دراسة موضوعية

تحليل ورود الموضوع في القرآن الكريم

وَرَدَ ذِكْرُ الرحمة في القرآنِ الكريمِ في 32 موضعًا، توزَّعَتْ على 17 سورة من سُوَرِه. وجاءَ أكثرُ ذِكرِهِ في سورة الأعراف، وتتمحورُ أغلبُ الآياتِ حولَ موضوعِ «ماذا لو لم تدركنا رحمة الله» بواقعِ 8 آيات.

32
آية قرآنية
17
سورة
9
موضوعات فرعية

توزيع المواضيع الفرعية

ماذا لو لم تدركنا رحمة الله 8 آيات
الله أرحم الراحمين وخيرهم 6 آيات
من رحمة الله بعباده [إنزال القرآن رحمة] 6 آيات
يختصُّ برحمته من يشاء 4 آيات
رحمته وسعت كل شيء آيتانِ
كتب ربكم على نفسه الرحمة آيتانِ
من رحمة الله بعباده [إرساله محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة بهم] آيتانِ
لا يجوز القنوط من رحمة الله آية واحدة
هي صفة محمد صلى الله عليه وسلم والذين معه آية واحدة

التوزيع على السور

الأعراف 6 آيات
يوسف 4 آيات
الأنعام 3 آيات
النور 3 آيات
الأنبياء آيتانِ
المؤمنون آيتانِ
البقرة آيتانِ
الحجر آية واحدة
النساء آية واحدة
هود آية واحدة
يونس آية واحدة
النحل آية واحدة
الإسراء آية واحدة
لقمان آية واحدة
التوبة آية واحدة
آل عمران آية واحدة
العنكبوت آية واحدة

التوزيع على أجزاء القرآن

1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
30

الأجزاء المُلوَّنة تحتوي على آيات عن الرحمة

مفهوم الرحمة

أولًا: المعنى اللغوي:

تدور مادة (ر ح م) حول الرقّة، والعطف.

قال ابن فارس: «الرّاء والحاء والميم أصل واحد، يدل على: الرقة والعطف والرأفة. يقال من ذلك: رحمه يرحمه إذا رقّ له وتعطّف عليه، والرّحم والمرحمة والرّحمة بمعنًى»(1).

وقال ابن منظور رحمه الله: «الرحمة: الرقة والتعطف، والرحمة في بني آدم: رقة القلب وعطفه»(2).

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

ذكر أهل العلم في تعريف الرحمة في الاصطلاح عدة تعريفات مأخوذة من دلالة المعنى اللغوي للكلمة، ومن هذه التعريفات:

قول الراغب الأصفهاني رحمه الله: «الرحمة رقة تقتضـي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارةً في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة نحو رحم الله فلانًا»(3).

وقال الكفوي رحمه الله: «الرحمة حالة وجدانية تعرض غالبًا لمن به رقة القلب، وتكون مبدأً للانعطاف النفساني الذي هو مبدأ الإحسان»(4).

وعرفها بعض الباحثين بقوله: «رقة يجدها المخلوق في قلبه تحمله على العطف والإحسان إلى سواه ومواساته، وتخفيف آلامه» (5).

والرحمة هي السبب الذي بين الله وبين عباده؛ بها أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبها هداهم، وبها أسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم، وبها أنعم عليهم (6).

فالمعنى الاصطلاحي للرحمة لا يبعد عن معناه اللغوي، إلا أنه خص برحمة الله لعباده، ولا ينافي معنى الرحمة أن يكون في بعض التكاليف مشقة.

الرحمة في الاستعمال القرآني

وردت مادة (رحم) في القرآن الكريم (٣٣٩) مرة(7).

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة عدد المرات المثال
الفعل الماضي ٨ ( ) [هود: ٤٣]
الفعل المضارع ١٥ ( ) [العنكبوت: ٢١]
المصدر ١١٦ ( ) [آل عمران: ٨]
اسم الفاعل ٦ ( ) [يوسف: ٦٤]
صيغة المبالغة ١٧٢ ( ) [الفاتحة: ٣]
اسم التفضيل ٤ ( ) [يوسف: ٩٢]
الاسم ١٣ ( ) [النساء: ١]

وأطلقت الرحمة في الاستعمال القرآني على عدة أمور(8):

الأول: الإسلام والإيمان: ومنه قوله تعالى: ( ) [الإنسان: ٣١]، أي: في دينه الإسلام. وقوله تعالى: ( ﯿ) [هود: ٢٨]، أي: الإيمان.

الثاني: الجنة: ومنه قوله تعالى: ( ) [آل عمران: ١٠٧]، أي: في جنته.

الثالث: المطر: ومنه قوله تعالى: ( ) [الأعراف: ٥٧]، أي: المطر.

الرابع: النبوة: ومنه قوله تعالى: ( ) [ص: ٩]، أي: مفاتيح النبوة.

الخامس: القرآن: ومنه قوله تعالى: ( ) [يونس: ٥٨]، أي: القرآن.

السادس: الرزق: ومنه قوله تعالى: ( ) [الإسراء: ١٠٠]، أي: رزق ربي.

السابع: النصر والفتح: ومنه قوله تعالى: ( ) [الأحزاب: ١٧]، أي: النصر والفتح.

الثامن: العافية: ومنه قوله تعالى: ( ) [الزمر: ٣٨]، أي: عافية.

التاسع: المودة: ومنه قوله تعالى: ( ) [الحديد: ٢٧]، أي: مودة.

العاشر: التوفيق: ومنه قوله تعالى: ( ) [النساء: ٨٣]، أي: توفيقه.

الحادي عشر: العصمة: ومنه قوله تعالى: ( ) [يوسف: ٥٣].

الألفاظ ذات الصلة

١

الرأفة:

الرأفة لغة:

أصل مادة (ر أ ف) تدل على رقّة ورحمة، وهي الرّأفة (9).

الرأفة اصطلاحًا:

قال الكفويّ: «الرّأفة مبالغة فى رحمة مخصوصة، هي رفع المكروه وإزالة الضرّ»(10).

الصلة بين الرأفة والرحمة:

الرّأفة أخص من الرحمة؛ فالرّأفة: أشد الرحمة (11)، أو الرّأفة: أعلى معاني الرحمة(12)، أو الرّأفة: ألطف الرحمة وأرقها(13).

قال الزجاج رحمه الله: «الرّأفة هي المنزلة الثانية، يقال: فلان رحيم، فإذا اشتدت رحمته فهو رءوف»(14).

٢

القسوة:

القسوة لغةً:

القسوة: الصّلابة في كلّ شيءٍ، والقسوة في القلب تعني ذهاب اللّين والرّحمة والخشوع منه(15).

القسوة اصطلاحًا:

قال الراغب: «القسوة: غلظ القلب»(16).

الصلة بين القسوة والرحمة:

العلاقة بينهما التضاد، فالقسوة ضد الرحمة.

الرحمة في حق الله سبحانه وتعالى

الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان: رحمة ذاتية موصوف بها سبحانه على الوجه اللائق به، وإضافتها إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله تعالى: ( ﭨﭩ) [الأعراف: ١٥٦].

وقوله تعالى: ( ﮮﮯ) [الكهف: ٥٨].

والرحمة الأخرى: رحمة مخلوقة، وهي من أثر صفة الرحمة الذاتية، وإضافتها إليه سبحانه من إضافة المخلوق إلى خالقه كقوله تعالى: ( ) [الأعراف: ٥٧].

وكما جاء في الحديث: (فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي)(17)18.

ورحمة الله وردت في القرآن الكريم صفة له سبحانه، واشتق منها اسمان عظيمان هما الرحمن والرحيم، وسأعرض لما تقدم من خلال النقاط الآتية:

أولًا: ورود الرحمة مفردة صفة لله تعالى:

جاءت رحمة الله في مواضع من القرآن الكريم موصوفة بصفة معينة، ككتابة الله لها على نفسه وكالسعة، والقرب من المحسنين، وسأعرض لهذه الأوصاف والدلالات من خلال الآتي:

١. الرحمة مما كتبه الله سبحانه على نفسه.

ليس لأحد أن يلزم الله شيئًا، ولكن الله يلزم نفسه ما شاء، ومعنى إلزامه أن يـخبر به، ووعده جل وعلا صادق لا يتخلف، فما وعد الله به فهو واجب الوقوع لازمه محتوم؛ لأن الله لا يخلف الميعاد(19).

ومما أخبر الله به سبحانه عن نفسه أنه كتب على نفسه الرحمة، أي: أوجبها على نفسه الكريمة تفضلًا منه وإحسانًا؛ وهذه الكتابة كونية قدرية لم يوجبها عليه أحد(20).

قال ابن حجر رحمه الله: « قوله تعالى: ( ) [الأنعام: ٥٤].

ليس معناه أن ذلك لازم له؛ لأنه لا آمر له، ولا ناهي يوجب عليه ما يلزمه المطالبة به، وإنما معناه إنجاز ما وعد به من الثواب، وهو لا يخلف الميعاد »(21).

وقد ورد إخبار الله سبحانه عن نفسه أنه كتب على نفسه الرحمة في موضعين من سورة الأنعام:

الأول: قوله تعالى: ( ﭹﭺ ﭼﭽ ﭿ ﮁﮂ ﮆﮇ ﮉﮊ ) [الأنعام: ١٢].

بيّن تعالى كمال إلاهيته وقدرته ونفاذ تصرفه في عالم المخلوقات بالكلية، ثم أردفه بكمال رحمته وإحسانه إلى الخلق فقال: ( ﭿ ﮁﮂ) (22).

فقضى أنّه بعباده رحيم، لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة، وهذا منه تعالى استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة(23).

و (ﮁﮂ) هنا الظاهر أنها عامّة، فتعم المحسن والمسـيء في الدنيا، وهي عبارة عن الاتصال بهم والإحسان إليهم، ولم يذكر متعلق الرحمة لمن هي فتعم(24).

قال ابن سعدي رحمه الله: «وقوله: ( ﭿ ﮁﮂ)، أي: العالم العلوي والسفلي تحت ملكه وتدبيره، وهو تعالى قد بسط عليهم رحمته وإحسانه، وتغمدهم برحمته وامتنانه، وكتب على نفسه كتابًا أن رحمته تغلب غضبه، وأن العطاء أحب إليه من المنع، وأن الله قد فتح لجميع العباد أبواب الرحمة، إن لم يغلقوا عليهم أبوابها بذنوبهم، ودعاهم إليها، إن لم تمنعهم من طلبها معاصيهم وعيوبهم»(25).

وقد أورد العلاّمة ابن عاشور رحمه الله عدة معانٍ بديعة في وقوع جملة ( ﭿ ﮁﮂ)معترضة، حيث قال: «وفي هذا الاعتراض معان: أحدها: أنّ ما بعده لـمّا كان مشعرًا بإنذار بوعيد قدّم له التذكير بأنّه رحيم بعبيده، عساهم يتوبون ويقلعون عن عنادهم، على نحو قوله تعالى: ( ﭯﭰ ﭹﭺ ) [الأنعام: ٥٤].

والشرك بالله أعظم سوءٍ وأشدّ تلبّسًا بجهالة، والثاني: أنّ الإخبار بأنّ لله ما في السماوات وما في الأرض يثير سؤال سائل عن عدم تعجيل أخذهم على شركهم بمن هم ملكه. فالكافر يقول: لو كان ما تقولون صدقًا لعجّل لنا العذاب، والمؤمن يستبطىء تأخير عقابهم، فكان قوله: ( ﭿ )جوابًا لكلا الفريقين بأنّه تفضّل بالرحمة، فمنها رحمة كاملة: وهذه رحمته بعباده الصالحين، ومنها رحمة موقّتة وهي رحمة الإمهال والإملاء للعصاة والضّالّين، والثالث: أن ما في قوله: ( ﭹﭺ ﭼﭽ) من التمهيد لما في جملة ( ﮆﮇﮈﮉﮊ) من الوعيد والوعد. ذكرت رحمة الله تعريضًا ببشارة المؤمنين وبتهديد المشركين»(26).

والثاني: قوله تعالى: ( ﭩﭪ ﭯﭰ ﭹﭺ ) [الأنعام: ٥٤].

جاءت هذه الآية إرشادًا من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في شأن فريق من الناس، وهم الذين يجيئون الرسول آنًا بعد آنٍ مؤمنين بآيات الله المثبتة للتوحيد والرسالة، فيدخلون في الإسلام مذعنين لأمر الله ورسوله(27).

ثم بين سبحانه أن المراد بالرحمة في قوله: ( ) غفرانه ما يعمـلون من سوء إذا تابوا وأصلحوا، فقال: ( ﭹﭺ )، فقوله: ( ) مفسر لتلك الرحمة مبين لها(28).

والتوبة لا بد فيها من ترك الذنوب، والنـدم عليها، وإصلاح العمـل، وأداء ما أوجب الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة، فإذا وجد ذلك كله ( ) يصب عليهم من مغفرته ورحمته، بحسب ما قاموا به، مما أمرهم به(29).

وقريب من هذه الآية(30) قوله تعالى: ( ﭿ ﮉﮊ ) [النساء: ١٧].

فمدلول هذه الآية أن الله ليس عليه حق بقبول توبة أحد من المذنبين، وليس الله براجع لأحد منهم إلى ما يحبه من العفو عنه والصفح عن ذنوبه التي سلفت منه، إلا للذين يزاولون المعاصي عن جهل منهم، وهم من عذاب ربهم مشفقون، فيتوبون من ذنوبهم ويراجعون طاعة الله التي ترضيه، ويلازمون الاستغفار والندم على ما فات عازمين على ترك العودة إليه(31).

ومما يجدر الإشارة إليه في ختام الكلام على الآيتين الكريمتين أن ما أخبر الله من أنه سبحانه بأنه كتب على نفسه الرحمة هو الذي دلت عليه السنة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الله جل وعلا كتب في كتاب فهو عنده فوق عرشه: (إن رحمتي غلبت غضبي)(32).

وهذا المعنى هو الذي دلت عليه آيات أخرى من كتاب الله، وهو الذي سيكون عنه الحديث في الفقرة الآتية.

٢. سبق رحمة الله غضبه.

بسط الله سبحانه على عباده رحمته وإحسانه، وتغمدهم برحمته وامتنانه، وكتب على نفسه كتابًا أن رحمته تغلب غضبه، وأن العطاء أحب إليه من المنع، وأن الله قد فتح لجميع العباد أبواب الرحمة(33).

وقد جاء هذا المعنى في عدة آيات من كتاب الله تعالى، ومنها:

قوله تعالى: ( ﭟﭠ ﭩﭪ ) [الأنعام: ١٣٣].

الله سبحانه هو الغني: في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه، الغني عن عباده والكل مفتقر إليه؛ فلا ينفعه إيمان المؤمنين، ولا طاعة الطائعين، كما قال تعالى: ( ﮪﮫ ﮮﮯ) [فاطر: ١٥].

كما لا يضره كفر الكافرين، أو معصية العاصين، كما قال تعالى: ( ﭿ ﮁﮂ ) [إبراهيم: ٨](34).

وفي الحديث القدسي، الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما يرويه عن ربه، أن الله جل وعلا يقول: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا)(35).

والنكتة في الآية: أن الله بما قدّم قبل هذه الآية من آيات أمر ونهي، وبين ما يدخل الجنة وما يدخل النار، ثم نبه خلقه، فكأنه يقول: يا عبادي: لا تظنوا أنني آمركم وأنهاكم لأجل أن أجر بذلك لنفسي نفعًا أو أصرف عنها ضرا ً، لا، أنا الغني بذاتي الغنى المطلق، وإنما النفع لكم لا لي(36).

ثم تليت هذه الصفة بقوله تعالى: ( ﭟﭠ) فأردف الاستغناء بالتفضل وهذا أجمل تناسق(37)، والوصف بذي الرحمة يساوي وصف الرحيم؛ لأن ذو تقتضي رسوخ النسبة بين موصوفها وما تضاف إليه(38)، وقوله: ( ﭟﭠ)، أي: أنه صاحب الرحمة وحده، فهو الرحيم رحمة مطلقة بعباده، ورحمة غيره رحمة نسبية، تليق بالمخلوقات، أما الله تعالى فرحمته واسعة، وسعت كل شيء، خلق الكون والناس برحمته، وخلق العقلاء وكفلهم برحمته، وأنزل من السحاب ماءً مدرارًا برحمته، وخلق من الماء كل شيء حي برحمته، وجعل الأرض مهادًا والجبال أوتادًا برحمته، وخلق الموت والحياة برحمته، وخلق البعث والنشور برحمته، وأنشأ السمع والأبصار والأفئدة برحمته (39).

