).
وقال الشيخ الشعراوي رحمه الله: «فهذا سبب طهر الأنسال أن يحرّم الله سبحانه وتعالى الزنا، فيأتي الخليفة طاهر النسل والعنصر، محضونًا بأب وأم، مضمومًا بدفء العائلة، لا يتحملون عليه نسمة الهواء؛ لأنه جاء من وعاء طيب طاهر نظيف»(89).
إذن فهناك تناسب طبيعي قدره الله عز وجل في هذه الحياة كي تسير وفق منظومة صحيحة لا اعوجاج فيها، غير أن البعض يأبي إلا الخروج عن المألوف والطعن في طبيعة سير الأمور فيتسببون بالفساد والخراب وانتشار الرذيلة في المجتمع المسلم.
الخبيث في المثل القرآني
إن اللّه سبحانه وتعالى يضرب الأمثال لعباده في العديد من آياته في كتابه العزيز، وأمر بالاستماع إليها ودعا عباده إلى تعقلها، والتفكير فيها، والاعتبار منها.
وضرب الله عز وجل المثل للخبيث فقال: (ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀÓ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ. ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ) [إبراهيم: ٢٤-٢٦].
هذان مثلان ضربهما الله تعالى للكلمة الطيبة، والكلمة الخبيثة، مثل الأولى بشجرة طيبة، ومثل الثانية بشجرة خبيثة، فلما ذكر مثل أعمال الكفار، وأخبر أنها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وشرح أحوال الأمة الطيبة، وأحوال الفرقة الخبيثة، ذكر مثلًا يبين الحال في حكم هذين القسمين، ويصور سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة(90).
ويضرب الله سبحانه وتعالى هذا المثل ليصوّر للناس سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة بالشجرة الطيبة، والشجرة الخبيثة.
فالكلمة الطيبة هي كلمة الحق، وهى أساس الوجود، ولا تستطيع قوى البغي والطغيان أن تقضى عليها، أو هي كلمة التوحيد، فهي كالشجرة الطيبة، ثابتة، مثمرة، متعالىة، فبذورها تنبت في تلك التربة الخصبة، وكذلك الكلمة الطيبة تثبت في النفوس الطيبة، كالنخلة، وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.
وأما الكلمة الخبيثة، فهي على النقيض من ذلك، هي كلمة الشرك والباطل التي تعمل على إفساد الحياة، وفي نشر بذور الشر في كل مكان، وفي كل نفس، وهي كالشجرة الخبيثة التي قد تتشابك أغصانها، وتتعالى فروعها، ولكنها لا تثمر إلا ثمرًا مرًّا، ولا تعطي فائدة، كشجرة الحنظل، ونحوها، وفي نفس الوقت لا تتحمل أية هزة، فلا قرار لها ولا بقاء(91).
ووصف الشجرة الخبيثة، التي شبه بها الكلمة الخبيثة في صفتها بثلاث صفات:
الأولى: أنها خبيثة، وذلك يحتمل أن يكون بحسب الرائحة، وأن يكون بحسب الطعم، وأن يكون بحسب الصورة والمنظر، واشتمالها على المضار الكثيرة.
وأصل (الخبث) في كلام العرب كما ذكرت سابقًا: المكروه، فإن كان في الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار، ومنه قيل لما يرمى من منفي الحديد: الخبث(92).
الثانية: كونها (اجتثّت من فوق الأرض)، أي: استؤصلت. وهذه الصفة في مقابلة (أصلها ثابتٌ) في صفة الشجرة الطيبة، وحقيقة (الاجتثاث) أخذ الجثة كلها من فوق الأرض، لكون عروقها قريبة من الفوق؛ فكأنها فوق، وهذا يعني: أنه ليس لها أصل، ولا فرع، وليس لها ثمرة، ولا فيها منفعة(93).
الثالثة: كونها (ما لها من قرارٍ)، فنفى أن يكون لها مكان تستقر فيه، وأن يكون لها استقرار.
قال الزمخشري رحمه الله: «شبّه بها القول، الذي لم يعضّد بحجة فهو داحض غير ثابت، والذي لا يبقى؛ إنما يضمحل عن قريب لبطلانه؛ من قولهم: الباطل لجلج»(94).
وعن قتادة رضي الله عنه أنه قيل لبعض العلماء: (ما تقول في كلمة خبيثة؟ فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقرًّا، ولا في السماء مصعدًا، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة)(95).
هذا هو مثل الكلمة الطيبة، ومثل الكلمة الخبيثة. وليس هذا وذاك مجرد مثل يضرب، ولا مجرد عزاء للطيبين وتشجيع؛ وإنما هو الواقع في الحياة، ولو أبطأ تحققه في بعض الأحيان، والخير الأصيل لا يموت ولا يذوي، مهما زحمه الشر وأخذ عليه الطريق، والشر كذلك لا يعيش إلا ريثما يستهلك بعض الخير المتلبس به، فقلما يوجد الشر خالصًا، وعندما يستهلك ما يلابسه من الخير، فلا تبقى فيه منه بقية، فإنه يتهالك، ويتهشم مهما تضخم واستطال(96).
ثم أخبر سبحانه وتعالى عن فضله وعدله في الفريقين: أصحاب الكلمة الطيبة، وأصحاب الكلمة الخبيثة.
فبين سبحانه وتعالى فبين أنه في ظل الشجرة الثابتة مثلًا للكلمة الطيبة، يثبت الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحوج ما يكونون إليه في الدنيا والآخر، والقول الثابت: بكلمات القرآن، وبالعمل الصالح، وبكلمات الإيمان، يكون العون من الله، والثبات للذين آمنوا.