والمقصود من الوصف بذي الرحمة، تمهيد لمعنى الإمهال الذي في قوله: ( ) أي: فلا يقولنّ أحد لماذا لم يذهب هؤلاء المكذبين، أي: أنه لرحمته أمهلهم إعذارًا لهم(40)؛ فلو شاء لعجل لهم العقاب وسارع إلى إهلاكهم واستخلاف غيرهم، كما أهلك أسلافهم الذين خرجوا من أصلابهم، لكنه تعالى يمهلهم لعلهم يرجعون، ويؤخرهم فعساهم يتوبون(41).

ومن الآيات الدالة على سبق رحمة الله غضبه قوله تعالى: ( ﮮﮯ ﯗﯘ ) [الكهف: ٥٨].

الله واسع المغفرة، يغفر الذنوب، ويتوب على من يتوب، فيتغمده برحمته، ويشمله بإحسانه، وأنه لو آخذ العباد على ما قدمت أيديهم من الذنوب، لعجل لهم العذاب، ولكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل ولا يهمل، والذنوب لا بد من وقوع آثارها، وإن تأخرت عنها مدة طويلة(42).

وفي معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة(43)، كقوله تعالى: ( ﮮﮯ) [النحل: ٦١].

وقوله تعالى: ( ﭡﭢ) [فاطر: ٤٥].

فإنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك جميع من في الأرض، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة؛ لأن العجلة من شأن من يخاف فوات الفرصة، ورب السماوات والأرض لا يفوته شيء أراده(44).

ذكر الله تعالى الكفار بالصفات الموجبة للخزي والخذلان(45) في قوله تعالى: ( ﮕﮖ ﮠﮡ ) [الكهف: ٥٧].

ولما كان هذا مقتضيًا لأخذهم أتبعه بقوله(46): ( ) جريًا على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب والعكس؛ فلما رماهم بقوارع التهديد والوعيد عطف على ذلك التعريض بالتذكير بالمغفرة؛ لعلهم يتفكرون في مرضاته، ثم التذكير بأنه يشمل الخلق برحمته في حين الوعيد، فيؤخر ما توعدهم به إلى حد معلوم، إمهالًا للناس لعلهم يرجعون عن ضلالهم، ويتدبرون فيما هم فيه من نعم الله تعالى فلعلهم يشكرون(47).

ومن استمر منهم ( ) وهو يحتمل أن يكون المراد ما سيكون عليهم من القتل بأيدي المؤمنين في الدنيا، أو ما سيكون عليهم يوم القيامة الذي لا مفر منه(48)، ونظير هذا قوله تعالى: ( ﯨﯩ ) [مريم: ٧٥].

أي: فليهمله الرحمن إمهالًا فيما هو فيه حتى يستدرجه بالإمهال ويموت على ذلك ولا يرجع عنه، بل يستمر على ذلك حتى يرى ما يوعده الله، وهو: إما عذاب في الدنيا بأيدي المسلمين، كقوله: ( ) [التوبة: ١٤]، أو بغير ذلك، وإما عذاب الآخرة إن ماتوا وهم على ذلك الكفر(49).

وهذه سنة الله في الأولين والآخرين، أن لا يعاجلهم بالعقاب، بل يستدعيهم إلى التوبة والإنابة، فإن تابوا وأنابوا، غفر لهم ورحمهم، وأزال عنهم العقاب، وإلا فإن استمروا على ظلمهم وعنادهم، وجاء الوقت الذي جعله موعدًا لهم، أنزل بهم بأسه(50)؛ ولهذا قال: ( ) [الكهف: ٥٩].

وهذا استشهاد على ما فعل بقريش من تعيين الموعد؛ ليتنبهوا لذلك، ولا يغتروا بتأخر العذاب(51).

٣. سعة رحمة الله.

الله سبحانه واسع الرحمة، له كمال الرحمة، ورحمته قد ملأت العالم العلوي والسفلي وجميع المخلوقات، وشملت الدنيا والآخرة(52).

وهذه الرحمة الواسعة التي عمت البر والفاجر، وجميع المخلوقات، دلّ عليها عدة آيات من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ( ) [الأنعام: ١٤٧].

جمع جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة، بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين، هما جلب النفع ودفع الضر(53)، والله سبحانه قرن في عدة آيات من كتابه بين الترغيب في رحمته، والترهيب من عذابه، كقوله: ( ﯿ ) [الحجر: ٤٩-٥٠].

وقوله: ( ) [الأنعام: ١٦٥].

أي: فإن كذبك مخالفوك من المشـركين واليهود ومن شابههم(54)، فقل: ( ) تسع جميع خلقه، المحسن والمسيء، لا يعاجل من كفر به بالعقوبة، ولا من عصاه بالنّقمة، ولا يدع كرامة من آمن به وأطاعه، ولا يحرمه ثواب عمله، رحمةً منه بكلا الفريقين(55).

فالله سبحانه أمهلهم، وأغدق عليهم نعمه، وأعطاهم العافية والإمهال، وهم يكذبون رسله، ويرتكبون مساخطه، ويتمردون عليه، فسبحانه ما أرحمه(56)!

إلا أنه سبحانه مع سعة رحمته؛ فإن سطوته وعذابه لا يردّه إذا أحله عند غضبه على المجرمين، فقال: ( )(57).

وقرن سبحانه بين سعة رحمته وشدة بأسه؛ ليكون الخوف والرجاء جناحين يطير بهما الإنسان إلى امتثال أمر الله، هذا الملك الجبار الذي أدعوكم إليه رحيم عظيم الرحمة الواسعة لمن أطاعه، شديد النكال والبأس لمن عصاه، فعليكم أن تخافوا بأسه ونكاله، وتطمعوا في رحمته فتطيعوه(58).

ومن الآيات الدالة على سعة رحمته قوله تعالى عن حملة العرش ومن حوله: ( ﯓﯔ ﯖﯗ ) [غافر: ٧].

وسعتها عموم تعلقها بكل شيء؛ كما أن سعة علمه تعالى عموم تعلقه بكل معلوم(59).

فما من موجود في الدنيا إلا وقد نالته قسمة من رحمة الله، سواء في ذلك المؤمن والكافر والإنسان والحيوان(60)؛ لأن الله قرن الرحمة مع العلم، فكل ما بلغه علم الله، وعلم الله بالغ لكل شيء، فقد بلغته رحمته، فكما يعلم الكافر، يرحم الكافر أيضًا؛ لكن رحمته للكافر رحمة جسدية بدنية دنيوية قاصرة غاية القصور بالنسبة لرحمة المؤمن، فالذي يرزق الكافر هو الله الذي يرزقه بالطعام والشراب واللباس والمسكن والمنكح وغير ذلك، أما المؤمنون، فرحمتهم رحمة أخص من هذه وأعظم، لأنها رحمة إيمانية دينية دنيوية(61).

وسعة رحمته تتضمن أنّه لا يهلك عليه أحد من المؤمنين به أهل توحيده ومحبته، فإنّه واسع الرحمة، لا يخرج عن دائرة رحمته إلاالأشقياء، ولا أشقى ممن لم تسعه رحمته التي وسعت كلّ شيء(62).

ومن الآيات الدالة على سعة رحمته قوله تعالى: ( ﭨﭩ) [الأعراف: ١٥٦].

وهذه الآية قال عنها ابن كثير رحمه الله: « آية عظيمة الشمول والعموم؛ كقوله إخبارًا عن حملة العرش ومن حوله أنهم يقولون: ( ) [غافر: ٧]»(63).

فرحمته سبحانه وسعت العالم العلوي والسفلي، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه(64)، فالعموم في الرحمة عموم كامل صادق، وقال سبحانه وتعالى: (ﭧﭨ) ولم يقل كل شخص، للإشارة إلى أن الرحمة شاملة عامة للأشياء والأشخاص، فشريعته عدل ورحمة، وإرساله الرسل عدل ورحمة، وخلقه الكون وما فيه من شمس مشرقة مضيئة للكون، وقمر منير، ونجوم ذات بروج، وسحاب ورياح مرسلات رحمة، وهكذا كل ما سخره الله تعالى للإنسان، وما مكنه منه رحمة به(65).

ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ( )(66).

فعموم الرحمة في الآية الكريمة قد ورد ما يخصصه وهو قوله: ( )(67).

قال ابن عادل رحمه الله: «( ﭧﭨ)أي: أن رحمته في الدنيا تعم الكل، وأمّا في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين؛ لقوله هنا: ( )، وهذا من العام الذي أريد به الخاص كقوله: ( ) [النمل: ٢٣]»(68).

فنعيم الجنة رحمة من الله، وقد كتبها الله تعالى للذين يؤمنون بالله وبالآخرة، ولذا قال تعالى: ( ) (69).

وإن كان المتقون هم أهل الرحمة، والرحمة مرصدة لهم؛ فقد دل القرآن الكريم أيضًا على قربها منهم، وهو ماسيكون الكلام عنه في الفقرة الآتية.

٤. قرب رحمة الله من المحسنين.

الله يرحم أهل توحيده المؤمنين به، وكتب رحمته ( ) [الأعراف: ١٥٦].

والذين يتبعون رسوله فهؤلاء هم أهل الرحمة، كما أنهم هم المحسنون، وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان و ( ) [الرحمن: ٦٠] (70).

فالرحمة مرصدة للمحسنين، الذين يتبعون أوامر الله ويتركون زواجره(71)، وقد قرّب الله تعالى رحمته لعباده(72)فقال: ( ) [الأعراف: ٥٦].

وأوضح في موضع آخر صفات عبيده الذين سيكتبها لهم في قوله: ( ﭨﭩ ) [الأعراف: ١٥٦](73).

جاء ذكر قرب رحمة الله من المحسنين عقب جملة من آداب الدعاء هي: الإخلاص فيه لله وحده، وأن يكون القلب خائفًا طامعًا لا غافلًا ولا آمنًا، ولا غير مبال بالإجابة(74) فقال تعالى: ( ﮫﮬ ﯛﯜ ) [الأعراف: ٥٥-٥٦].

ولما كان قوله: ( ﯛﯜ) مشتملًا على جميع مقامات الإيمان والإحسان، وهي الحب والخوف والرجاء، عقّبها بقوله: ( )، أي: إنما تنال من دعاه خوفًا وطمعًا، فهو المحسن، والرحمة قريب منه؛ لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة.

وقوله: ( )، فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور هو الإحسان المطلوب منكم، ومطلوبكم أنتم من الله رحمته، ورحمته قريب من المحسنين، الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه تضرعًا وخفيةً، وخوفًا وطمعًا فقرر مطلوبكم منه، وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه، وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة؛ لأنها إحسان من الله عز وجل أرحم الراحمين، وإحسانه تبارك وتعالى إنما يكون لأهل الإحسان؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وكلما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته، وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة، بعدٌ ببعدٍ، وقربٌ بقرب، فمن تقرب إليه بالإحسان تقرب الله إليه برحمته، ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته، والله سبحانه يحب المحسنين، ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن أبغضه الله فرحمته أبعد شيء منه(75).

فكان في بيان قربه سبحانه من المحسنين من التحريض على الإحسان واستدعائه من النفوس وترغيبها فيه غاية حظ وأشرفه وأجله على الإطلاق، وهو أفضل إعطاء أعطيه العبد، وهو قربه تبارك وتعالى من عبده الذي هو غاية الأماني، ونهاية الآمال، وقرة العيون، وحياة القلوب، وسعادة العبد كلها(76).

ثانيًا: اسما الله تعالى الرحمن والرحيم:

ورد اسما الله تعالى الرحمن والرحيم منفردين في مواضع من كتاب الله، واقترنا في مواضع أخر من كتاب الله، كما اقترن اسم الرحيم بغيره من الأسماء الحسنى، كما اعتبر بعض أهل العلم الأسماء المضافة مثل: أرحم الراحمين، وعدّها من ضمن الأسماء الحسنى(77).وسأعرض لما تقدم من خلال الآتي:

١. ورود كل من الاسمين الكريمين منفردًا كل منهما عن الآخر.

الحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون بجمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمالٌ فوق كمال(78).

وقد ورد اسما الله () و() منفردين في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى، ومنها قوله تعالى: ( ﭪﭫ) [الرعد: ٣٠].

وأما اسم الله () فلم يرد في القرآن منفردًا إلا في ثلاثة مواضع هي:

قوله تعالى: ( ﭷﭸ ﭻﭼ ﭿ ) [النساء: ٢٩].

وقوله تعالى: ( ﯵﯶ ﯸﯹ ) [الإسراء: ٦٦].

وقوله تعالى: ( ﰏﰐ ) [الأحزاب: ٤٣].

و() و() اسمان مشتقان من الرحمة، ورحمان أبلغ من رحيم، و () خاص لله لا يسمى به غيره ولا يوصف، و() يوصف به غير الله تعالى، فيقال: رجل رحيم، ولا يقال: رحمان(79).

والمعنى الذي حمل عليه أكثر أهل العلم الاسمين الكريمين سواءً وردا منفردين أو مقترنين هو: أن () ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، و() ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة. وهذا القول نسبه الشنقيطي رحمه الله إلى أكثر العلماء واختاره(80).

قال ابن كثير رحمه الله: «وقال تعالى: ( ) [طه: ٥].

فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته، وقال: ( ) [الأحزاب: ٤٣].

فخصهم باسمه الرحيم، قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه، والرحيم خاصة بالمؤمنين»(81).

وذكر الشنقيطي رحمه الله قول ابن كثير المتقدم وزاد عليه بقوله: «ومثله قوله تعالى: ( ﮚﮛﮜ ﮝﮞ ﮢﮣ) [الملك: ١٩]، أي: ومن رحمانيته: لطفه بالطير وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء، ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: ( ) [الرحمن: ١-٢].

إلى قوله: ( ) [الرحمن: ١٣] .

وقال: ( ) [الأحزاب: ٤٣]. فخصهم باسمه الرحيم »(82).

٢. ورود الاسمين الكريمين مقترنين.

ورد هذان الاسمان مقترنين في أكثر من موضع من كتاب الله ومنها قوله تعالى في أول آية من كتاب الله تعالى: ( ) [الفاتحة: ١].

وعن سر الجمع بينهما واقترانهما في آية واحدة رأيان لأهل العلم:

الرأي الأول: أن الرحمن والرحيم بمعنىً واحد، وجمع بينهما تأكيدًا.

قال النحاس رحمه الله: «قال قطرب: يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد(83)؛ وهذا قول حسن، وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب يستغني عن الاستشهاد»(84).

وقال ابن العربي رحمه الله: «والصحيح أنهما بمعنىً واحد للتأكيد، كندمان ونديم»(85).

الرأي الثاني: التفريق بين الرحمن والرحيم في المعنى، والجمع بينهما ليس للتأكيد.

وأشهر الأقوال التي ذكرت في معناهما قولان:

القول الأول: أن () ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، و() ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة.

وهذا القول نسبه الشنقيطي رحمه الله إلى أكثر العلماء واختاره(86).

قال الخطابي رحمه الله: «() ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم وأسباب معايشهم ومصالحهم، وعمت الجميع المؤمن والكافر، وأما الرحيم فخاص للمؤمنين كما قال: ( ) [الأحزاب: ٤٣](87)».

وقد أورد بعض أهل العلم على هذا القول إشكالًا؛ وهو قوله تعالى: ( ) [البقرة: ١٤٣](88)؛ فلفظ الناس يشمل المؤمنين والكفار جميعًا.

وأجاب عنه ابن عثيمين رحمه الله بقوله: «هذه هي الرحمة العامة التي بها يعيش الناس في دنياهم برزق الله من طعام، وشراب، وكسوة، وغيرها؛ وأما الرحمة الخاصة فهي للمؤمنين خاصة؛ وبها يحصل سعادة الدنيا، والآخرة، كالعلم والإيمان المثمرين لطاعة الله، ورسوله»(89).

القول الثاني: أن () دال على صفة ذاتية، و() دال على صفة فعلية.

وهذا القول: هو اختيار: القرطبي، وابن القيم، وابن عاشور، وابن عثيمين رحمهم الله(90).

قال القرطبي رحمه الله: «وروي عن أبي عبيدة أنه قال: () ذو الرحمة، و () هو الراحم(91). قال ابن الحصّار: يشير -والله أعلم- إلى () صفة الخالق سبحانه، و () يدل على أفعاله التي يرحم بها عباده، ولله درّه في هذا القول»(92).

إن التفريق بين الرحمن والرحيم في المعنى أولى من القول أنهما بمعنى واحد والجمع بينهما للتأكيد، وهو الذي تعضده قاعدة من قواعد الترجيح عند المفسرين وهي: قاعدة: التأسيس أولى من التأكيد(93).

قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله: «وينسب إلى قطرب: أن () و() يدلان على معنى واحد من الصفة المشبهة، فهما متساويان، وجعل الجمع بينهما في الآية من قبيل التوكيد اللفظي، ومال إليه الزجاج(94)، وهو وجه ضعيف؛ إذ التوكيد خلاف الأصل والتأسيس خير من التأكيد، والمقام هنا بعيد عن مقتضى التوكيد »(95).

٣. اقتران اسم الله الرحيم ببقية الأسماء الحسنى.

اقترن اسـم الله الرحيم بستة أسماء غير اسم الرحمن، وسأذكرها مرتبة حسب الأكثر ورودًا في القرآن، وهي:

الأول: الغفور:

اقترن الاسمان الغفور والرحيم في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كلها تقدّم فيها الغفور على الرحيم إلافي موضع واحد وهو قوله تعالى: ( ﭲﭳ ) [سبأ: ٢]

والغفور: هو الذي يستر الذنوب عن الخلق، ولا يظهرها (96).

والله سبحانه يقرن بين الاسمين الكريمين () و()؛ لأنهما دالان على معنىً متشابه؛ ففي المغفرة زوال المكروب وآثار الذنب، وفي الرحمة حصول المطلوب(97).

وقد أشار إلى هذا المعنى ابن القيم رحمه الله بقوله: «فيجلب لهم الإحسان والنفع على أتم الوجوه برحمته، ويعفو عن زلتهم ويهب لهم ذنوبهم، ولا يؤاخذهم بها بمغفرته، فقال: ( ) [سبأ: ٢]»(98).

وعن سر تقديم الغفور على الرحيم في قوله تعالى: ( ) [سبأ: ٢].

يقول ابن القيم رحمه الله: «وأما قوله: ( ) في سبأ، فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة فإما بالفضل والكمال، وإما بالطبع؛ لأنها منتظمة بذكر أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان، فالرحمة تشملهم، والمغفرة تخصهم والعموم بالطبع قبل الخصوص، كقوله: ( ﭓﭔ)[الرحمن: ٦٨]»(99).

الثاني: العزيز:

اقترن الاسمان العزيز والرحيم في أكثر من موضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى: ( ) [الشعراء: ٩].

والعزيز: هو الذي له العزة كلها: عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع الموجودات، ودانت له الخليقة وخضعت لعظمته(100).

وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين () و () فللإشارة إلى أن العزة على من لم يؤمن منهم، والرحمة لمن آمن(101).

قال أبو حيان رحمه الله: « ( ) [الشعراء: ٩]، أي: الغالب القاهر، ولما كان الموضع موضع بيان القدرة، قدم صفة العزة على صفة الرحمة. فالرحمة إذا كانت عن قدرة، كانت أعظم وقعًا، والمعنى: أنه عز في نقمته من الكفار، ورحم مؤمني كل أمة»(102).

وقال ابن جرير رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: « ( ﭥﭦ ) [الدخان: ٤٢].

وقوله: ( ) يقول جلّ ثناؤه واصفًا نفسه: إن الله هو العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه، وأهل طاعته»(103).

الثالث: التـواب:

اقترن الاسمان التواب والرحيم في أكثر من موضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى: ( ﯿ ﰄﰅ ) [البقرة: ٣٧].

والتواب من أسمائه تعالى، وهو الكثير القبول لتوبة العبد، أو الكثير الإعانة عليها(104).

وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين () و (): أن الرحيم يدل على تفضله سبحانه على عبده مع التوبة بالرحمة، ورحمته إياه إقالة عثرته، وصفحه عن عقوبة جرمه، فقبول التوبة سبب رحمة الله لعبده(105).

قال ابن سعدي رحمه الله: «وختمه كثيرًا من الآيات بهذين الاسمين ( ) بعد ذكر ما يدعو به العبد إلى التعرض من رحمته ومغفرته، وتوفيقه وحلمه، فمناسبته جليلة لكل أحد، وأنه لما كان هو ( )، أقبل بقلوب التائبين إليه، ووفقهم للأخذ بالأسباب التي يتوب عليهم ويرحمهم بها، ثم يغفر لهم ويرحمهم، فتاب عليهم أولًا بتوفيقهم للتوبة وأسبابها، وتاب عليهم ثانيًا حين قبل متابهم وأجاب سؤالهم لطفًا منه ورحمةً بهم»(106).

الرابع: الرؤوف.

اقترن الاسمان الرؤوف والرحيم في أكثر من موضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى: ( ) [البقرة: ١٤٣].

الرءوف: مأخوذ من الرّأفة، وهي أشد الرحمة، وألطف الرحمة(107).

قال الزجاج رحمه الله: «الرّأفة هي المنزلة الثانية، يقال: فلان رحيم، فإذا اشتدت رحمته فهو رءوف»(108).

وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين () و (): فللإفادة أنه تعالى يرحم الرحمة القوية لمستحقها، ويرحم مطلق الرحمة من دون ذلك(109).

قال ابن عثيمين رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: «( ) [البقرة: ١٤٣]: الرءوف: مأخوذ من الرّأفة، وهي أشد الرحمة، وألطف الرحمة، والرحيم: هو ذو الرحمة التي يكون بها الإحسان إلى خلقه، والإنعام عليهم »(110).

الخامس: الودود.

اقترن الاسمان الودود والرحيم في موضع واحد من كتاب الله، هوقوله تعالى: ( ﭭﭮ ) [هود: ٩٠].

والودود من أسمائه تعالى: هو الذي يحب أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده المؤمنين فهو الودود بمعنى الوّاد، وهو المودود، أي: المحبوب الذي يستحق أن يحب الحب كله، وأن يكون أحب إلى العبد من سمعه وبصره وجميع محبوباته(111).

وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين () و () يقول ابن القيم رحمه الله: «وما ألطف اقتران اسم الله الودود بالرحيم؛ فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولايحبّـه، وكذلك قد يرحم من لايحبّ، والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه، ويرحمه ويحبّه مع ذلك فإنه يحب التوابين، وإذا تاب إليه عبده أحبّه ولو كان منه ما كان»(112).

السادس: البر.

اقترن الاسمان البر والرحيم في موضع واحد من كتاب الله، هوقوله تعالى: ( ﯬﯭ ) [الطور: ٢٨].

والبـّر: هو العطوف على عباده، المحسن إليهم، عم ببره جميع خلقه، فلم يبخل عليهم برزقه(113).

وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين ()و() فلأن كليهما عطاء من الله وتكرم، فالرحيم: المريد إكرام عباده المؤمنين في الدنيا بالرزق والعطف والإحسان، وفي الآخرة بالجنة، والبـّر: هو المحسن إلى خلقه؛ عمهم برزقه، وخص من شاء منهم بولايته، ومضاعفة الثواب له على طاعته والتجاوز عن معصيته، وكلا الاسمين فيهما إحسان وإكرام وعطاء وتفضل، وكلا الاسمين نعمة، وهذا كله رحمة(114).

٤. الأسماء المضافة.

ذهب جمع من أهل العلم إلى اعتبار الأسماء المضافة وعدّها من ضمن الأسماء الحسنى(115)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكذلك أسماؤه المضافة مثل: أرحم الراحمين... وغير ذلك ممّا ثبت في الكتاب والسنّة، وثبت في الدّعاء بها بإجماع المسلمين»(116).

ومن الأسماء المضافة ولها تعلق بالرحمة: أرحم الراحمين، وخير الراحمين.

أما أرحم الراحمين: فقد ورد في دعاء أنبياء الله عليهم السلام.

قال تعالى عن موسى عليه السلام: ( ﭿ ﮃﮄ )[الأعراف: ١٥١].

وقال عن يوسف عليه السلام في موضعين: ( ﭕﭖ ﭛﭜ ﭟﭠ )[يوسف: ٦٤].

وقال تعالى: ( ﯓﯔ ﯗﯘ ) [يوسف: ٩٢].

وقال عن أيوب عليه السلام: ( ﭡﭢ ﭦﭧ ) [الأنبياء: ٨٣].

وأرحم الراحمين، أي: الأشد رحمة من كل راحم (117)، ومن يرحم غاية الرحمة(118).

قال ابن جرير رحمه الله: « ( ﮂﮃﮄ )[الأعراف: ١٥١].

يقول: وارحمنا برحمتك الواسعة عبادك المؤمنين، فإنك أنت أرحم بعبادك من كل من رحم شيئًا»(119).

وقال ابن عاشور رحمه الله: «وكون الله تعالى أرحم الراحمين؛ لأن رحمته أكمل الرحمات لأن كل من رحم غيره فإما أن يرحمه طلبًا للثناء في الدنيا، أو للثواب في الآخرة، أو دفعًا للرقة العارضة للنفس من مشاهدة من تحق الرحمة له، فلم يخل من قصد نفع لنفسه، وأما رحمته تعالى عباده فهي خلية عن استجلاب فائدة لذاته العلية»(120).

وأما خير الراحمين: فقد ورد في موضعين من القرآن الكريم في سورة المؤمنون وهي قوله تعالى: ( ﭲﭳ ﭷﭸ ﭽﭾ) [المؤمنون: ١٠٩].

وقوله تعالى: ( ﯻﯼ ﯿ) [المؤمنون: ١١٨].

وخير الراحمين، أي: أفضل من رحم(121)، وخير من رحم (122).

قال الواحدي رحمه الله: « ( ﯿ)، أي: أفضل رحمة من الذين يرحمون»(123).

وقال ابن سعدي رحمه الله: « ( ﯿ) فكل راحم للعبد، فالله خير له منه، أرحم بعبده من الوالدة بولدها، وأرحم به من نفسه »(124).

٥. اقتران الفضل بالرحمة.

اقترن الفضل والرحمة في مواضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى: ( ﭾﭿ ) [البقرة: ٦٤].

وقد ذكر بعض أصحاب الوجوه والنظائر أن الفضل إذا اقترن بالرحمة يكون بمعنى المنة أو النعمة.

قال ابن الجوزي رحمه الله: «ذكر أهل التفسير أن الفضل في القرآن على ثمانية أوجه... السادس: المنة والنعمة، ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ( ) [النساء: ٨٣]... وفي النور: ( ) [النور: ١٠]»(125).

وقال الحيري رحمه الله: في بيان الوجوه التي ورد بها الفضل في القرآن الكريم: «أحدها: المنة كقوله في البقرة: ( ) [البقرة: ٦٤] وحيث كان»(126).

وقال ابن عثيمين رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ( ) [النساء: ١١٣]: «والفضل هو العطاء الزائد، والرحمة أعم؛ لأن الرحمة يكون فيها دفع المكروه وحصول المطلوب، والفضل حصول المطلوب »(127).

وفي كلام ابن جرير ما يدل للمعنى الذي ذكره ابن عثيمين رحمه الله؛ فقد قال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ( ) [النساء: ١٧٥]: «يقول: فسوف تنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه، وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته، ويلحقهم من فضله ما لحق أهل الإيمان به والتصديق برسله»(128).

من وصف بالرحمة في القرآن

الله أرحم الراحمين، جعل الرحمة صفةً له سبحانه، ووصف بها من شاء في كتابه، فوصف كتبه، وأنبياءه، وعباده المؤمنين، وبعض مخلوقاته بالرحمة، وسأعرض لمن وصفهم بها من خلال النقاط الآتية:

أولًا: الكتب السماوية:

نعمة إنزال الكتب من أجل النعم التي أنعم الله بها عباده.

قال تعالى: ( ) [الأنعام: ١٥٤].

قال الخازن: «قوله: () يعني: إنزاله عليهم رحمةً مني عليهم»(129)؛ وذلك لما يحصلون فيه من العلم الكثير، والخير الغزير، وتزكية القلوب والأرواح، وتطهير العقائد، وتكميل الأخلاق، والفتوحات الإلهية، والأسرار الربانية(130).

ومن أعظم الكتب المنزلة: القرآن، والتوراة؛ وجرت العادة أن الله ينوه بالتوراة والقرآن معا؛ لأنهما أعظم الكتب المنزلة؛ لأنه قبل نزول القرآن كانت التوراة أعظم الكتب المنزلة وأجمعها للأحكام، كما قال الله فيه: ( ) [الأنعام: ١٥٤].

فلما نزل القرآن كان أشمل كتاب وأعظمه؛ لأنه جمع الله فيه علوم الأولين والآخرين، وزاد فيه أشياء لم تنزل على غيره؛ ولذا لما نزلت التوراة في قوله: ( ) [الأنعام: ١٥٤].

نوّه بالقرآن العظيم بعده فقال: ( ) [الأنعام: ١٥٥].

ومثل هذا يتكرر في القرآن(131).

وقد ورد وصف كلا الكتابين بالرحمة كما تقدم في الآيتين من سورة الأنعام، كما اقترن وصف الرحمة في كليهما بأوصاف أخرى، كوصفهما بالهدى والبصائر.

قال الشنقيطي رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ( ) [الجاثية: ٢٠]: «وما تضمنته آية الجاثية من أن القرآن بصائر وهدى ورحمة، ذكر تعالى مثله في سورة القصص عن كتاب موسى الذي هو التوراة في قوله تعالى: ( ) [القصص: ٤٣]»(132).

وقد جاءت الرحمة بصيغة التنكير في وصف كلا الكتابين في جميع المواضع التي وردت فيها في القرآن الكريم؛ للدلالة على التعظيم والتفخيم؛ حيث لا يقدر قدرها ولا يدرك شأنها(133).

قال الشوكاني رحمة الله: «والرحمة ما يحصل لهم من الله عند عملهم بما فيها من الرحمة الواسعة»(134).

وقد قصر الله الرحمة التي تضمنتها تلك الكتب على المؤمنين فقط، فقال تعالى في التوراة: ( ﮯﮰ ) [الأعراف: ١٥٤].

فليس كل أحد يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبل ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول الذين ( ) (135)، الذين هم يخافون الله؛ وخصهم لأنهم هم المنتفعون به(136).

وقال تعالى أيضًا عن التوراة: ( ﮣﮤ ﮦﮧ ﮪﮫ) [هود: ١٧].

أي: أنزل الله تعالى إلى تلك الأمة إمامًا لهم، وقدوةً يقتدون بها، ورحمةً من الله بهم؛ فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن؛ ولهذا قال تعالى: ( ﮪﮫ) [هود: ١٧](137).

وقال سبحانه في القرآن: ( ) [يونس: ٥٧].

فالهدى هو العلم بالحق والعمل به، والرحمة هي ما يحصل من الخير والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى به، فالهدى أجل الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب، ولكن لا يهتدي به، ولا يكون رحمة إلا في حق المؤمنين، وإذا حصل الهدى، وحلت الرحمة الناشئة عنه، حصلت السعادة والفلاح، والربح والنجاح، والفرح والسرور (138).

ومما يجدر الإشارة إليه أن التوارة رحمة لمن أنزلت إليهم قبل أن تنسخ بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فكانوا يرجعون إليها في أمور الدين والأحكام، فهداهم الله بها من الضلال؛ وهذا هو السبب للرحمة حتى نسخ الله منها ما نسخ(139)؛ فلا يستدل بالمطبوع من التوراة الذي يغيّر إلى الآن آنًا بعد آنٍ، تقرؤه تجد في ذاته دليل بطلانه، وبرهان بهتانه(140).

ثانيًا: الرسل:

الرحمة صفة الأنبياء والمرسلين، وقد جاء ذلك مصرحًا به في القرآن الكريم؛ فقال تعالى عن نبيه يحيـى عليه السلام ( ﭝﭞ ) [مريم: ١٣].

والحنان هو الرحمة، والعطف والشفقة(141)؛ وقد أعطاه الله هذه الصفة لا بتربية ولا تعليم، فهو مهدي حنون شفيق بمقتضى تكوينه الفطري، ولذا قال تعالى: ( ) (142)، فأعطاه الله تلك الرحمة التي تيسرت بها أموره، وصلحت بها أحواله، واستقامت بها أفعاله (143)، ويجوز أن يكون المعنى أعطيناه رحمةً من لدنا كائنةً فى قلبه يتحنن بها على الناس؛ حتى يخلصهم من الكفر(144).

والمعنيان متلازمان؛ قال البغوي رحمه الله: «ومعنى الآية: وآتيناه رحمةً من عندنا وتحننًا على العباد، ليدعوهم إلى طاعة ربهم»(145).

والحنان صفةٌ ضرورية للنبي المكلف برعاية القلوب والنفوس، وتأليفها واجتذابها إلى الخير في رفق(146)؛ ولذا قال تعالى في وصف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( ﭞﭟ) [آل عمران: ١٥٩].

أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك؛ لأن الأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص؛ فلذا كان من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، معاملة الناس بما يعاملهم به صلى الله عليه وسلم ، من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالًا لأمر الله، وجذبًا لعباد الله لدين الله(147).

وقال تعالى عن نبيه عيسى عليه السلام ( ﯖﯗ ) [مريم: ٢١].