وفي ظل الشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الأرض ما لها من قرار، ولا ثبات يضل الظالمين عن القول الثابت (يضلّ اللّه الظّالمين)، فيضل هؤلاء بعدله بسبب ظلمهم وشركهم، واتباع الهوى، وتمكن الخرافات والأباطيل من نفوسهم القلقلة المضطربة، وإضلالهم في الدنيا أنهم لا يثبتون في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أوّل شيء، وهم في الآخرة أضل وأذل ويفعل الله ما يشاء بإرادته المطلقة(97).
وذلك قوله تعالى: (ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ) [إبراهيم: ٢٧].
أي: يثبّت الذين صدقوا برسالة الأنبياء والمرسلين، يثبتهم على دينهم ويقينهم بسبب اعترافهم الثابت بتوحيد اللّه وطمأنينتهم به، فلم تهزه الشكوك ولم يزلزله الإيذاء أو التشكيك؛ فيظلّون على ما هم عليه من اليقين الثابت في الحياة الدنيا، لا تزحزحهم عنه الشدائد والفتن، وإن كانت كموج البحر أو كقطع الليل المظلم، وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله طرفة عين؛ فإن لم يثبته، وإلا زلت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما(98).
وبين سبحانه وتعالى سبب ضربه للأمثال بقوله: (ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ) [إبراهيم: ٢٥].
وذلك لأنها أمثال مصداقها واقع في الأرض، ولكن الناس كثيرًا ما ينسونه في زحمة الحياة؛ ففي ضربها لهم زيادة إفهام، وتذكير، وتصوير للمعاني(99).
من خلال ما رأينا في المثل من مقابلة وموازنة بين حالتين يلمسهما القارئ لكتاب الله عز وجل، فينحاز إلى ما هو جدير به أن ينحاز إليه من عمل صالح يتقرب به إلى الله جل جلاله، وابتعاد عن الطالح من الأمر.
ويفهم من هذا التصوير أن المؤمن مثل الشجرة، لا يزال يعطى من ثماره في كل وقت، صيفا وشتاء، ليلًا ونهارًا، وكذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل آناء الليل وأطراف النهار، وفي كل وقت وحين، والكلمة الخبيثة تمثل كفر الكافر، لا أصل له، ولا نبات، ولا فرع، ولا يصعد له عمل، ولا يتقبل منه شيء.
مصير الخبيث وأهله
لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يوجد في هذه الحياة الطّيّب والخبيث؛ للاختبار والامتحان والتمايز، وليلقى كل منهما جزاءه المناسب فهم لا يستويان أبدًا.
قال تعالى: (ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ) [الأنفال: ٣٧].
تتواصل صورة الخبيث في السياق القرآني، لترسم خاتمة له في جهنم وبئس المصير، فالخبيث هنا مجسّم في صورة أكوام من الأقذار الكريهة، تجمّع بعضها فوق بعض، ثم تقذف في النار، بدون اكتراث أو اهتمام، فهذه الصورة للخبيث أوقع في الحس والنفس من أي تعبير آخر، وهي تهدف إلى التنفير من الخبيث، من خلال هذه النهاية المرسومة له، وشتّان بين صورة الخبيث الكريهة التي تنتهي في النار، وبين صورة الطيب المحبوبة، التي تنتهي إلى الجنة(100).
يقول الشيخ أبو زهرة رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: إن الخبيث يجتمع بعضهم إلى بعضه، يضم الخبيث إلى الخبيث ويتراكم عليه، حتى يكادوا يكونون عليه لبدًا، وهذا تعبير يتناسب مع تكاثف شيء كله خبيث، أي: يجعل الله سبحانه وتعالى الخبيث الحاضر فوق الخبيث الغابر، فوق ما سبقه، فنظمه جميعًا بعضه لبعضه، وفي هذا إشارة إلى أن في جهنم مكانًا للجميع، وإن كان مزدحمًا متراكمًا، وإشارة إلى تلاحق الحاضرين مع من يقلدونهم، وإشارة إلى تميزهم على الطيبين، أو تميز الطيبين عنهم، وإن هذا كله ينبئ عن الخسارة المطلقة التي لا كسب فيها؛ ولذلك جعلهم الحق عز وجل هم الأخسرين، فجعل أصحابه في جهنم إلى يوم القيامة، وبئس المصير لمن خسر نفسه وماله(101).
فإن الله سبحانه وتعالى يفرق بين الطيب والخبيث في كل الأمور، ثم يكون الجزاء في الآخرة بأن يفترقا، فلا يجتمعان أبدًا؛ فلكلٍّ داره وقراره، فالطّيّب وأهله لهم الجزاء الطيب في جنان الرحمن، والخبث وأهله لهم العذاب الأليم، والمصير الخبيث.
فكل عمل له نتائجه المترتبة عليه:
ولكن إن كثر الخبث وأهله من الزناة والفجرة والفاسقين المجاهرين للمعاصي أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون(102).
فعن زينب بنت جحش، رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل عليها فزعًا يقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثر الخبث)(103).
إن الله كتب النصر والغلب لعباده المتقين والخذلان والحسرة لمن يعاديهم ويقاتلهم من الكفار للصدّ عن سبيل الله، ليميز الكفر من الإيمان، والحق والعدل من الجور والطغيان.
وهذا التمييز بين الأمرين في سنن الاجتماع هو بقاء أمثل الأمرين وأصلحهما، قال تعالى: (ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ) [الرعد: ١٧]، وسنن الله في الدنيا والآخرة واحدة، فالخبيث في الدنيا خبيث في الآخرة. (104)
وقد وصف الله سبحانه وتعالى الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث في كتابه دون سائر الذنوب، فقال عز وجل في حق اللوطية: (ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ) [الأنبياء: ٧٤].
وقالت اللوطية: (ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ)[النمل: ٥٦]، فأقروا مع شركهم وكفرهم أنهم هم الخبيثون الأنجاس، وأن لوطًا وآله مطهرون من ذلك باجتنابهم له.
فكان الجزاء موافقًا لأعمالهم الخبيثة، فأنزل الله عز وجل عذابه عليهم، قال تعالى: (ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ) [الحجر: ٧٣ - ٧٥].
«قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها، وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مسومة مرقوم على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها»(105).
لقد حرم الله الجنة على كل خبيث، بل جعلها مأوى الطيبين ولا يدخلها إلا طيب، قال تعالى: (ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ) [النحل: ٣٢].
وقال تعالى: (ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ) [الزمر: ٧٣].
فإنما استحقوا سلام الملائكة ودخول الجنة بطيبهم، والزناة من أخبث الخلق، وقد جعل الله سبحانه وتعالى جهنم دار الخبيث وأهله، فإذا كان يوم القيامة ميز الخبيث من الطيب، وجعل الخبيث بعضه على بعض ثم ألقاه وألقى أهله في جهنم، فلا يدخل النار طيب، ولا يدخل الجنة خبيث(106).
| موضوعات ذات صلة: |
|---|
| الأكل ، الخمر، الزنا، الشرب، الطعام، الطيبات، الفواحش، المال |
موضوعات ذات صلة:
الأكل ، الخمر، الزنا، الشرب، الطعام، الطيبات، الفواحش، المال
الميتة: وهي كل ما لم تدرك ذكاته مما يذبح واستثنى الشرع من الميتة السمك والجراد.
الدم: أراد به الدم الجاري يدل عليه قوله تعالى: (ﮨ ﮩ ﮪ) [الأنعام: ١٤٥]، واستثني من الدم الكبد والطحال فأحلها(73).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان: الحوت والجراد، والدمان، أحسبه قال: الكبد والطحال)(74).
لحم الخنزير وشحمه وعظمه.
قال الشّافعي رحمه الله تعالى:
فيحلّ الله عز وجل ما حرّم من الميتة والدم ولحم الخنزير، وكلّ ما حرم مما يغير العقل من الخمر للمضطر الذي لا يجد ما يسد رمقه من طعام أو شراب، وبلغ منه الجوع والعطش ما يخاف منه الموت أو المرض، وذلك بقدر ما ينقذ به نفسه، وليس له أن يأكل ويشرب حتى الشبع والتلذذ بذلك. (75)
وفي آية أخرى يبين الله عز وجل المزيد من الخبائث المحرمة على العبد.
قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ)[المائدة: ٣].
فزادت هذه الآية عن سابقتها عدة محرمات سبق الحديث عنها وهي:
المنخنقة.
الموقوذة.
المتردية.
ما أكل منه الحيوان.
الذبح على النصب.
الاستقسام بالأزلام.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بمكة عام الفتح: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه)(76).
وقال تعالى: (ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ)[ الأنعام: ١٤٥].
وقال تعالى: (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [الأعراف: ١٥٧].
لقد دلت هذه الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، فإن الطيبات هي المحللات، فقد وصفها بالطيب، لأنها لفظة تتضمن مدحًا وتشريفًا، وعلى هذا تكون الخبائث هي المحرمات.
وعلى هذا حلل الإمام مالك المتقذرات: كالحيات والعقارب والخنافس ونحوها.
ومذهب الشافعي رحمه الله أن الطيبات هي من جهة الطعم، إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها، لأن عمومها بهذا الوجه من الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير، بل المحرمات بالشرع وفي المتقذرات، فيحرم العقارب والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى يراها مختصة فيما حلله الشرع، ويرى الخبائث لفظًا عامًّا في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات(77).
وهذا هو الراجح عندي والذي تأنس له الفطرة السليمة والنفس الطيبة حيث إن الطيبات ما تقبل به النفس، أما الحشرات والزواحف مما لا تستسيغه الطباع البشرية.
فإن ما استخبثه الناس من الحيوانات لا لعلة ولا لعدم اعتياد بل لمجرد استخباث فهو حرام، وإن استخبثه البعض دون البعض كان الاعتبار بالأكثر كحشرات الأرض وكثير من الحيوانات التي ترك الناس أكلها ولم ينهض على تحريمها دليل يخصها، فإن تركها لا يكون في الغالب إلا لكونها مستخبثة فتندرج تحت قوله سبحانه: (ﮈ ﮉ ﮊ).
فقد أباح الله لعباده الطيبات، وحرم عليهم الخبائث والمضرات، ولقد كرم الله بني آدم بكرامات كثيرة، أهمها العقل؛ لكن نجد الكثير من الناس من يجني على هذا العقل بشرب الخمور والمسكرات(78).
ولنا هنا حديث عن محرم آخر وهو الخمر، قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ) [المائدة: ٩٠]، إن الله سبحانه وتعالى قد وصف الخمر بأنه رجس فعلم أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات(79).
وإنما حرم علينا سبحانه وتعالى هذه الخبائث:
لطفًا بنا، وتنزيهًا لنا عن كل خبيث لا تستطيبه النفس الكريمة.