رحمة من الله عز وجل لمريم؛ لما حصل لها من الفخر والثناء الحسن والمنافع العظيمة(148)؛ لأنها صارت به أم نبي، له وجاهته ومكانته في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ( ﯿ ) [آل عمران: ٤٥].

ورحمة من الله به حيث جعله نبيًا يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده في مهده وكهولته، كما قال تعالى: ( ) [آل عمران: ٤٥](149).

ورحمة لمن آمن به؛ لما ينالونه منه من الهداية والخير الكثير؛ لأن كل نبي رحمة لأمته(150).

وخاتم الأنبياء وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وصفه ربه بالرحمة في آيات عدة من كتاب الله، وأخبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه بقوله: (إنما أنا رحمة مهداة)(151).

ومن الآيات التي وصف الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة قوله تعالى: (ﮐﮑ ﮒﮓ ) [الأنبياء: ١٠٧].

اشتملت هذه الآية بوجازة ألفاظها على مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، ومدح مرسله تعالى، ومدح رسالته؛ بأن كانت مظهر رحمة الله تعالى للناس كافة، وبأنها رحمة الله تعالى بخلقه(152).

والرحمة على عمومها في الآية الكريمة، وهذا العموم يحتمل وجهين:

أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته(153)؛ لأن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر، ومنافق، وكان رحمةً للمؤمنين حيث هداهم طريق الجنة، ورحمةً للمنافقين حيث أمنوا القتل، ورحمةً للكافرين بتأخير العذاب(154).

الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنين قبلوا هذه الرحمة، فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمةً لهم لكن لم يقبلوها(155).

وضرب بعض أهل العلم لهذا مثلًا قال: لو فجر الله عينًا للخلق غزيرة الماء، سهلة التنازل، فسقى الناس زروعهم ومواشيهم بمائها، فتتابعت عليهم النعم بذلك، وبقي أناس مفرطون كسالى عن العمل، فضيعوا نصيبهم من تلك العين، فالعين المفجرة في نفسها رحمة من الله، ونعمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه حيث حرمها ما ينفعها(156)، ويوضح ذلك قوله تعالى: ( ) [إبراهيم: ٢٨].

وقال الله تعالى في صفة القرآن: ( ﯧﯨ ﯱﯲ ) [فصلت: ٤٤](157).

ومن الآيات التي وصف الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة قوله تعالى: ( ﯡﯢ ﯬﯭ ﯮﯯ ) [التوبة: ٦١].

كان النبي صلى الله عليه وسلم يسعى في إيصال الخير والرحمة إلى المنافقين مع كونهم في غاية الخبث والخزي، ثم إنهم بعد ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة، وخيراته بالشرور(158)؛ وقد جرأهم على ذلك إغضاؤه صلى الله عليه وسلم عن إجرامهم وإمهالهم حتى يتمكن من الإيمان من وفقه الله للإيمان منهم(159)؛ فإنه لو أمره الله تعالى أن يعاملهم بما يخفون من الكفر لكان ذلك أمرًا بقطع رقابهم، وبقاؤهم خير لهم بالمعنى الذي يعتقدونه من لفظ الخير، وخير لهم في نفس الأمر؛ لأنه إمهال لهم يرجى أن يتوب بسببه من فيه استعداد للإيمان منهم بما يراه من آيات الله، وتأييده لرسوله وللمؤمنين(160).

وخص المؤمنين في قوله: ( ﯬﯭ ﯮﯯ) وإن كان رحمة للعالمين، لأن ما حصل لهم بالإيمان بسبب الرسول لم يحصل لغيرهم، وخصوا هنا بالذكر وإن كانوا قد دخلوا في العالمين لحصول مزيتهم(161).

وعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا: من اتبعه واهتدى بهداه، وصدّق بما جاء به من عند ربه، لأن الله استنقذهم به من الضلالة، وأورثهم باتّباعه جنّاته(162).

ولذا قال أبو الليث السمرقندي رحمه الله: «( ) في السر والعلانية»(163).

ويؤيد هذا القول: قوله تعالى: ( ) فهو مقابل قوله: ( ﯬﯭ ﯮﯯ)، يدل على إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول أو الفعل ينافي الإيمان الذي هو سبب الرحمة، فجزاؤه ضد جزائه وهو العذاب الشديد الإيلام(164).

وقيل المراد بالذين آمنوا هنا: المتظاهرون بالإيمان المبطنون للكفر، وهم المنافقون(165).

وكونه رحمةً لهم؛ لأنه قبل منهم الإيمان الظاهر، لا تصديقًا لهم بل رفقًا بهم، ولم يكشف أسرارهم ولم يهتك أستارهم، وأنه رحمة لهم بقبول ظواهرهم ومعاملتهم بها معاملة المؤمنين(166).

ويؤيد هذا أن الله قال: ( ) فعبر عنهم بالفعل، ولم يقل المؤمنين بالوصف(167).

وهذا القول لم يرتضه عدد من أهل العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث رحمة لمن آمن به حقًا، وأما غير المؤمنين فإنهم لم يقبلوا هذه الرحمة بل ردوها، فخسروا دنياهم وآخرتهم(168).

وأما قولهم: أن الله قال: ( ) فعبر عنهم بالفعل، ولم يقل المؤمنين بالوصف؛ فهذا القول ضعيف؛ لأن كثيرا ًما ناط التنزيل الجزاء على الإيمان بالتعبير عن أهله بالفعل الماضي(169).

وأما تفسيرهم كونه رحمةً بالمنافقين بستره عليهم وقبول الإيمان منهم ظاهرًا؛ فهو خطأ أيضًا؛ لأن ذلك يعتبر استدراجًا من الله لهم، وكيف يكون رحمةً لهم وهم يعيشون في الدنيا في أسوأ حال، وهم يتوقعون في كل يوم أن يوقع بهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا انكشفوا وظهرت حقيقتهم، وسيؤول أمرهم في الآخرة إلى أسوأ حال حيث يكونون في الدرك الأسفل من النار؟!(170).

ومن الآيات التي وصف الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة قوله تعالى: ( ) [التوبة: ١٢٨].

وصف الله رسوله بصفتين من صفاته العلى، وسماه باسمين من أسمائه الحسنى، فإنه قال: (ﯘ ﯙﯚ) وقال: (ﮖﮗﮘ ﮙﮚ) [البقرة: ١٤٣].

وهذا نهاية الكرامة(171).

وتقديم الرأفة باعتبار أن آثارها دفع المضار؛ وتأخير الرحمة باعتبار أن آثارها جلب المنافع والأول أهم من الثاني؛ فهو صلى الله عليه وسلم يسعى بشدة في إيصال الخير والنفع للمؤمنين، وفي إزالة كل مكروه عنهم(172).

ولما كانت الرأفة والرحمة خاصة جاء متعلقها خاصًا وهو قوله: (ﯘ ﯙ ) (173)؛ للاهتمام بالمؤمنين في توجه صفتي رأفته ورحمته بهم، وأما رحمته العامة الثابتة بقوله تعالى: (ﮐﮑ ﮒﮓ ) [الأنبياء: ١٠٧].

فهي رحمة مشوبة بشدة على غير المؤمنين فهو بالنسبة لغير المؤمنين رائف وراحم، ولا يقال: بهم رؤوف رحيم(174).

قال محمد رشيد رضا رحمه الله: «وتخصيص رأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين في مقابلة ما أمر به من الغلظة على الكفار والمنافقين، لا يعارض كون رسالته رحمة للعالمين، كما هو ظاهر، فإن هذه الرحمة مبذولة لجميع الأمم، لعموم بعثته صلى الله عليه وسلم ولكن منهم من قبلها ومنهم من ردّها، وقد بينّا في تفسير (ﭖﭗﭘ) [التوبة: ٧٣]، أنه إنما أمر بذلك صلوات الله تعالى عليه؛ لأن الغالب على طبعه الشريف الرقة والرحمة، والأدب في المقابلة والمعاشرة، وقد قال تعالى: ( ) [آل عمران: ١٥٩]»(175).

ثالثًا: المؤمنون:

وصف الله عباده المؤمنين بالرحمة في عدة آيات من كتابه مدحًا وثناءً عليهم بهذه الصفة، ومنها قوله تعالى: ( ﭓﭔ ﭙﭚ )[الفتح: ٢٩].

ابتدأ الله سبحانه الآية الكريمة بوصف رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( ﭓﭔ)، وهو مشتمل على كل وصف جميل(176)؛ ومن الصفات الجميلة التي وصف الله بها نبيه أنه( ) [التوبة: ١٢٨].

وارتضى لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بالتأسي به، ووصفهم بقوله: ( )(177).

وفي وصف أصحابه بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، مدح عظيم لهم، وجمع بين الوصفين على سبيل الاحتراس، فهم ليسوا أشداء مطلقًا، ولا رحماء مطلقًا، وإنما شدتهم على أعدائهم، ورحمتهم لإخوانهم في العقيدة، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ( ) [المائدة: ٥٤](178).

وفي هذا إيماء إلى أصالة آرائهم وحكمة عقولهم، وأنهم يتصرفون في أخلاقهم وأعمالهم تصرف الحكمة والرشد، فلا تغلب على نفوسهم محمدة دون أخرى، ولا يندفعون إلى العمل بالجبلة وعدم الروية(179)؛ لأن الشدة في محل اللين هي من الحمق والخرق، واللين في محل الشدة هو من الضعف والخور، والسداد والحكمة أن تكون الشدة في محل الشدة، واللين في محل اللين(180).

قال ابن كثير رحمه الله: «وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا برًا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن، كما قال تعالى: ( ﭛﭜ ) [التوبة: ١٢٣].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسّهر)(181)، وقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه)(182)»(183).

ومن الآيات التي وصف الله بها عباده المؤمنين بالرحمة، ما وصف به الحواريين في قوله تعالى: ( ﮋﮌ )[الحديد: ٢٧].

ثناء من الله على أتباع عيسى عليه السلام، وهم الحواريين، الذين اتبعوا عيسى على منهاجه وشريعته(184)، كما قال تعالى: ( ﰑﰒ) [الصف: ١٤].

ووصف لهم بما وصف به صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ( )[الفتح: ٢٩](185).

وعطف الرحمة على الرأفة من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الرأفة رحمة خاصة، تتعلق بدفع الأذى والضر، أما الرحمة فهي أشمل وأعم؛ لأنها عطف وشفقة على كل من كان في حاجة إليها (186).

ومعنى جعل الرأفة والرحمة في قلوب الذين اتّبعوه: أن تعاليم الإنجيل الذي آتاه الله عيسى أمرتهم بالتخلق بالرأفة والرحمة فعملوا بها، أو أن ارتياضهم بسيرة عيسى عليه السلام أرسخ ذلك في قلوبهم وذلك بجعل الله تعالى؛ لأنه أمرهم به ويسـّره عليهم، ذلك أن عيسى بعث لتهذيب نفوس اليهود، واقتلاع القسوة من قلوبهم التي تخلقوا بها في أجيال طويلة، قال تعالى: ( ) [البقرة: ٧٤](187).

بل إن الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ( ﯡﯢ) [المائدة: ٨٢](188).

ولكن بعد أن كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم صاروا أغلظ الناس، أو من أغلظ الناس، كما جرى بين المسلمين وبين النصارى في الحروب الصليبية(189)، وتمالؤهم مع اليهود ضد الإسلام والمسلمين منذ القدم إلى يومنا هذا تبين حقيقة عداوتهم للإسلام والمسلمين(190).

ومن الآيات التي وصف الله بها عباده المؤمنين بالرحمة قوله تعالى: ( ) [البلد: ١٧].

التواصي بالصبر على الشدائد والطاعات، وعن المعاصي والسيئات، والتواصي بالتراحم، من شأنه أن يفتح الباب أمام سائر الفضائل، ويغلق الطريق دون سائر الرذائل، وهذا عنوان أهل الميمنة(191)؛ لأن هاتين الصفتين على رأس الصفات الفاضلة بعد الإيمان بالله(192).

فالصبر ملاك الأعمال الصالحة كلها؛ لأنها لا تخلو من كبح الشهوة النفسانية وذلك من الصبر، والمرحمة ملاك صلاح الجامعة الإسلامية، قال تعالى: ( )[الفتح: ٢٩].

والتواصي بالرحمة فضيلة عظيمة، وهو أيضًا كناية عن اتصافهم بالمرحمة؛ لأن من يوصي بالمرحمة هو الذي عرف قدرها وفضلها، فهو يفعلها قبل أن يوصي بها(193).

وقد قرن الله بين الصبر والمرحمة في الآية الكريمة والناس أربعة أقسام: منهم من يكون فيه صبر بقسوة، ومنهم من يكون فيه رحمة بجزع، ومنهم من يكون فيه القسوة والجزع، والمؤمن المحمود الذي يصبر على ما يصيبه ويرحم الناس(194).

فالذين اتصفوا بالصبر والرحمة، هم الذين وفقهم الله لاقتحام العقبة التي ذكرها الله في الآيات التي تسبق هذه الآية(195).

قال تعالى: ( )[البلد: ١١-١٦].

ففكوا الرقاب، وأطعموا المساكين، وواسوا ذوي القربى في يوم المسغبة؛ ولذا كانوا هم السعداء الممتعون بجنات النعيم(196) ( ) [البلد: ١٨] ؛ الذين يؤتون كتابهم يوم القيامة بأيمانهم، ومن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا، وينقلب إلى أهله مسرورًا(197).

رابعًا: الغيث:

المطر رحمة من الله يرحم بها عباده في الدنيا فيكونون في جدب وفي فقر، ومواشيهم على وشك الهلاك، فيغيثهم الله بالمطر، فتنبت زروعهم وثمارهم وتنعم مواشيهم فتكثر عندهم اللحوم والأسمان والأزباد، وتتوفر عندهم الأشعار والأصواف والأوبار، ينسجون منها اللباس وغيره من الفرش والخيام وما جرى مجرى ذلك. فهذا من غرائب آياته، وعظائم نعمه، فهذا هو أصل النعم الدنيوية على الخلق(198)؛ ولذا سماه الله رحمة في أكثر من موضع من كتابه كما قال تعالى: ( ﮍﮎ ) [الفرقان: ٤٨-٤٩].

فالحياة على هذه الأرض كلها تعيش على ماء المطر إما مباشرة، وإما بما ينشئه من جداول وأنهار على سطح الأرض، ومن ينابيع وعيون وآبار من المياه الجوفية المتسربة إلى باطن الأرض منه، ولكن الذين يعيشون مباشرة على المطر هم الذين يدركون رحمة الله الممثلة فيه إدراكًا صحيحًا كاملًا، وهم يتطلعون إليه شاعرين بأن حياتهم كلها متوقفة عليه، وهم يترقبون الرياح التي يعرفونها تسوق السحب، ويستبشرون بها؛ ويحسون فيها رحمة الله إن كانوا ممن شرح الله صدورهم للإيمان(199).

فإذا انقطع عنهم المطر مدة وظنوا أنه لا يأتيهم، وأيسوا وعملوا لذلك الجدب أعمالًا، فينزل الله الغيث وينشر به رحمته من إخراج الأقوات للآدميين وبهائمهم، فيقع عندهم موقعًا عظيمًا، ويستبشرون بذلك ويفرحون(200)، كما قال تعالى: ( ﯥﯦ ) [الشورى: ٢٨]

وقد أمرهم تعالى أن ينظروا نظرة تعقل واتعاظ واستبصار، إلى الآثار المترتبة على نزول المطر، وكيف أن نزوله حول النفوس من حالة الحزن إلى حالة الفرح، وجعل الوجوه مستبشرة بعد أن كانت عابسة يائسة(201)، كما قال تعالى: ( ﯱﯲ ﯿ ﰄﰅ ﰉﰊ )[الروم: ٤٨-٥٠].

فبعد أن بينّ استبشار الناس بنزوله بعد الإبلاس؛ اعترض بذكر الأمر بالنظر إلى أثر الرحمة وإغاثة الله عباده حين يحيي لهم الأرض بعد موتها بالجفاف، والأمر بالنظر للاعتبار والاستدلال(202)؛ فبعد ما كانت أرضهم مقشعرة هامدة أصبحت وقد اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؛ ولهذا قال: ( ﯿ)، يعني: المطر، ( ﰄﰅ)(203).

موجبات رحمة الله تعالى

إن رحمة الله جل وعلا تستجلب بأسباب ذكرها الله في كتابه، ومن هذه الأسباب:

١. الإيمان والهجرة والجهاد.