وفي تحريم هذه الأشياء حماية للمسلمين مما فيها من الميكروبات والجراثيم والمواد الضارة، التي لم يهتد الأطباء لمعرفتها إلا في عهد متأخر جدًّا.
وحرمت الميتة بغير تذكية شرعية، لأن الميتة خبيثة مضرة، ولرداءتها في نفسها، ولأن الأغلب، أن تكون عن مرض، فيكون زيادة ضرر.
وقد يكون التحريم لعلة اعتقادية، لها علاقة وثيقة بالشرك والوثنية مثل ما يذبح للأصنام.
والخمور حرمت بسبب ما تفعله في العقول من دمار، فتجل المرء كالبهيمة بل أضل سبيلًا، كما لها أضرارها على الصحة وهي كثيرة، وما فيها من ضياع للعرض والمال.
ويقاس على ذلك العديد من الأطعمة والأشربة التي حرمها العلماء بالإجماع قياسًا عما ذكره الله جل جلاله من تحريم المخدرات والدخان وبعض الأدوية المذهبة للعقل واعتبارها من الخبائث.
فإن الخبيث غير مستطاب، فصارت هذه الآية الكريمة نصًّا فيما يحل ويحرم من الأطعمة، فحري بنا نحن المسلمين أن نتحرى المال الطيب الحلال، والرزق السليم النافع، ونحذر أشد الحذر من الأموال الخبيثة والمكاسب المحرمة.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن الحلال أم من حرام)(80).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ) [المؤمنون: ٥١]، وقال: (ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟)(81).
التناسب بين الخبيثين
إن الله عز وجل خلق كل شيء بقدر وبتناسق يأخذ الألباب، فجعل لكل شيء ما يناسبه فجعل الطيب لما يناسبه، وجعل للخبيث ما يناسبه، قال تعالى: (ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ) [النور: ٢٦]، جاء في معنى هذه الآية أقوال:
الأول: إن الخبيثات من الكلم للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلم، والطيبات من الكلم للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيّبات من الكلم.
الثاني: إن معناه الخبيثات من السيّئات للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من السيّئات، والطيّبات من الحسنات للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من الحسنات.
الثالث: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء(82).
وبما أن سياق السورة هو سياق الحديث عن الزواني والمحصنات، وعن المؤمنين والمؤمنات، وعن الأجواء التي تتحرك في دائرة العلاقات الزوجية التي يتحكم فيها الانسجام الأخلاقي بين الزوجين، ما يجعل من مسألة التوافق الروحي والإيماني عنصرًا حيويًّا في المسألة، نستطيع القول بأن المراد بالكلمتين هو المعنى الثالث المراد من الطيبين والخبيثين، ويؤكد ذلك طبيعة المقابلة بين الكلمتين(83).
ولكن قد يشكل فهم الآية على البعض، فهل هو على تقرير الواقع بحيث يكون المعنى أن واقع العلاقات الزوجية أو ما يشبهها، هو الانسجام بين الزوجين في الخبث والطيبة؟
ولكن هذا غير واقعي، لأن كثيرًا من الطيبين والطيبات ابتلوا بزيجات خبيثة، كما أن كثيرًا من الخبيثات ارتبطن بعلاقة زوجية مع رجال طيبين.
أو هو تشريع للعلاقة الزوجية، حيث إنه لا بد للخبيثات من أن يتزوجن من الخبيثين، فلو تزوجن غيرهم، لكانت العلاقة غير شرعية، كما لن تكون هناك شرعية لزواج الطيب من الخبيثة أو الطيبة من الخبيث؟
الحقيقة أنه لا هذا ولا ذاك، فالمسألة جارية مجرى التناسب القائم على الاتفاق في العقيدة الطيّبة، والأخلاق والسلوك الطيبين، ما يجعل الطيبين مناسبين للّاتي يملكن المواصفات نفسها، وهو ما يجعل الانجذاب الروحي الذي يؤدي إلى العلاقة الشرعية الزوجية أمرًا طبيعيًّا، كما أن المواصفات المضادة تخلق التناسب بين الذين يتمتعون بهذه الصفات السلبيّة، وتجعل العلاقة طبيعية بينهم باعتبار أن كل شكلٍ لشكله ألف.
ومقصود الآية: إن زوجتم فزوّجوا الخبيث للخبيثة، والطيب للطيبة؛ ليتحقق التكافؤ بين الزوجين ويحدث بينهما الوفاق، حتى إن عيّر الخبيث زوجته كانت مثله تستطيع أن تردّ عليه، لا بدّ من وجود التكافؤ حتى في القباحة، وإلا فكيف تفعل الطيبة مع الخبيث، أو الخبيث مع الطيبة ؟(84).
أراد الله عز وجل أن يوجهنا إلى أن نزوج فتياتنا الطيبات رجالًا طيبين، ويوجهنا أيضًا إلى أن نزوج شبابنا الطيبين فتيات طيبات، لكي يكون تناسبًا صحيحًا وسليمًا، فهذا توجيه أخلاقي اجتماعي، لهم في توجيهها هذا التوجيه الرائع، أي: ينبغي يا عبادي أن يكون الطيبون للطيبات والخبيثون للخبيثات.
وليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من فاحشة الزنا، فلها خاصية في تعبيد القلب لغير الله، فإنهما من أعظم الخبائث، وكلما ازداد القلب خبثًا ازداد من الله بعدًا، قال تعالى: (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) [النور: ٣].
أي: إن الفاسق الفاجر الذي من شأنه الزنا والفسق لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة أو في مشركة مثلها، والفاسقة المستهترة لا يرغب في نكاحها الصالحون من الرجال، بل ينفرون منها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة، ولقد قالوا في أمثالهم: إن الطيور على أشكالها تقع(85).
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)(86).
ولا شك أن هذا حكم الأعم الأغلب كما يقال: لا يفعل الخير إلا الرجل التقى، وقد يفعل الخير من ليس بتقى، فكذا هذا، فإن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة، والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف.
قال الألوسي رحمه الله «تقبيح لأمر الزاني أشد تقبيح، ببيان أنه بعد أن رضي بالزنا لا يليق أن ينكح العفيفة المؤمنة، والزانية بعد أن رضيت بالزنا لا يليق أن ينكحها إلا من هو مثلها وهو الزاني، أو من أشد حالًا منها وهو المشرك، فأما المسلم العفيف فأسد غيرته يأبى ورود جفرتها»(87).
إن نكاح المؤمن المتّسم بالصلاح الزانية، ورغبته فيها واندماجه في سلك الفسقة المشهورين بالزنا محرم عليه، لما فيه من التشبه بالفسّاق ومن حضور مواضع الفسق والفجور التي قد تسبب له سوء القالة واغتياب الناس له، وكم في مجالسة الفساق من التعرض لاقتراف الآثام، فما بالك بمزاوجة الزواني والفجار(88).
وقال الشيخ الشعراوي رحمه الله: «فهذا سبب طهر الأنسال أن يحرّم الله سبحانه وتعالى الزنا، فيأتي الخليفة طاهر النسل والعنصر، محضونًا بأب وأم، مضمومًا بدفء العائلة، لا يتحملون عليه نسمة الهواء؛ لأنه جاء من وعاء طيب طاهر نظيف»(89).
إذن فهناك تناسب طبيعي قدره الله عز وجل في هذه الحياة كي تسير وفق منظومة صحيحة لا اعوجاج فيها، غير أن البعض يأبي إلا الخروج عن المألوف والطعن في طبيعة سير الأمور فيتسببون بالفساد والخراب وانتشار الرذيلة في المجتمع المسلم.
الخبيث في المثل القرآني
إن اللّه سبحانه وتعالى يضرب الأمثال لعباده في العديد من آياته في كتابه العزيز، وأمر بالاستماع إليها ودعا عباده إلى تعقلها، والتفكير فيها، والاعتبار منها.
وضرب الله عز وجل المثل للخبيث فقال: (ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀÓ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ. ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ) [إبراهيم: ٢٤-٢٦].
هذان مثلان ضربهما الله تعالى للكلمة الطيبة، والكلمة الخبيثة، مثل الأولى بشجرة طيبة، ومثل الثانية بشجرة خبيثة، فلما ذكر مثل أعمال الكفار، وأخبر أنها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وشرح أحوال الأمة الطيبة، وأحوال الفرقة الخبيثة، ذكر مثلًا يبين الحال في حكم هذين القسمين، ويصور سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة(90).
ويضرب الله سبحانه وتعالى هذا المثل ليصوّر للناس سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة بالشجرة الطيبة، والشجرة الخبيثة.
فالكلمة الطيبة هي كلمة الحق، وهى أساس الوجود، ولا تستطيع قوى البغي والطغيان أن تقضى عليها، أو هي كلمة التوحيد، فهي كالشجرة الطيبة، ثابتة، مثمرة، متعالىة، فبذورها تنبت في تلك التربة الخصبة، وكذلك الكلمة الطيبة تثبت في النفوس الطيبة، كالنخلة، وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.
وأما الكلمة الخبيثة، فهي على النقيض من ذلك، هي كلمة الشرك والباطل التي تعمل على إفساد الحياة، وفي نشر بذور الشر في كل مكان، وفي كل نفس، وهي كالشجرة الخبيثة التي قد تتشابك أغصانها، وتتعالى فروعها، ولكنها لا تثمر إلا ثمرًا مرًّا، ولا تعطي فائدة، كشجرة الحنظل، ونحوها، وفي نفس الوقت لا تتحمل أية هزة، فلا قرار لها ولا بقاء(91).
ووصف الشجرة الخبيثة، التي شبه بها الكلمة الخبيثة في صفتها بثلاث صفات:
الأولى: أنها خبيثة، وذلك يحتمل أن يكون بحسب الرائحة، وأن يكون بحسب الطعم، وأن يكون بحسب الصورة والمنظر، واشتمالها على المضار الكثيرة.
وأصل (الخبث) في كلام العرب كما ذكرت سابقًا: المكروه، فإن كان في الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار، ومنه قيل لما يرمى من منفي الحديد: الخبث(92).
الثانية: كونها (اجتثّت من فوق الأرض)، أي: استؤصلت. وهذه الصفة في مقابلة (أصلها ثابتٌ) في صفة الشجرة الطيبة، وحقيقة (الاجتثاث) أخذ الجثة كلها من فوق الأرض، لكون عروقها قريبة من الفوق؛ فكأنها فوق، وهذا يعني: أنه ليس لها أصل، ولا فرع، وليس لها ثمرة، ولا فيها منفعة(93).
الثالثة: كونها (ما لها من قرارٍ)، فنفى أن يكون لها مكان تستقر فيه، وأن يكون لها استقرار.