الإيمان الصحيح الذي يحشو قلوب أهله بحب الله وتعظيمه، ويجعلهم يتفانون في طاعة الله ورسوله ويفضلونها على الأهل والعشيرة والأوطان والمال والإخوان والجاه وكل متع الدنيا ولذاتها، فيهجرونها في سبيل الله، ويعرضون أنفسهم للمكابد؛ والمكائد، فيجاهدون ابتغاء وجهه الكريم(204)؛ فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله، لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة(205)، كما قال تعالى: ( ﯜﯝ ) [البقرة: ٢١٨].

وبين جل وعلا في موضع آخر أن من قام بهذه الأعمال المذكورة، أنهم أعظم درجة عند الله من جميع الخلق(206)، فقال: ( ﯻﯼ ﯿ) [التوبة: ٢٠].

ثم بين الدرجة العظيمة التي في قوله: ( ﯻﯼ) بقوله: ( ﭞﭟ ) [التوبة: ٢١-٢٢].

فتلك الدرجة: هي عناية الله تعالى بهم بإدخال المسرة عليهم، وتحقيق فوزهم، وتعريفهم برضوانه عليهم، ورحمته بهم، وبما أعد لهم من النعيم الدائم(207).

٢. طاعة الله ورسوله؛ وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

انتظمت هذه الطاعات والعبادات التي جعلها الله من موجبات رحمته في آية من كتاب الله تعالى، أبان الله فيها حسن حال المؤمنين والمؤمنات في الحال والمآل فقال: ( ﮕﮖ ﮢﮣ ﮦﮧ ) [التوبة: ٧١].

وابتدأها بالإشارة إلى أنّ اللحمة الجامعة بينهم هي ولاية الإسلام، فهم فيها على السواء ليس واحد منهم مقلّدًا للآخر، ولا تابعًا له على غير بصيرة؛ لما في معنى الولاية من الإشعار بالإخلاص والتناصر(208).

ثم بين الصفات التي أوجبت لهم رحمة الله.

ومنها: طاعة الله ورسوله التي هي سبب للرحمة(209) كما تعالى: ( ﯿ ) [آل عمران: ١٣٢].

وقال تعالى: ( ) [النور: ٥٦].

فأمر الله المؤمنين أن يطيعوا اللّه في كل ما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن يكونوا في ذلك مطيعين للرسول صلوات الله وسلامه عليه، سالكين وراءه فيما به أمرهم، وتاركين ما عنه زجرهم، لعلكم بهذه الطاعة تكونون في رحمة من الله؛ ولا شك أن من فعل ذلك أن الله سيرحمهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ( ﮦﮧ) [التوبة: ٧١](210).

والمراد: أنه تعالى يتعهد المؤمنين والمؤمنات برحمته الخاصة المستمرة في مستقبل أمرهم في الدنيا والآخرة، باستمرارهم على طاعته وطاعة رسوله(211).

ومن الصفات التي أوجبت لهم رحمة الله: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما قال تعالى: ( ) [النور: ٥٦].

الصلاة والزكاة أكبر الطاعات وأجلهما، جامعتان لحقه وحق خلقه، للإخلاص للمعبود، وللإحسان إلى العبيد فمن أراد الرحمة، فهذا طريقها، ومن رجاها من دون إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة الرسول، فهو متمنٍ كاذب، وقد منّته نفسه الأماني الكاذبة(212).

وخص الله الزكاة بكونها سببًا من أسباب الرحمة في قوله تعالى: ( ﭨﭩ ) [الأعراف: ١٥٦].

وخصها دون ما عداها من الطاعات؛ لأن النفوس شحيحة ففتنته تقتضي أن يكون المانعون للزكاة أكثر من التاركين غيرها من الطاعات(213).

ويفهم من هذه الآية من مفهوم مخالفتها: أن الذين لا يتقون الشرك ولا المعاصي، ولا يؤتون الزكاة لا تكتب لهم هذه الرحمة، وقد بين تعالى ذلك في قوله: ( ﮓﮔ) [فصلت: ٦-٧](214).

ومن الصفات التي أوجبت لهم رحمة الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ( ﮕﮖ ﮢﮣ ﮦﮧ ) [التوبة: ٧١].

وهاتان الصفتان من أخص صفات المؤمنين التي يمتازون بها على المنافقين وعلى غيرهم من الكفار، هما سياج حفظ الفضائل، ومنع فشو الرذائل(215)، والمعروف اسم جامع، لكل ما عرف حسنه، من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، وأول من يدخل في أمرهم أنفسهم، والمنكر كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة(216).

ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو بعيد عن رحمة الله، مستحق لغضب الله ولعنته، كما قال تعالى: ( ﭿ ) [المائدة: ٧٨]

فهذه الصفات الأربع استوجب بها المؤمنون رحمة الله.

وبعد أن بيّن صفاته ورحمته لهم إجمالًا بقوله: ( ﮦﮧ)؛ بين ما وعدهم به من الجزاء المفسر لرحمته تفصيلًا؛ للتنبيه على أنّ تلك الرحمة هي هذه الأشياء(217) فقال: ( ﯝﯞ ﯢﯣ ) [التوبة: ٧٢].

٣. الصبر.

الصابرون المحتسبون على المصائب، عليهم من ربهم الرحمن الرحيم صلواته العامة ورحمته الخاصة(218)، كما قال تعالى: ( ﭸﭹ ﭿ ) [البقرة: ١٥٥-١٥٧].

فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة؛ ثناء وتنويه بحالهم ورحمة عظيمة، أولها توفيقه إياهم للصبر الذين ينالون به الأجر، وجبرهم في مصيبتهم بأن يخلف عليهم خيرًا منها(219).

فالله تعالى لم يمن على عباده الصابرين بالمغفرة والرضوان فقط، وحسبهما جزاءً للصبر ولكن منّ بالرحمة، رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء، فرحمهم في الدنيا بالهداية والتوفيق لفعل الخير، ورحمهم في الآخرة بالنعيم المقيم(220).

وهذه الرحمة يحسدهم عليها الكافرون، فإن الكافر الذي حرم من هذه الرحمة، إذا نزلت به المصيبة تضيق به الأرض بما رحبت، حتى لقد يقضي على نفسه بيده إذا لم يجد وسيلةً للخلاص مما حلّ به(221)؛ فمن لم يصبر فهو محروم من صلوات الله ورحمته وهدايته(222).

٤. العفو.

القصاص في النفس والجراح كان حتمًا في التوراة على اليهود، ولم يكن لهم أخذ الدية، وكان في شرع النصارى الدية ولم يكن لهم القصاص، فخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص وبين العفو عن الدية تخفيفًا منه ورحمة(223)، قال تعالى: ( ﮐﮑ ﮗﮘ ﮣﮤ ﮩﮪ ) [البقرة: ١٧٨].

فالإسلام قد جمع في تشريعه الحكيم لعقوبة القتل بين العدل والرحمة، فالأخذ بالقصاص عدل، والأخذ بالعفو رحمة(224).

وكان العفو والدية تخفيفًا من الله إذ فيه انتفاع الولي بالدّية، وحصول الأجر بالعفو استبقاء مهجة القاتل، وبذل ما سوى النفس هين في استبقائها(225).

وقد رغب الشارع في العفو بما يحرك عاطفة الرحمة والحنان(226)؛ بذكر الأخوة الرابطة التي لم يقطعها الاعتداء؛ لأنها برباط الله تعالى فلا يفكه العبد(227)، فقال: ( ﮣﮤ) ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانًا(228).

وإنما كانوا العفو رحمة؛ لأن من استبقى مهجتك بعد استحقاق إتلافها فقد رحمك؛ وأي رحمة أعظم من ذلك؟ ولعل القاتل المعفو عنه يستقل من الأعمال الصالحة في المدة التي عاشها بعد استحقاق قتله ما يمحو به هذه الفعلة الشنعاء، فمن الرحمة إمهاله لعله يصلح أعماله(229).

وكذلك العفو رحمة بالعافي إذ به يتخلص من الأحقاد، وأضغانها، ورحمة بالأمة لكونه بدل أن ينقص عددها اثنين ينقص إلى واحد، وبدل أن تتبادل الدماء تنتهي المعركة(230).

فبالعدالة والرحمة تسعد الأمم وتطمئن في حياتها؛ إذ العدالة هي التي تكسر شر النفوس، وتغسل غل الصدور، وتردع الجاني عن التمادي في الاعتداء، لأنه يعلم علم اليقين أن من وراء الاعتداء قصاصًا عادلًا، والرحمة هي التي تفتح الطريق أمام القلوب لكي تلتئم بعد التصدع وتتلاقى بعد التفرق، وتتواد بعد التعادي، وتتسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو؛ فلله هذا التشريع الحكيم الذي ما أحوج العالم إلى الأخذ به، والتمسك بتوجيهاته(231).

٥. الموت في سبيل الله.

الموت في سبيل الله، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني(232)، كما قال تعالى: ( ) [آل عمران: ١٧٥].

في هذه الآية ترغيب للمؤمنين في الجهاد وأنه مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون؛ وتعزية لهم وتسلية مما أصابهم في سبيل الله تعالى(233)؛ لأنه سبحانه لا يختارهم لشيء أفضل مما عنده، ولا يختار الجزاء الدنيوي فقط مهما عظم وضخم؛ لأنه لا يساوي شيئًا مما في الآخرة، فبموت المؤمن أوقتله يتخلص من عدوه ويلحق بمحبوبه الرب العظيم، فكان جزاؤه منه سبحانه المغفرة والرحمة التي لا تعدلها الدنيا ثمنًا(234)؛ لأن الشيء يعظم بعظم باذله ( )(235)؛ وجمع بينهما ليكمل للإنسان سعادته؛ إذ بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب(236)، فالمغفرة تمحو ما كان من ذنوبه، والرحمة ترفع درجاته(237).

وذكر رحمة الله تعالى في هذا المقام؛ لكيلا تذهب نفوس المؤمنين حسرة على من ماتوا منهم، فإنهم ليسوا في شقاء بل هم في نعيم، ( ﮛﮜ ) [آل عمران: ١٦٩](238).

٦. الاعتصام بالله.

وعد الله المؤمنين المعتصمين به بالرحمة والفضل والهداية، فقال تعالى: ( ) [النساء: ١٧٥].

فالذين اعترفوا بوجوده واتصافه بكل وصف كامل، وتنزيهه من كل نقص وعيب، ولجأوا إليه واعتمدوا عليه، وتبرؤوا من حولهم وقوتهم واستعانوا بربهم(239)؛ ستنالهم الرحمة العاجلة والآجلة(240)، الرحمة العاجلة في الدنيا بأن يكونوا في سعادة واطمئنان وهدوء بال(241)؛ لأن أنعم الناس بالًا وأشدهم انشراحًا في الصدور هم المؤمنون المعتصمون بالله(242)، وأما الرحمة الآجلة فهي النعيم المقيم، وجنات عدن خالدين فيها أبدًا(243).

ومن لم يؤمن بالله ويعتصم به ويتمسك بكتابه، منعهم من رحمته، وحرمهم من فضله، وخلى بينهم وبين أنفسهم، فلم يهتدوا، بل ضلوا ضلالًا مبينًا، عقوبةً لهم على تركهم الإيمان فحصلت لهم الخيبة والحرمان، نسأله تعالى العفو والعافية والمعافاة(244).

٧. التقوى.

تقوى الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه سبب لرحمة أرحم الراحمين(245)، كما قال تعالى: ( ﭨﭩ ) [الأعراف: ١٥٦].

فرحمته سبحانه وسعت العالم العلوي والسفلي، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ( ) (246) [الأعراف: ١٥٦].

لأن الإقبال إلى الله عز وجل، واجتناب معصيته -الذي هو التقوى- سبب للرحمة(247)، كما قال الله تعالى: ( ) [يس: ٤٥].

أي: فيرحمكم ربكم إن أنتم حذرتم ذلك، واتقيتموه بالتوبة من شرككم والإيمان به، ولزوم طاعته فيما أوجب عليكم من فرائضه(248).

ولذا قال نبي الله نوح عليه السلام لقومه: ( ﮠﮡ ) [الأعراف: ٦٣].

أي: لينذركم العذاب الأليم، وتفعلوا الأسباب المنجية من استعمال تقوى الله ظاهرًا وباطنًا، وبذلك تحصل عليهم وتنزل رحمة الله الواسعة(249).

قال الرازي رحمه الله: «وهذا الترتيب في غاية الحسن؛ فإن المقصود من البعثة الإنذار، والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي، والمقصود من التقوى الفوز بالرحمة في دار الآخرة»(250).

بل جاء ما يدل على زيادة الرحمة لأهل التقوى فقال تعالى: ( ﯔﯕ ﯝﯞ ) [الحديد: ٢٨].

فهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم أعطاهم الله(ﯔﯕ ) لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا الله تعالى: أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، أو أجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد بها تكرار الإيتاء مرة بعد أخرى(251).

٨. قراءة القرآن والاستماع والإنصات إليه.

الطريقة الموصلة لنيل الرحمة بالقرآن، والحصانة من نزغ الشيطان، هي الاستماع له إذا قرئ، والإنصات مدة القراءة (252) كما قال تعالى: ( )[الأعراف: ٢٠٤].

وقد جاء الأمر بالاستماع والإنصات بعد أن وصف القرآن بأنه بصائر وهدى ورحمة في قوله: ( ﮤﮥ ﮭﮮ ) [الأعراف: ٢٠٤] ؛ لأنّ الذي اشتمل على هذه الأوصاف من البصائر والهدى والرحمة حريّ بأن يصغى إليه، حتى يحصل منه للمنصت هذه النتائج العظيمة وينتفع بها؛ فيستبصر من العمى ويهتدي من الضلال ويرحم بها(253).

والخطاب في قوله: () إن كان للكفار فترجى لهم الرحمة باستماعه والإصغاء إليه بأن كان سببًا لإيمانهم، وإن كان للمؤمنين فرحمتهم هو ثوابهم على الاستماع والإنصات والعمل بمقتضاه، وإن كان للجميع فرحمة كلّ منهم على ما يناسبه(254).

فمن لازم الاستماع والإنصات؛ حين يتلى كتاب اللّه، فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًا متجددًا، وهدًى متزايدًا، وبصيرةً في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما؛ فدل ذلك على أن من تلي عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خيركثير (255).

٩. البراءة من عبادة غير الله.

اعتزال المؤمن قومه الكفار ومعبوديهم من أسباب لطف الله به ورحمته(256)، كما قال تعالى عن أصحاب الكهف: ( ) [الكهف: ١٦].

فهؤلاء الفتية بعد تقريرهم لعقيدة التوحيد، وإبطالهم لعقيدة الشرك وبراءتهم من الكفر وأهله بينوا واجبهم الذي يتحتم عليهم فعله، وهو اعتزال قومهم، وما يعبدون من دون الله، والبراءة من شركهم(257).

فلما اعتزلوه أمرهم الله بالتوجه للكهف؛ وفي هذا دليل على ما كانوا عليه من التوكل حيث أووا إلى كهف، ورتبوا على مأواهم إليه نشر رحمة الله عليهم، وتهيئة رفقه تعالى بهم؛ لأن من أخرجهم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان لا يضيعهم(258).

وقبل هذا أخبر سبحانه أنهم دعوه بقولهم: ( ) [الكهف: ١٠].

فجمعوا بين التبري من حولهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم، ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا جرم أن الله نشر لهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقًا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خلقه، ونشر لهم من الثناء الحسن، ما هو من رحمته بهم، ويسر لهم كل سبب، حتى المحل الذي ناموا فيه، كان على غاية ما يمكن من الصيانة(259).

وفي معنى هذه الآية أيضًا قوله تعالى في نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ( ﯼﯽ ﯿ ) [مريم: ٥٠].

واعتزالهم إياهم هو مجانبتهم لهم، وفرارهم منهم بدينهم(260).

والرحمة تذكر هنا؛ لأنها هبة الله التي تعوض إبراهيم عن أهله ودياره، وتؤنسه في وحدته واعتزاله(261).

والأظهر أنها عامة لكل خير ديني ودنيوي أوتوه ممالم يؤت أحد من العالمين؛ وإن كان ذكرها بعد جعلهم أنبياء إيذانًا بأن النبوة من باب الرحمة التي يختص بها من يشاء(262).

قال ابن سعدي رحمه الله: «( ) يشمل جميع ما وهب الله لهم من الرحمة، من العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والذرية الكثيرة المنتشرة، الذين قد كثر فيهم الأنبياء والصالحون»(263).

١٠. قيام الليل.

العابد لربه الطائع له، يقضي ساعات الليل في القيام والسجود لله، يخاف عذاب الآخرة، ويأمل رحمة ربه(264)، أي: حصولها(265)، كما قال تعالى: ( ﯱﯲ ﯺﯻ ﯽﯾ ﯿ)[الزمر: ٩].