قال الزمخشري رحمه الله: «شبّه بها القول، الذي لم يعضّد بحجة فهو داحض غير ثابت، والذي لا يبقى؛ إنما يضمحل عن قريب لبطلانه؛ من قولهم: الباطل لجلج»(94).
وعن قتادة رضي الله عنه أنه قيل لبعض العلماء: (ما تقول في كلمة خبيثة؟ فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقرًّا، ولا في السماء مصعدًا، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة)(95).
هذا هو مثل الكلمة الطيبة، ومثل الكلمة الخبيثة. وليس هذا وذاك مجرد مثل يضرب، ولا مجرد عزاء للطيبين وتشجيع؛ وإنما هو الواقع في الحياة، ولو أبطأ تحققه في بعض الأحيان، والخير الأصيل لا يموت ولا يذوي، مهما زحمه الشر وأخذ عليه الطريق، والشر كذلك لا يعيش إلا ريثما يستهلك بعض الخير المتلبس به، فقلما يوجد الشر خالصًا، وعندما يستهلك ما يلابسه من الخير، فلا تبقى فيه منه بقية، فإنه يتهالك، ويتهشم مهما تضخم واستطال(96).
ثم أخبر سبحانه وتعالى عن فضله وعدله في الفريقين: أصحاب الكلمة الطيبة، وأصحاب الكلمة الخبيثة.
فبين سبحانه وتعالى فبين أنه في ظل الشجرة الثابتة مثلًا للكلمة الطيبة، يثبت الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحوج ما يكونون إليه في الدنيا والآخر، والقول الثابت: بكلمات القرآن، وبالعمل الصالح، وبكلمات الإيمان، يكون العون من الله، والثبات للذين آمنوا.
وفي ظل الشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الأرض ما لها من قرار، ولا ثبات يضل الظالمين عن القول الثابت (يضلّ اللّه الظّالمين)، فيضل هؤلاء بعدله بسبب ظلمهم وشركهم، واتباع الهوى، وتمكن الخرافات والأباطيل من نفوسهم القلقلة المضطربة، وإضلالهم في الدنيا أنهم لا يثبتون في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أوّل شيء، وهم في الآخرة أضل وأذل ويفعل الله ما يشاء بإرادته المطلقة(97).
وذلك قوله تعالى: (ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ) [إبراهيم: ٢٧].
أي: يثبّت الذين صدقوا برسالة الأنبياء والمرسلين، يثبتهم على دينهم ويقينهم بسبب اعترافهم الثابت بتوحيد اللّه وطمأنينتهم به، فلم تهزه الشكوك ولم يزلزله الإيذاء أو التشكيك؛ فيظلّون على ما هم عليه من اليقين الثابت في الحياة الدنيا، لا تزحزحهم عنه الشدائد والفتن، وإن كانت كموج البحر أو كقطع الليل المظلم، وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله طرفة عين؛ فإن لم يثبته، وإلا زلت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما(98).
وبين سبحانه وتعالى سبب ضربه للأمثال بقوله: (ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ) [إبراهيم: ٢٥].
وذلك لأنها أمثال مصداقها واقع في الأرض، ولكن الناس كثيرًا ما ينسونه في زحمة الحياة؛ ففي ضربها لهم زيادة إفهام، وتذكير، وتصوير للمعاني(99).
من خلال ما رأينا في المثل من مقابلة وموازنة بين حالتين يلمسهما القارئ لكتاب الله عز وجل، فينحاز إلى ما هو جدير به أن ينحاز إليه من عمل صالح يتقرب به إلى الله جل جلاله، وابتعاد عن الطالح من الأمر.
ويفهم من هذا التصوير أن المؤمن مثل الشجرة، لا يزال يعطى من ثماره في كل وقت، صيفا وشتاء، ليلًا ونهارًا، وكذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل آناء الليل وأطراف النهار، وفي كل وقت وحين، والكلمة الخبيثة تمثل كفر الكافر، لا أصل له، ولا نبات، ولا فرع، ولا يصعد له عمل، ولا يتقبل منه شيء.
مصير الخبيث وأهله
لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يوجد في هذه الحياة الطّيّب والخبيث؛ للاختبار والامتحان والتمايز، وليلقى كل منهما جزاءه المناسب فهم لا يستويان أبدًا.
قال تعالى: (ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ) [الأنفال: ٣٧].
تتواصل صورة الخبيث في السياق القرآني، لترسم خاتمة له في جهنم وبئس المصير، فالخبيث هنا مجسّم في صورة أكوام من الأقذار الكريهة، تجمّع بعضها فوق بعض، ثم تقذف في النار، بدون اكتراث أو اهتمام، فهذه الصورة للخبيث أوقع في الحس والنفس من أي تعبير آخر، وهي تهدف إلى التنفير من الخبيث، من خلال هذه النهاية المرسومة له، وشتّان بين صورة الخبيث الكريهة التي تنتهي في النار، وبين صورة الطيب المحبوبة، التي تنتهي إلى الجنة(100).
يقول الشيخ أبو زهرة رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: إن الخبيث يجتمع بعضهم إلى بعضه، يضم الخبيث إلى الخبيث ويتراكم عليه، حتى يكادوا يكونون عليه لبدًا، وهذا تعبير يتناسب مع تكاثف شيء كله خبيث، أي: يجعل الله سبحانه وتعالى الخبيث الحاضر فوق الخبيث الغابر، فوق ما سبقه، فنظمه جميعًا بعضه لبعضه، وفي هذا إشارة إلى أن في جهنم مكانًا للجميع، وإن كان مزدحمًا متراكمًا، وإشارة إلى تلاحق الحاضرين مع من يقلدونهم، وإشارة إلى تميزهم على الطيبين، أو تميز الطيبين عنهم، وإن هذا كله ينبئ عن الخسارة المطلقة التي لا كسب فيها؛ ولذلك جعلهم الحق عز وجل هم الأخسرين، فجعل أصحابه في جهنم إلى يوم القيامة، وبئس المصير لمن خسر نفسه وماله(101).
فإن الله سبحانه وتعالى يفرق بين الطيب والخبيث في كل الأمور، ثم يكون الجزاء في الآخرة بأن يفترقا، فلا يجتمعان أبدًا؛ فلكلٍّ داره وقراره، فالطّيّب وأهله لهم الجزاء الطيب في جنان الرحمن، والخبث وأهله لهم العذاب الأليم، والمصير الخبيث.
فكل عمل له نتائجه المترتبة عليه:
فإن الطّيّب لا يليق به إلا الطيب، ولا يفعل إلا الطيب، ولا يقول إلا الطيب، ولا يأكل إلا الطيب؛ لذلك استحق مجاورة الطيبين في جنات الخلد.
والشقي الخبيث لا يفعل إلا الخبيث، ولا يقول إلا الخبيث، ولا يخالط إلا الخبيثين، وترى الخبث يتفجر من قلبه ولسانه وجوارحه؛ ولذلك استحق مجاورة الخبيثين في جهنم مأوى لهم.
ولكن إن كثر الخبث وأهله من الزناة والفجرة والفاسقين المجاهرين للمعاصي أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون(102).
فعن زينب بنت جحش، رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل عليها فزعًا يقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثر الخبث)(103).
إن الله كتب النصر والغلب لعباده المتقين والخذلان والحسرة لمن يعاديهم ويقاتلهم من الكفار للصدّ عن سبيل الله، ليميز الكفر من الإيمان، والحق والعدل من الجور والطغيان.
وهذا التمييز بين الأمرين في سنن الاجتماع هو بقاء أمثل الأمرين وأصلحهما، قال تعالى: (ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ) [الرعد: ١٧]، وسنن الله في الدنيا والآخرة واحدة، فالخبيث في الدنيا خبيث في الآخرة. (104)
وقد وصف الله سبحانه وتعالى الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث في كتابه دون سائر الذنوب، فقال عز وجل في حق اللوطية: (ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ) [الأنبياء: ٧٤].
وقالت اللوطية: (ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ)[النمل: ٥٦]، فأقروا مع شركهم وكفرهم أنهم هم الخبيثون الأنجاس، وأن لوطًا وآله مطهرون من ذلك باجتنابهم له.
فكان الجزاء موافقًا لأعمالهم الخبيثة، فأنزل الله عز وجل عذابه عليهم، قال تعالى: (ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ) [الحجر: ٧٣ - ٧٥].
«قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها، وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مسومة مرقوم على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها»(105).
لقد حرم الله الجنة على كل خبيث، بل جعلها مأوى الطيبين ولا يدخلها إلا طيب، قال تعالى: (ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ) [النحل: ٣٢].
وقال تعالى: (ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ) [الزمر: ٧٣].
فإنما استحقوا سلام الملائكة ودخول الجنة بطيبهم، والزناة من أخبث الخلق، وقد جعل الله سبحانه وتعالى جهنم دار الخبيث وأهله، فإذا كان يوم القيامة ميز الخبيث من الطيب، وجعل الخبيث بعضه على بعض ثم ألقاه وألقى أهله في جهنم، فلا يدخل النار طيب، ولا يدخل الجنة خبيث(106).
| موضوعات ذات صلة: |
|---|
| الأكل ، الخمر، الزنا، الشرب، الطعام، الطيبات، الفواحش، المال |
موضوعات ذات صلة:
الأكل ، الخمر، الزنا، الشرب، الطعام، الطيبات، الفواحش، المال
الحواشي
- انظر: العين، الفراهيدي ٤/٢٤٨، تهذيب اللغة، الأزهري ٧/ ١٤٦، الصحاح، الجوهري ١/٢٨١، مجمل اللغة، ابن فارس ٣١٠، أساس البلاغة، الزمخشري ١/٢٢٨.
- انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص ١٥٢.
- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٢٠٧-٢٠٨.
- انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٢٧٠-٢٧١، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/٥٢٢.
- انظر: المخصص، ابن سيده ٤/ ٤٥، مختار الصحاح، الرازي، ص١٢١، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة ١/٣٣٧.
- انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٤/ ٢٩، تاج العروس، الزبيدي٣/ ٢٨٤، معجم لغة الفقهاء، قلعجي وقنيبي، ص ٢٩٤، القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب، ص٢٣٦.
- انظر: الكليات، الكفوي، ص٥٨٦.
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/ ٥٠٣.
- القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب، ص ٢٨٥.
- انظر: العين، الفراهيدي ٦/ ٥٥.
- المنثور في القواعد الفقهية، الزركشي ٣/ ٢٤٨.
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/٤٥.
- انظر: علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، ص١١٣.
- أسباب النزول، الواحدي، ص٨٨.
- انظر: موسوعة فقه القلوب، التويجري ٤/ ٣٢٨٢.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب تأويل قول الله تعالى: (ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ)، ٤/٥، رقم ٢٧٥٠.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب من لم يبال من حيث كسب المال، ٣/٥٥، رقم ٢٠٥٩.
- انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب١/ ٣١٠.
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٦٩٧.