فوصفه الله بأفضل العبادات الظاهرة وهي الصلاة، في أفضل الأوقات وهو أوقات الليل، ووصف عمل قلبه بالخوف والرجاء، فهو بين الخوف من سيئاته وفلتاته، وبين الرجاء لرحمة ربه أن يثيبه على حسناته(266)، فيدخله الجنة(267).

١١. الإصلاح بين المؤمنين.

من حقوق المؤمنين الإصلاح بينهم، وبه تحصل لهم الرحمة من الله عز وجل(268)، كما قال تعالى: ( ﯞﯟ ﯡﯢ )[الحجرات: ١٠].

فالمؤمنون إخوة في الدين والعقيدة، يجمعهم أصل واحد وهو الإيمان، كما يجمع الإخوة أصل واحد وهو النسب، وكما أن أخوة النسب داعية إلى التواصل والتراحم والتناصر في جلب الخير، ودفع الشر، فكذلك الأخوة في الدين تدعوكم إلى التعاطف والتصالح(269)، ومن ذلك إذا وقع الاقتتال بينهم، الموجب لتفرق القلوب وتباغضها وتدابرها.

وقد رتب الله على الإصلاح بين المؤمنين وبتقوى الله، الرحمة(270)؛ وإنما اختيرت الرحمة لأن الأمر بالتقوى واقع إثر تقرير حقيقة الأخوة بين المؤمنين، وشأن تعامل الإخوة الرحمة، فيكون الجزاء عليها من جنسها(271).

وإذا حصلت الرحمة، حصل خير الدنيا والآخرة، ودل ذلك على أن عدم الاقتتال والتنازع بين المؤمنين، من أعظم حواجب الرحمة(272).

أسباب اليأس والقنوط من رحمة الله

عرض القرآن الكريم لعدد من أسباب اليأس والقنوط من رحمة الله؛ ومن هذه الأسباب:

١. الجهل بالله تعالى وسعة رحمته.

من أنعم الله عليه بالهداية والعلم العظيم، فلا سبيل إلى القنوط إليه لأنه يعرف من كثرة الأسباب والوسائل والطرق لرحمة الله شيئًا كثيرًا(273)؛ كما ذكر الله تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام لما بشرته الملائكة بالولد مع كبر سنه وحال زوجه التي يستبعد معها حصول الولد: ( )[الحجر: ٥٥-٥٦].

فأجابهم بأنه ليس بقانط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر وأسنت امرأته؛ فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك(274)، لكنه قال ذلك على وجه التعجب والتفكر في عظيم قدرة الله ورحمته(275).

وإنما يقنط من رحمة الله القوم الذين أخطؤوا سبيل الصواب، وتركوا قصد السبيل في تركهم رجاء الله؛ لأنهم لا علم لهم بربهم، وكمال اقتداره فضلّوا بذلك عن دين الله(276).

وقد كان القانط من رحمة الله ضالًا؛ لأن من علم أن الله على كل شيء قدير لم يستبعد شيئًا على قدرة الله، ومن علم أن الله رحيم لا يستبعد أن يرحمه الله سبحانه(277).

قال الرازي رحمه الله: «القنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا عند الجهل بأمور: أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادرًا عليه، وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالمًا باحتياج ذلك العبد إليه، وثالثها: أن يجهل كونه تعالى منزهًا عن البخل والحاجة والجهل؛ فكل هذه الأمور سبب للضلال، فلهذا المعنى قال: ( )[الحجر: ٥٦]»(278).

والمعنى الذي قاله إبراهيم عليه السلام ، قاله أيضًا يعقوب عليه السلام لبنيه في قوله: ( ﭛﭜ ) [يوسف: ٨٧].

فروح الله رحمته، وفرجه، وتنفيسه(279)، وقد كان اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين؛ إذ فيه: إما التكذيب بالربوبية؛ وإما الجهل بصفات الله تبارك وتعالى(280)، جهل بقدرته وسعة رحمته، وجهل لما لله فى عباده من حكم بالغة ولطف خفي، أما المؤمن حقًا فلا تقنطه المصايب ولا الشدائد من رحمة ربه وتفريجه لكربه(281).

٢. إسراف العبد على نفسه في المعاصي والإفراط فيها.

فيصر عليها ويصمم على الإقامة على المعصية، ويقطع طمعه من رحمة الله؛ لأجل أنه مقيم على الأسباب التي تمنع الرحمة (282)؛ وهذا ما يلمح إليه قوله سبحانه: ( ﮮﮯ ﯔﯕﯖ ) [الزمر: ٥٣].

الخطاب في قوله: ( ) جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك؛ لأن الله عم بقوله: ( )جميع المسرفين، فلم يخصص به مسرفًا دون مسرف(283)، وكلهم مظنة تطرق اليأس من رحمة الله إلى نفوسهم(284)؛ فأهل الشرك لما دعوا إلى الإيمان بالله قالوا: كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا، وقتلنا النفس التي حرّم الله، والله يعد فاعل ذلك النار، فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان، وأهل المعاصي من أهل الإيمان يقولون: كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فيبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليهم الرحمن(285).

وفي نسبة عبوديتهم إلى الله تعالى إيماء إلى أن شأن الرب الرحمة بعباده(286)، ولكن لهذه الرحمة ونيلها أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى اللّه تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم أيها المسرف إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم(287).

٣. عدم الصبرعند حصول المحن، والشكر عند حصول المنن.

الصبر خير كله، وهو أول صفات المؤمنين، ومن الصبر ألا يكفر عند النعمة، وألا ييأس عند النقمة(288)، كما قال تعالى: ( ﯓﯔ ) [هود: ٩-١١].

فإذا أعطي الإنسان نوعًا من أنواع النعم كرخاء عيش، وبسطة رزق، وصحة، وأمن، وولد بار، فكان شديد الاغتباط بها، ثم سلب تلك النعمة بما يحدث من الأسباب التي قدرها الله فى الخليقة كالمرض والموت والعسر، فإنه يظل فى هذه الحال شديد اليأس من الرحمة، قاطعا ً للرجاء من عود تلك النعمة، كثير الكفران لغيرها من النعم التي لا يزال يتمتع بها فضلًا عما سلف منها؛ فهو يجمع بين اليأس مما نزع منه، والكفر بما بقي له؛ لحرمانه من فضيلتي الصبر والشكر(289).

ولذا استثنى تعالى الصابرين على الضراء وعاملي الصالحات، ومنها: الشكر على النعماء(290) من هذا الجنس بقوله: ( )؛ لأنهم إن نالتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا(291)؛ فكان جزاؤهم( ) غفران ذنوبهم التي يزول بها عنهم كل محذور، والفوز بجنات النعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين(292).

وما تضمنته هذه الآيات من أن عدم الصبر عند حلول المصايب، والشكر عند حلول النعم من أسباب اليأس والقنوط من رحمة الله دلت عليه آيات أخرى، كقوله تعالى: ( ﯚﯛ ﯟﯠ) [الإسراء: ٨٣].

فالنعمة تطغى وتبطر ما لم يذكر الإنسان واهبها فيحمد ويشكر، والشدة تيئس وتقنط ما لم يتصل الإنسان بالله، فيرجو ويأمل، ويطمئن إلى رحمة الله وفضله، فيتفاءل ويستبشر، ومن هنا تتجلى قيمة الإيمان، وما فيه من رحمة في السراء والضراء سواء(293).

وقوله تعالى: ( ﭼﭽ ﭿ ) [الروم: ٣٦].

فهم يفرحون بها فرح البطر الأشر، الذي لا يقابل نعم اللّه تعالى بالشكر، ولا يستعملها فيما خلقت له؛ فالمراد بالفرح هنا: الجحود والكفران للنعم، وليس مجرد السرور بالحصول على النعم، وإن أصابتهم مصيبة بسبب شؤم معاصيهم، وإهمالهم لشكر اللّه تعالى على نعمه أسرعوا باليأس من رحمة اللّه، وقنطوا من فرجه، واسودت الدنيا في وجوههم، شأن الذين لا يعرفون سنن الله تعالى في خلقه، والذين يعبدون اللّه على حرف، فهم عند السراء جاحدون مغرورون، وعند الضراء قانطون يائسون(294).

من مظاهر رحمة الله وآثارها

ما يفتحه للناس من رحمته وإنعامه عليهم بجميع أنواع النعم، لا يقدر أحد كائنًا ما كان أن يمسكه عنهم، وما يمسكه عنهم من رحمته وإنعامه لا يقدر أحد كائنًا من كان أن يرسله إليهم، وهذا معلوم بالضرورة من الدين(295)، كما قال تعالى: ( ﯣﯤ ﯫﯬ ) [فاطر: ٢].

فخزائن الرحمات بيد الذي يقول للشيء: كن فيكون، يجود بها على من يشاء من عباده(296)، وعبر عن إرسالها بالفتح؛ إيذانًا بأنها أنفس الخزائن التي يتنافس فيها المتنافسون وأعزها منالًا(297).

والرحمة المذكورة في الآية عامة في كل ما يرحم الله به خلقه من الإنعام الدنيوي والأخروي، كفتحه لهم رحمة المطر، كما قال تعالى: ( ﯿ ﰄﰅ ﰉﰊ )[الروم: ٥٠].

ومن رحمته إرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ كقوله تعالى: ( ﭰﭱ) [القصص: ٨٦](298).

وقد عرض القرآن الكريم لعدد من مظاهر رحمة الله في القرآن الكريم، ومنها:

١. إرسال الرسل وإنزال الكتب.

إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلها القرآن رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة فإنه من أجل ذلك وسببه(299)؛ كما قال تعالى: ( ﭨﭩ ﭫﭬ ﭭﭮ ﭰﭱ ﭲﭳ ) [الدخان: ٦].

وقد جاء في القرآن الكريم إطلاق الرحمة على النبوة في غير موضع، كما في قوله تعالى: ( ﯰﯱ ﯶﯷ ) [البقرة: ١٠٥].

فالنبوة وما أيدها من الوحي والقرآن والنصر وهو المعبر عنه بالرحمة في قوله: ( )(300)، وإنما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه، وهدايته من هدى من عباده، رحمة منه له ليصيره بها إلى رضاه ومحبته وفوزه بها بالجنة، واستحقاقه بها ثناءه؛ وكل ذلك رحمة من الله له(301).

ومن إطلاق النبوة على الرحمة ما ذكره الله عن هارون عليه السلام وأن نبوته رحمة في قوله تعالى: ( ﰏﰐ ) [مريم: ٥١-٥٣].

فالهبة في قوله: () هي في الحقيقة واقعة على رسالته لا على نفس هارون؛ لأن هارون أكبر من موسى(302)؛ كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته(303).

ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيًا، قال الله تعالى: ( ) [مريم: ٥٣](304).

ومن إطلاق النبوة على الرحمة قوله تعالى عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ( ﭽﭾ ﭿ ﮂﮃ ) [القصص: ٤٦].

فبعثة الرسول بما أوحاه الله إليه من الوحي رحمة من الله له ولهم(305)؛ فثبت بالدليل القطعي صحة رسالته، ورحمة الله به للعباد(306).

ومن إطلاق النبوة على الرحمة قوله تعالى: ( ﮫﮬ ) [ص: ٨-٩].

فالنبوة عطية من الله عز وجل يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفين(307)، وليس الاختيار لهؤلاء المشركين المنكرين وحي الله إلى محمد؛ ولكنها بيد العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه، ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد، ما من الله به عليك من الكرامة، وفضّلك به من الرسالة(308).

ونظير هذه الآية قوله تعالى(309): ( ﯜﯝ ﯤﯥ ﯮﯯ ) [الزخرف: ٣٢].

فالله يخص بالنبوة من يشاء من عباده على ما تقتضيه حكمته وإرادته، وليس ذلك بتدبير المخلوقين ولا بإرادتهم(310)، فإذا كانت معايش العباد وأرزاقهم الدنيوية بيد الله تعالى، وهو الذي يقسمها بين عباده، فيبسط الرزق على من يشاء، ويضيقه على من يشاء، بحسب حكمته، فرحمته الدينية، التي أعلاها النبوة والرسالة، أولى وأحرى أن تكون بيد الله تعالى، فالله أعلم حيث يجعل رسالته(311)؛ فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم بيتًا، وأطهرهم أصلًا(312).

وقد جاء في القرآن التنصيص على إن إرسال الرسل بالكتب إلى العباد رحمة من الله، كما قال تعالى: ( ﭨﭩ ﭫﭬ ﭭﭮ ﭰﭱ ﭲﭳ ) [الدخان: ٦].

فإرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلها القرآن رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة فإنه من أجل ذلك وسببه(313)؛ لأن الإرسال بالإنذار رحمة بالناس ليتجنبوا مهاوي العذاب ويكتسبوا مكاسب الثواب، قال تعالى: (ﮐﮑ ﮒﮓ ) [الأنبياء: ١٠٧] (314).

وأنزل الله الكتاب على نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة به وبالعباد، كما قال تعالى: ( ﭭﭮ ﭰﭱ ) [القصص: ٨٦].

فالآية تذكير لنعمه تعالى على رسوله، وأنه تعالى رحمه رحمةً لم يتعلق بها رجاؤه(315)، فالاستثناء في (ﭭﭮ ﭰﭱ) استثناء منقطع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يرجو أن يبعثه الله بكتاب من عنده، بل كان ذلك مجرد رحمة من الله تعالى به واصطفاء له(316)، فأرسله بهذا الكتاب، الذي رحم به العالمين، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين(317).

وقال تعالى أيضًا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( ﯝﯞ ) [العنكبوت: ٥١] ؛ وذلك لما يحصلون فيه من العلم الكثير، والخير الغزير، وتزكية القلوب والأرواح، وتطهير العقائد، وتكميل الأخلاق، والفتوحات الإلهية، والأسرار الربانية(318).

٢. رحمته بالرسل عليهم السلام.

الأنبياء عليهم السلام هم أكثر الخلق مسارعةً إلى الخيرات، وأصدقهم توجّهًا وتذلّلًا لله تعالى؛ وأعظمهم رغبةً ورهبةً؛ وفي ذكر رحمة الله لهم، وبأي سبب حصلت لهم، مما يدعو إلى محبة الله تعالى، والإكثار من ذكره ومعرفته، والسبب الموصل إليه(319).

ومن ذلك الرحمة التي رحم الله بها عبده زكريا عليه السلام حين أسرّ بدعائه إليه، كما قال تعالى: ( ) [مريم: ٣].

ثم فصّل كيفية دعائه بقوله: ( ﭿ ﮀﮁ ) [مريم: ٤-٦](320).

فمن رحمة الله بعبده، أن يرزقه ولدًا صالحًا، جامعًا لمكارم الأخلاق ومحامد الشيم؛ فرحمه ربه واستجاب دعوته، فقال: ( ) [مريم: ٧](321).

فوهبه الله الولد الصالح مع كبر سنه وعقم زوجه، فكانت ولادة يحيى تكريمًا ورحمةً بهذا النبي العابد(322).

ومن ذلك أيضًا الرحمة التي رحم الله بها عبده أيوب عليه السلام، كما قال تعالى: ( ﭱﭲ ) [الأنبياء: ٨٣-٨٤].

فقد ألطف أيوب في السؤال؛ حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب، ولم يعين الضر الذي مسه(323)؛ فأذهب الله عنه ما به من الأذى، ورد عليه أهله وماله، ومنحه الله العافية من الأهل والمال شيئًا كثيرًا (324)؛ وكل ذلك رحمةً بأيوب إذ قال: وأنت أرحم الراحمين(325).

ووصفت الرحمة بأنها من عند الله تنويهًا بشأنها بذكر العندية الدالة على القرب المراد به التفضيل(326)؛ فهي رحمة تليق بذاته الكريمة، وهو الرحمن الرحيم(327).

وكون كشف الضر عن أيوب رحمةً من الله به، فكذلك هو ذكرى؛ لنعتبر ونعلم أن رحمة الله قريب من المحسنين، وأن مع العسر يسرًا، وأن الإنسان لا يقنط من الفرج بعد الشدة(328).

٣. قبول التوبة وغفران الذنوب.

التوبة لا بد فيها من ترك الذنوب، والنـدم عليها، وإصلاح العمـل، وأداء ما أوجب الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة، فإذا وجد ذلك فإن الله يصب عليهم من مغفرته ورحمته، بحسب ما قاموا به، مما أمرهم به(329) كما قال تعالى: ( ﭹﭺ ) [الأنعام: ٥٤].

فبين سبحانه أن المراد بالرحمة في قوله: ( ) غفرانه ما يعمـلون من سوء إذا تابوا وأصلحوا، فقوله: ( ) مفسر لتلك الرحمة مبين لها(330).

فرحمة الله جل وعلا وسعت كل شيء، ولا يهلك على الله إلا هالك؛ ولا أحد أشنع قولا ًمن الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ومع هذه الفريةالعظمى والوقوع في جناب الله جل وعلا بهذا الأمر الهائل العظيم، فالله مع هذا يستعطفهم ويتلطف بهم للتوبة والمغفرة(331)، كما قال تعالى: ( ﮫﮬ ) [المائدة: ٧٤].

فالآية فيها التعجب من افترائهم على الله وإصرارهم على ذلك بدون توبة من هذا الاعتقاد القبيح، وفيها التلطف بدعوتهم إلى التوبة، وأن الله عظيم المغفرة واسع الرحمة يقبل توبة التائبين، فلذلك ختمها بقوله: ( )(332)، يغفر ذنوب التائبين، ولو بلغت عنان السماء، ويرحمهم بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات(333).

٤. عصمة الأنبياء والرسل عليهم السلام.

امتن الله على رسوله بحفظه وعصمته ممن أراد أن يضله(334)، فقال: ( ﯬﯭ ﯱﯲ ﯼﯽ ﯿ ) [النساء: ١١٣].

والفضل والرحمة هنا: نعمة إنزال الكتاب تفصيلًا لوجوه الحق في الحكم، وعصمته من الوقوع في الخطأ فيه(335)؛ فيحفظه ويعصمه من قبول تدليس المبطلين، فلا تنطلي تضليلاتهم عليه، بل يوفقه الله ويحفظه من مؤامرتهم، وينور بصيرته، ويعلمه ما لم يكن يعلمه صيانة لأحكامه أن يصدر منها تبرئة مجرم، أو ظلم بريء(336).

ثم كرر الامتنان عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له(337)، فقال: ( )، وهذه نعمة كبيرة على رسوله صلى الله عليه وسلم تتضمن النعمة بالعمل، وهو التوفيق لفعل ما يجب، والعصمة له عن كل محرم(338).

٥. إرسال الرياح اللينة بالغيث.

إجراء الريح وانتشارها من ههنا وهاهنا أمام المطر مبشرة به من غرائب صنعه وعجائبه، ومن عظائم نعمه على خلقه(339)، كما قال تعالى: ( ﯫﯬ ﯳﯴ ﯼﯽ ﯿ ) [الأعراف: ٥٧].

فإنه سبحانه لما ذكر قرب رحمته من المحسنين في قوله: ( )[الأعراف: ٥٦](340)، أتبعها بذكر أثر من آثار قدرته، ونفحة من نفحات رحمته، وهو إرسال الرياح المبشرات بالغيث، التي تثيره بإذن الله من الأرض، فيستبشر الخلق برحمة الله، وترتاح لها قلوبهم قبل نزوله(341).

٦. إنجاء المؤمنين وإهلاك المجرمين.

نزول العقاب بالكافرين ونجاة المؤمنين يكون برحمة كريمة من الله، وحسبها شرفًا أنها من رب العالمين(342)؛ كما قال تعالى عن نبيه هود عليه السلام ( ﮯﮰ ) [الأعراف: ٧٢].

وقال تعالى: ( ﮡﮢ ) [هود: ٥٨].

وقال عن نبيه صالح عليه السلام: ( ﮔﮕ ) [هود: ٦٦-٦٧].

وقال عن نبيه شعيب عليه السلام: ( ) [هود: ٩٤].

فنجاتهم جميعًا هم ومن آمن معهم وإهلاك أعدائهم كان برحمة من الله؛ وقد جاءت الرحمة بصيغة التنكير في جميع المواضع التي وردت فيها؛ للتعظيم، ووصفها بأنها من الله للدلالة على كمالها(343).

والباء في () يحتمل أن تكون للسببية(344)؛ حيث جعل إيمانهم سببًا ينالون به رحمته فأنجاهم برحمته؛ ويجوز أن تكون للمصاحبة؛ حيث الرحمة مصاحبة لهم إذ كانوا بمحل اللطف والرفق حيثما حلوا إلى انقضاء آجالهم(345).

وفي هذا ما يدل على التشبث بعرى الإيمان ومتابعة المرسلين لينال العباد بذلك الرحمة والنجاة من العذاب الدنيوي والأخروي، والتحذير من مخالفة المرسلين، وبيان أن ذلك سبب العذاب في الدنيا والآخرة؛ وصدق الله إذ يقول: ( ) [النمل: ٥٣].

ويقول: ( ) [فصلت: ١٨](346).

٧. حفظ الصالحين وأولادهم.

العبد المؤمن الصالح يتولاه الله حتى بعد مماته رحمة منه، وخاصة ما ترك من الذرية(347)؛ كما قال تعالى: ( ﯜﯝ ﯲﯳ ﯷﯸ ﯿ) [الكهف: ٨٢].

فإنه تعالى من كمال تدبيره وحكمته وتمام لطفه ورحمته أن قيض موسى والخضر في مصلحة يتيمين(348)؛ حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما، لكونهما صغيرين عدما أباهما، وحفظهما الله أيضًا بصلاح والدهما(349)؛ وكان الذي فعله الخضر لم يكن من تلقاء نفسه، ومجرد إرادته؛ وإنما ذلك من رحمة الله وأمره، الرحمة التي ليس بعدها رحمة، والحكمة التي ليس بعدها حكمة(350).

٨. الوقاية من عداوة الشيطان ووسوسته.

الإنسان بطبعه ظالم جاهل، فلا تأمره نفسه إلا بالشر؛ فإذا لجأ إلى ربه واعتصم به واجتهد في ذلك، لطف به ربه ووفقه لكل خير، وعصمه من الشيطان الرجيم(351)، كما قال تعالى: ( ) [النساء: ٨٣].

فاتباع الشيطان هم المحرومون من فضل الله ورحمته، فقدوا عصمة الله لعنادهم، وركوبهم أهواءهم، وإيثارهم رغبات أنفسهم على فطامها عما حرم الله، وجعلهم الخيرة لأنفسهم في سلوك مراداتهم من السبل دون سبيل الله، أما القليل الرافضون لهمزات الشيطان على اختلاف أنواعها، والمتقبلون هداية الله، والمؤثرون لمرضاته وسلوك سبيله على مرادات أنفسهم وشهواتها فهم الحائزون على فضله بعصمتهم من أي شيطان، ورحمتهم بتثبيت قلوبهم، وهم الذين يأّس الله منهم بقوله: ( ) [الحجر: ٤٢].

وقد اعترف إبليس أنهم لا من جنده ولا أتباعه بقوله: ( ) [ص: ٨٣].

فعصمتهم من اتباع الشيطان هي بفضل الله ورحمته(352).

وهذه الآية كقوله تعالى(353): ( ﭘﭙ ﭡﭢ ﭲﭳ ) [النور: ٢١].

فالشيطان يأتي النفوس من قبل أهوائها وشهواتها، والنفس ميالة إلى السوء أمارة به، والنقص مستول على العبد من جميع جهاته، والإيمان غير قوي، ولكن الله تعالى لا يترك عباده جميعًا تحت غواية الشيطان الرجيم؛ فإن الزكاء يتضمن الطهارة والنماء، فهو يجتبي من عباده من يزكيه ويطهره في قلبه ولسانه ونفسه، ولا يشاء الله تعالى لعبده تلك الطهارة إلا إذا سلك سبيلها، واختارطريقها، فيأخذه إلى ما اختار(354).

٩. المودة والرحمة بين الزوجين.

لا ألفة بين زوجين أعظم مما بين الزوجين(355)، ومحبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما؛ لأن الله قال في حقهما(356): ( ﮖﮗ) [الروم: ٢١].

فجعل بين كل زوجين مودةً ومحبةً، فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وجعل بينهما رحمة فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة(357).

وجعل بينهما محبةً ورأفةً، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق(358)؛ فلا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة(359).

١٠. إمساك الطير حال الطيران.

من رحمانيته تعالى لطفه بالطير وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء(360)، كما قال تعالى: ( ﮚﮛﮜ ﮝﮞ ﮢﮣ) [الملك: ١٩].

فالذي يحفظ الطير من السقوط بما أودع فيها من خاصية الطيران بالقبض والبسط هو الرحمن، وخص ذكره دون لفظ الجلالة (الله)؛ للدلالة على أن هذا الحفظ من رحمته بهذه المخلوقات وبمن سخرت له، فرحمة الله بالمخلوقات بإمهالهم وعدم العجلة بعقابهم كرحمة الله بالطير في الهواء من السقوط والهلاك(361).

فمن نظر في حالة الطير واعتبر فيها، دلته على قدرة الباري، وعنايته الربانية، وأنه الواحد الأحد، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، المدبر لعباده بما يليق بهم، وتقتضيه حكمته(362).

موقف الخلق من رحمة الله

رحمة الله مبذولة لكل أحد، كما قال تعالى: ( ﭨﭩ) [الأعراف: ١٥٦].

ولا يهلك على الله إلا هالك، وقد انقسم الناس تجاه هذه الرحمة إلى طرفين وواسطة، ولكل عرض القرآن الكريم.

أولًا: الآيسون القانطون من رحمة الله:

والإياس من رحمة الله من أعظم المحاذير، وهو نوعان:

١. إياس الكفار منها، وتركهم الأسباب التي تقربهم منها(363).

قال تعالى: ( ﯸﯹ ﯿ ) [العنكبوت: ٢٣].

فأخبر عن يأسهم من رحمة الله بالفعل الماضي؛ تنبيهًا على تحقيق وقوعه، والمعنى: أولئك سييأسون من رحمة الله لا محالة(364)؛ لأنهم لم يعلموا سببًا واحدًا يحصلون به الرحمة، وإلا لو طمعوا في رحمته، لعملوا لذلك أعمالًا(365).

قال القرطبي رحمه الله: «اليأس من رحمة الله؛ فيه تكذيب القرآن؛ إذ يقول وقوله الحق: ( ﭨﭩ) [الأعراف: ١٥٦].

وهو يقول: لا يغفر له؛ فقد حجر واسعًا؛ هذا إذا كان معتقدًا لذلك؛ ولذلك قال الله تعالى: ( ) [يوسف: ٨٧](366)».

٢. إياس العصاة(367).

فيقوى خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم، ويضعف علمه بما لله من واسع الرحمة والمغفرة، ويظن بجهله أن الله لا يغفر له ولا يرحمه ولو تاب وأناب، وتضعف إرادته، فييأس من الرحمة (368)؛ وهذا ما يلمح إليه قوله سبحانه: ( ﮮﮯ ﯔﯕﯖ ) [الزمر: ٥٣].

ثانيًا: الذي يتكلون على عفو الله ومغفرته ورحمته:

الاتكال على رحمة الله يسبب مفسدةً عظيمةً هي الأمن من مكر الله(369)؛ فيسترسل في المعاصي ويتكل على رحمة الله من غير عمل (370)؛ كما قال تعالى: ( ﭺﭻ ﭿ ) [الأعراف: ٩٩].

فإذا كان أمن العالم المدبر والصالح المتعبد من مكر الله تعالى جهلًا يورث الخسر، فكيف حال من يأمن مكر الله، وهو مسترسل في معاصيه اتكالًا على عفوه ومغفرته ورحمته؟(371)، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب(372).

وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ، على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنًا على ما معه من الإيمان، بل لا يزال خائفًا وجلًا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيًا بقوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)(373)، وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد -ولو بلغت به الحال ما بلغت- فليس على يقين من السلامة(374).

ثالثًا: الذين جمعوا بين الخوف من عذاب الله، وبين الرجاء لرحمة الله:

وقد مدح الله أهل الخوف والرجاء بقوله: ( ﯱﯲ ﯺﯻ ﯽﯾ ﯿ)[الزمر: ٩].

فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنًا، والخوف يستلزم الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطًا ويأسًا(375).

فللخوف مزيته من زجر النفس عما لا يرضي الله، وللرجاء مزيته من حثها على ما يرضي الله، وكلاهما أنيس السالكين(376).

وقد وصف الله عبده في الآية الكريمة بأفضل العبادات الظاهرة وهي الصلاة، ووصف عمل قلبه بالخوف والرجاء، فهو بين الخوف من سيئاته وفلتاته، وبين الرجاء لرحمة ربه أن يثيبه على حسناته(377).

فالمؤمن إذا خاف لا يقنط من رحمة الله، بل يرجوها مع العمل الصالح، كما قال تعالى: ( ﯜﯝ ) [البقرة: ٢١٨].

فذكر سبحانه أنهم يرجون رحمة الله مع الاجتهاد في الأعمال الصالحة(378)؛ لأن الرجاء يتبعه السعي لتحصيل المرجو، كما قال الله تعالى: ( ) [الإسراء: ١٩]؛ فإن ترقب المرء المنفعة من غير أسبابها فذلك الترقب يسمى غرورًا(379).

ومن الآيات التي مدح الله فيها أهل الخوف والرجاء قوله تعالى: ( ﯱﯲ ) [الإسراء: ٥٧].

فابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب بحبه وطاعته، ثم ذكر الرجاء والخوف-1؛ وذكر خوف العذاب بعد رجاء الرحمة للإشارة إلى أنهم في موقف الأدب مع ربهم؛ فلا يزيدهم القرب من رضاه إلا إجلالًا له وخوفًا من غضبه-1.

وهـذه الأمـور الثلاثة: الخوف والرجاء والمحبة التي وصـف الله بها هؤلاء المقـربين عنده هي الأصل والمادة في كل خير، فمن تمت له تمت له أموره وإذا خلا القلب منها ترحلت عنه الخيرات وأحاطت به الشرور-1.

ولذا جاء عن بعضهم قوله: من عبدالله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهوحروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد -1.