- المصدر السابق.
- انظر: الهداية الى بلوغ النهاية، مكي بن أبو طالب ٢/ ١٢١٥.
- انظر: جامع البيان ٧/ ٥٢٥.
- معالم التنزيل، البغوي ١/ ٥٦٢.
- انظر: روائع البيان تفسير آيات الأحكام، الصابوني ١/ ٤٢٢.
- انظر: تفسير المراغي ٧/ ٣٨.
- أسباب النزول، الواحدي، ص ٢١٠.
- انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٥/٢٣٦٨.
- انظر: موسوعة فقه القلوب، التويجري ٢/١٣١٦.
- روح المعاني ٧/ ٢٠٢.
- انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٠٩٨.
- انظر: جامع البيان ١٣/ ٥٣٤.
- انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٥٠٧.
- انظر: فتح البيان، القنوجي ٢/ ٣٨٥.
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/٢٨٨، فتح القدير، الشوكاني ١/ ٤٦٣.
- انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/ ٤٧٢.
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٣٤.
- انظر: تفسير الشعراوي ٥/ ٢٦٨٣.
- انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/ ٢١٣.
- المصدر السابق.
- انظر: تفسیر القرآن ١/٤٨٧.
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوازها في المسجد، ١/٥٣٩، رقم ٧٨٠.
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الاشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، ٣/١٥٩٨، رقم ٢٠١٨.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب ما يقول عند الخلاء، ١/٤٠، رقم ١٤٢.
- انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، ابن عثيمين ١/ ١٠٥.
- انظر: جامع البيان، الطبري٣/ ٣١٧.
- انظر: معالم التنزيل، البغوي٢/١٠.
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/٢٧٩.
- انظر: التفسير القيم، ابن القيم ، ص ٢٨٩.
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/٢٨٧.
- انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ٤٩٦.
- انظر: جامع البيان ٧/ ٤٢٤.
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/١٧٣.
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/٢٦٥.
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦٦٠.
- انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢/٢٣٩.
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/٣٢٣.
- انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٤/ ٢٨٦.
- في ظلال القرآن ١/ ٥٢٢.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، ١/ ٢٠، رقم ٥٢.
- انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٤٠٣.
- انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ١/ ٢٣٧.
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/٢٠٧.
- انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب٣/ ١٥٦٨.
- انظر: موسوعة فقه القلوب، التويجري ٢/١٢٢٤.
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٧٧.
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/٨٣.
- انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٥/٢٣٦٨.
- تيسير الكريم الرحمن، ص ٢٧٠.
- انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٩٨٣.
- انظر: التحرير والتنوير ٧/ ٦٣.
- أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، ١١/٦٤٤، رقم ٧٠٧٢، وابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الزهد، ما ذكر عن نبينا صلى الله عليه وسلم في الزهد، ٧/٨٣، رقم ٣٤٣٦٨. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/٧٢٨، رقم ٣٩٢١.
- انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ١٠١.
- انظر: معالم التنزيل، البغوي ١/ ١٨٣.
- أخرجه الإمام أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنه عنهما، ١٠/١٥، رقم ٥٧٢٣، وابن ماجه في سننه، كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال، ٢/١١٠٢، رقم ٣٣١٤. وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٨/١٦٤، رقم ٢٥٢٦.
- تفسير الإمام الشافعي ١/ ٢٤٨.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام، ٣/ ٨٤، رقم ٢٢٣٦.
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/٣٠٠.
- انظر: الدراري المضية، الشوكاني٢/٣١٨.
- انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٣/ ١٨١.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب قول الله تعالى: (ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ)، ٣/٥٩، رقم ٢٠٨٣.
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، ٢/٧٠٣، رقم ١٠١٥.
- انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ١٤٢.
- انظر: النكت في القرآن الكريم، المجاشعي، ص ٣٥٧.
- انظر: تفسير الشعراوي ١٨/ ١٠٩٧١.
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣/ ٣١٨.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة، ٤/١٣٤، رقم ٣٣٣٦.
- روح المعاني ١٨/٨٤.
- انظر: تفسير المراغي ١٨/ ٧١.
- تفسير الشعراوي ١٦/ ١٠٢٠٣.
- انظر: تفسير المراغي ١٣/ ١٤٧.
- انظر: عون الحنان في شرح الأمثال في القرآن، علي الطهطاوي، ص ٢١٢.
- انظر: العين، الفراهيدي ٤/ ٢٤٩، تهذيب اللغة، الأزهري ٧/ ١٤٦.
- انظر: فتح البيان، القنوجي ٧/ ١١١.
- الكشاف ٢/ ٥٥٤.
- انظر: جامع البيان، الطبري ١٦/ ٥٨٧.
- انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٠٩٨.
- انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٥٥٤.
- انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٥/٤٩٢.
- انظر: لباب التأويل، الخازن ٣/ ٢٩٨.
- انظر: وظيفة الصورة الفنية في القرآن، عبدالسلام الراغب، ص ١٣٨.
- انظر: زهرة التفاسير ٦/ ٣١٢٥.
- العمدة من الفوائد والآثار الصحاح في مشيخة شهدة، شهدة الإبري، ص ٤١.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج، ومأجوج ٤/١٣٨، رقم ٣٣٤٦.
- تفسير المراغي ٩/ ٢٠٦.
- البداية والنهاية، ابن كثير١/ ١٨٢.
- انظر: روضة المحبين، ابن القيم، ص ٣٦١.