موضوعات ذات صلة:
الجنة، الحساب، السعة، العذاب، العفو، الهداية، اليأس

الحواشي

  1. مقاييس اللغة، ٣/٣٩٨.
  2. لسان العرب ١٢/٢٣١.
  3. المفردات ص ١٩١.
  4. الكليات ص٤٧١.
  5. الرحمة في القرآن الكريم، موسى عسيري ص٢١-٢٢.
  6. انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ١/٣٥.
  7. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٣٠٤-٣٠٩.
  8. انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص ٣٩-٤٢، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٢٢٤-٢٢٧، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٣٣١-٣٣٤، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري ص ٢٢٧-٢٢٨.
  9. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/٤٧١.
  10. الكليات ص ٣٧٨.
  11. انظر: مجاز القرآن، أبو عبيدة ١/٥٩، تفسير القرآن، السمعاني ٥/٣٧٩.
  12. انظر: جامع البيان، الطبري ٢/١٨، المحرر الوجيز، ابن عطية ١/٢٢١.
  13. انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ١/٥١٨، تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمن، من سورة الحجرات وحتى الحديد ص٤٢٨.
  14. تفسير أسماء الله الحسنى ص٦٢.
  15. انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٥/١٨٠.
  16. المفردات ص٦٧١.
  17. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، ٤/٢١٨٥، رقم ٢٨٤٦، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
  18. انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ٢/٤٠٨.
  19. انظر: العذب النمير، الشنقيطي ١/٣٤٠.
  20. انظر: شرح العقيدة الواسطية، الفوزان ص٣٥.
  21. فتح الباري ١٣/٤١٣.
  22. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي١٢/١٣٧.
  23. انظر: جامع البيان، الطبري ١١/٢٧٣.
  24. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤/٨٦.
  25. تيسير الكريم الرحمن ص ٢٥١.
  26. التحرير والتنوير ٧/١٥١.
  27. انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٧/٣٤٧.
  28. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/٢٥٧، العذب النمير، الشنقيطي ١/٣٤١.
  29. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٢٥٨.
  30. انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة النساء ١/١٣٩.
  31. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، عبدالرحمن الدوسري ٥/١٧٢.
  32. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده)، ٣/١١٦٦، رقم ٣٠٢٢، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى، ٤/٢١٠٧، رقم ٢٧٥١، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
  33. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٥١.
  34. انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٣/٥٦٢.
  35. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/١٩٩٤، رقم ٢٥٧٧، عن أبي ذر رضي الله عنه.
  36. انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٢/٣٠٣.
  37. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٥/٣٥٥-٣٥٤.
  38. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/٣٥٧.
  39. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٥/٢٦٧٩.
  40. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨/٨٦.
  41. انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٣/٥٦٢.
  42. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٨٠.
  43. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤/١٩٣.
  44. المصدر السابق٣/٣٤٨.
  45. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/٤٧٦.
  46. انظر: نظم الدرر، البقاعي ٤/٤٨٤.
  47. انظر: التحرير والتنوير ١٥/٣٥٦.
  48. انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة الكهف ص١٠٦.
  49. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤/٤٥٠.
  50. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٨٠.
  51. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٥/٢٣١.
  52. المواهب الربانية من الآيات القرآنية، السعدي ص١١٦.
  53. أضواء البيان، الشنقيطي ٧/٧٥.
  54. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/٣٥٧.
  55. جامع البيان، الطبري ١٢/٢٠٦.
  56. انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٢/٤٠٧.
  57. جامع البيان، الطبري ١٢/٢٠٦.
  58. العذب النمير، الشنقيطي ٢/٤٠٧.
  59. انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ٢/٤١٠.
  60. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/٩١.
  61. انظر: شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين ص ٢٠٥.
  62. انظر: الداء والدواء، ابن القيم ص٢٧١.
  63. تفسير القرآن العظيم ٣/٤٨١.
  64. تيسير الكريم الرحمن السعدي ص ٣٠٥.
  65. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٦/٢٩٦٦.
  66. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٠٥.
  67. انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٩٢، زاد المسير، ابن الجوزي ٣/٢٧١.
  68. اللباب في علوم الكتاب٩/٢٣٨.
  69. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٦/٢٩٦٦.
  70. بدائع الفوائد، ابن القيم ٤/٣١.
  71. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/٤٨١.
  72. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٦/٢٨٧٠.
  73. أضواء البيان، الشنقيطي ٢/٣٧٩.
  74. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٩١.
  75. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٥/٢٦-٢٨.
  76. بدائع الفوائد، ابن القيم ٤/٤٧.
  77. انظر: معتقد أهل السنة الجماعة في أسماء الله الحسنى، محمد التميمي ص ١٨٨.
  78. المصدر السابق ص ٣١٥.
  79. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢/٢١٠.
  80. أضواء البيان، الشنقيطي ١/٤٨.
  81. تفسير القرآن العظيم ١/١٢٦.
  82. أضواء البيان١/٤٨.
  83. الزاهر في معاني كلمات الناس، الأنباري ١/٥٨.
  84. معاني القرآن ١/٥٤.
  85. انظر: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القرطبي ١/٤٠٦.
  86. أضواء البيان ١/٤٨.
  87. الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القرطبي ص ٤٠٦.
  88. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، النجدي ١/٧٨.
  89. تفسير القرآن الكريم، ابن عثمين، سورة البقرة، ٢/١٢١. وقال رحمه الله في شرح الواسطية ص٢٨: «فيجتمع من الرحمن الرحيم: أن رحمة الله واسعة وأنها واصلة إلى الخلق، وهذا ما أومأ إليه بعضهم بقوله الرحمن: رحمة عامة، والرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين، ولما كانت رحمة الله للكافر رحمة خاصة في الدنيا فقط فكأنها لا رحمة لهم».
  90. انظر: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القرطبي ص ٤٠٦، بدائع الفوائد، ابن القيم ص٤٢.
  91. مجاز القرآن، أبو عبيدة ١/٢١.
  92. الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القرطبي ص ٤٠٦.
  93. قواعد الترجيح عند المفسرين، الحربي ٢/٤٧٣.
  94. تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص ٢٩.
  95. التحرير والتنوير١/١٧٢.
  96. انظر: تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج٢٨، الحجة في بيان المحجة، الأصبهاني ١/١٤٤.
  97. شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين ص٢٩٠.
  98. بدائع الفوائد١/٨٧.
  99. المصدر السابق ١/١١٢.
  100. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٤٦.
  101. الإتقان في علوم القرآن، السيوطي ٣/٢٢٧.
  102. البحر المحيط ٧/٧.
  103. جامع البيان ٢٢/٤٢.
  104. البحر المحيط، أبو حيان ١/٣٢٠.
  105. انظر: جامع البيان، الطبري ١/٥٤٨، البحر المحيط، أبو حيان ١/٣٢٠.
  106. انظر: القواعد الحسان ص٥٣.
  107. أحكام من القرآن الكريم، ابن عثيمين ١/٣٨١.
  108. تفسير أسماء الله الحسنى ص٦٢.
  109. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/٢٥.
  110. أحكام من القرآن الكريم، ابن عثيمين ١/٣٨١.
  111. انظر: جلاء الأفهام، ابن القيم ٤/١٤٤، فتح الرحيم الملك العلام، السعدي ص٥٥.
  112. التبيان في أقسام القرآن، ص٥٧.
  113. شأن الدعاء للخطابي ص ٨٩.
  114. رحمة الله أسبابها وآثارها، مسفر الغامدي، ص٢٠٦.
  115. انظر: معتقد أهل السنة الجماعة في أسماء الله الحسنى، التميمي ص١٨٨.
  116. مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢/٤٨٥.
  117. التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/١١٨.
  118. التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣/٣١.
  119. جامع البيان١٣/١٣٣.
  120. التحرير والتنوير١٧/١٢٧.
  121. انظر: تفسير ابن أبي زمنين ٣/٢١٣.
  122. انظر: تفسير القرآن، السمعاني٣/٤٩٦.
  123. الوسيط٣/٣٠١.
  124. تيسير الكريم الرحمن ص ٥٦٠.
  125. نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص٤٧٢.
  126. وجوه القرآن، الحيري ص٤١٧.وانظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص٣٦٧.
  127. انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة النساء ٢/٢٠٥.
  128. جامع البيان، الطبري ٩/٤٢٩.
  129. لباب التأويل ٢/٢٠١.
  130. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٣٣.
  131. انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٢/٥٢٥، ٥٢٤.
  132. أضواء البيان ٧/٣٨٠.
  133. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/١٥٥، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨/١٥.
  134. فتح القدير٢/٢٨٥.
  135. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٠٣.
  136. انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٤/١٩٠.
  137. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/٣١٢.
  138. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٦٦.
  139. انظر: الرحمة في القرآن الكريم، موسى عسيري ص١٤٣.
  140. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٧/٣٦٨٧.
  141. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤/٢٨٨.
  142. انظر: زهرة التفاسير ٩/٤٦١٨.
  143. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٩٠.
  144. انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/٣٢٦.
  145. معالم التنزيل٥/٢٢٢.
  146. انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢٣٠٤.
  147. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٥٤.
  148. انظر: المصدر السابق ص ٤٩١.
  149. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/٢٢٢.
  150. انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/٣٧٩.
  151. أخرجه الحاكم في المستدرك ١/٩١، رقم ١٠٠، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/٤٦٣.
  152. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧/١٦٥.
  153. انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/٥٥٢.
  154. انظر: تفسير السمرقندي ٢/٤٤٥.
  155. انظر: جلاء الأفهام ص٢٨٨. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/٣٨٥، أضواء البيان، الشنقيطي ٤/٢٨٨، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٣٢.
  156. انظر: أضواء البيان٤/٢٨٨.
  157. انظر: تفسير القرآن العظيم ٥/٣٨٥، أضواء البيان ٤/٢٨٨.
  158. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي١٦/٩٤.
  159. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور١٠/٢٤٣.
  160. البحر المحيط، أبو حيان ٥/٦٤.
  161. انظر: المنار، محمد رشيد رضا١٠/٤٤٨.
  162. انظر: جامع البيان ١٨/٥٥٢.
  163. تفسير السمرقندي ٢/٦٩.
  164. انظر: المنار، محمد رشيد رضا١٠/٤٤٩.
  165. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور١٠/٢٤٤.
  166. انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/٢٧١، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/٧٧، فتح القدير، الشوكاني ٢/٤٢٩، روح المعاني، الألوسي١٠/١٢٧.
  167. انظر: المنار، محمد رشيد رضا١٠/٤٤٨.
  168. انظر: المنار، محمد رشيد رضا١٠/٤٤٨، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٤١.
  169. انظر: المنار، محمد رشيد رضا١٠/٤٤٨.
  170. انظر: المنافقون في القرآن الكريم، الحميدي ص٤١٩.
  171. انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢/٣٦٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي١٠/٤٤٢.
  172. انظر: روح المعاني، الألوسي ١١/٥٢.
  173. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٥/١٢٠.
  174. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/٧٣.
  175. المنار ١١/٧٢.
  176. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/٣٦٠.
  177. انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٢/١١٩.
  178. انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٦/١٢٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٢٠٥.
  179. انظر: التحرير والتنوير٢٦/٢٠٥.
  180. انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٢/١٥٢.
  181. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، ٥/٢٢٣٨، رقم ٥٦٦٥، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، ٤/١٩٩٩، رقم ٢٥٨٦، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.
  182. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب نصر المظلوم، ٢/٨٦٣، رقم ٢٣١٤، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، ٤/١٩٩٩، رقم ٢٥٨٥، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
  183. تفسير القرآن العظيم ٧/٣٦٠.
  184. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/٢١٣، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٤/١٠٠.
  185. انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/٢٠٢.
  186. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧/٤٢١.
  187. انظر: المصدر السابق.
  188. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/١٦٧.
  189. انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، من سورة الحجرات وحتى الحديد ص٤٢٧.
  190. انظر: تنوير العقول والأذهان في تفسير مفصل القرآن، اللاحم ١/٥٤٣.
  191. انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم٩/١٣٨.
  192. انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١٥/٤٠٧.
  193. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/٣٦١.
  194. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/٤٧.
  195. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣١/١٧٠، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٢٤.
  196. انظر: تفسير المراغي ٣٠/١٦٣.
  197. انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، جزء عم، ص٢١٨.
  198. انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٣/٤١٦، ٤١٥.
  199. انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٥/٢٥٧٠.
  200. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٥٨.
  201. انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي١١/٩٨.
  202. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/١٢٣.
  203. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/٣٢٣.
  204. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري ٣/٣٥٧.
  205. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٨.
  206. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٦/٤٤٢.
  207. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠/١٤٩.
  208. انظر: المصدر السابق ١٠/٢٦٢.
  209. انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة آل عمران، ٢/١٦٥.
  210. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/٨١.
  211. انظر: المنار، محمد رشيد رضا١٠/٤٦٩.
  212. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧٣.
  213. انظر: تفسير المراغي ٩/٨٠.
  214. انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٤/٢٠٥.
  215. انظر: المنار، محمد رشيد رضا١٠/٤٦٧.
  216. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٤٣.
  217. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٥/٥٧.
  218. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري ٢/٤٦٩.
  219. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٥.
  220. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/٤٧٥.
  221. انظر: تفسير المراغي ١/٢٥٦.
  222. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم الدوسري ٢/٤٦٩.
  223. انظر: معالم التنزيل، البغوي ١/١٩١.
  224. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/١٤٣.
  225. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢/١٧.
  226. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري ٣/٤٢.
  227. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/٥٣٦.
  228. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٤.
  229. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢/١٧.
  230. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/٥٣٧.
  231. انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١/٣٧٢.
  232. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/١٤٧.
  233. انظر: روح المعاني، الألوسي ٤/١٠٤.
  234. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري ٤/٣٨٤.
  235. انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة آل عمران ٢/٣٥٩.
  236. المصدر السابق٢/٣٦٠.
  237. انظر: تفسير المراغي ٤/١١٠.
  238. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣/١٤٧٢، تفسير المراغي ٤/١١٠.
  239. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢١٧.
  240. انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة النساء ٢/٥٣٣.
  241. انظر: زهرة التفاسير ٤/١٩٩٤.
  242. انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة النساء ٢/٥٣٣.
  243. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤/١٩٩٤.
  244. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢١٧.
  245. انظر: تنوير العقول والأذهان في تفسير مفصل القرآن، اللاحم ١/٤٣.
  246. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٠٥.
  247. انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة يس ص١٦١.
  248. انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/٥٢٦.
  249. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٩٢.
  250. انظر: مفاتيح الغيب ١٤/١٢٤.
  251. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٤٣.
  252. انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٩/٤٦١.
  253. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤/٤٤٨.
  254. انظر: المصدر السابق.
  255. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣١٤.
  256. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤/٤٣.
  257. انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٤/٣١٠.
  258. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٦/١٠٣.
  259. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣١٤.
  260. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤/٤٣.
  261. انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢٣١٣.
  262. انظر: روح المعاني، الألوسي ١٦/١٠٣.
  263. تيسير الكريم الرحمن ص ٤٩٤.
  264. انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٦/٤٨٣.
  265. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٧/٤٠٢.
  266. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٢٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/٣٤٦.
  267. انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/٢٦٨.
  268. انظر: تنوير العقول والأذهان في تفسير مفصل القرآن، اللاحم ١/٤٢.
  269. انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١٣/٣٠٩.
  270. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٠٠.
  271. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٢٤٥.
  272. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص٨٠٠.
  273. المصدر السابق ص ٤٣٢.
  274. انظر: تيسير العزيز الحميد، ابن محمد بن عبدالوهاب ص٤٤٩.
  275. انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، الفوزان ص٧٢.
  276. انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/١١٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٣٢.
  277. انظر: القول المفيد، ابن عثيمين ٢/٢٠٤.
  278. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/١٥١.
  279. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٥/٣٣٤.
  280. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٨/٥٨.
  281. انظر: تفسير المراغي١٣/٣٠.
  282. انظر: القول السديد ص١٢٢.
  283. انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/٣١٠.
  284. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/٤١.
  285. انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/٣١٠، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٢٧.
  286. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/٤١.
  287. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٧٢٧.
  288. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/٤٦٧.
  289. انظر: المنار، محمد رشيد رضا ١٢/٢٤.
  290. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٥/٢٠٧.
  291. انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤/١٦٤.
  292. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٢٧.
  293. انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢٢٤٨.
  294. انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١١/٨٧.
  295. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٦/٦٩٥.
  296. انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٦/٢٤٣.
  297. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/١٤٢.
  298. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٦/٦٩٥.
  299. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٧١.
  300. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/٦٥٣.
  301. انظر: جامع البيان، الطبري ٢/٤٧١.
  302. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤/٣٠٣.
  303. انظر: جامع البيان١٨/٢١١.
  304. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/٢٣٨.
  305. انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/٥٨٦.
  306. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦١٧.
  307. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/٢١٦.
  308. انظر: جامع البيان٢١/١٥٥.
  309. انظر: السراج المنير، الشربيني ٣/٣٢٦.
  310. انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٤/٢٨.
  311. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦٤.
  312. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/٢٢٦.
  313. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٧٧١.
  314. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/٢٨١.
  315. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٧/١٣٢.
  316. انظر: التحرير والتنوير٢٠/١٩٤.
  317. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٢٥.
  318. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٣٣.
  319. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص٤٨٩، التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة من المؤلفين ٤/٤١٣.
  320. انظر: تفسير المراغي١٦/٣٤.
  321. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٨٩.
  322. انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة من المؤلفين ٤/٤١٢.
  323. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٦/٣١٠.
  324. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٥٢٨.
  325. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧/١٢٨.
  326. انظر: المصدر السابق.
  327. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٩/٤٩٠٧.
  328. انظر: تفسير المراغي ٢٣/١٢٦.
  329. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٥٨.
  330. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/٢٥٧، العذب النمير، الشنقيطي ١/٣٤١.
  331. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/١٥٨.
  332. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري ٩/١٩٤.
  333. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٣٩.
  334. المصدر السابق ص ٢٠٠.
  335. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥/١٩٧.
  336. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري ٦/٢٥٨.
  337. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/٤١٠.
  338. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٠٠.
  339. انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٣/٤١٥.
  340. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨/١٧٨.
  341. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص٢٩٢.
  342. انظر: زهرة التفاسير، أبوزهرة ٧/٣٧٢٠.
  343. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨/٢١٤.
  344. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤/٣٢٩، روح المعاني، الألوسي ١٢/٩٢.
  345. انظر: روح المعاني ١٢/٩٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨/٢١٤.
  346. انظر: الرحمة في القرآن الكريم، موسى عسيري ص١٤٨.
  347. انظر: رحمة الله أسبابها وآثارها، مسفر الغامدي ص٢٤٠.
  348. انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة من المؤلفين ٤/٣٨٠.
  349. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٨٢.
  350. انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٨/٥٦١.
  351. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص١٩٠.
  352. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري ٦/١١٤.
  353. انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٥/٢٤٥.
  354. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٦٣، وزهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠/٥١٦٧.
  355. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/٥٢٥.
  356. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص٦١.
  357. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/٧١.
  358. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/٣٠٩.
  359. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٣٩.
  360. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١/٤٨.
  361. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/٤٠، التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٨/٢٨٠.
  362. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٧٧.
  363. انظر: المصدر السابق ص ٦٢٩.
  364. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠/٢٣٤.
  365. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٢٩.
  366. انظر: الجامع لأحكام القرآن٦/٢٦٥.
  367. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٢٩.
  368. انظر: القول السديد، السعدي ص١٢٢.
  369. انظر: القول المفيد، ابن عثمين ١/٥٦.
  370. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/٢٦٥.
  371. انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٩/٢٦.
  372. انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز ٢/٤٥٦.
  373. أخرجه أحمد في مسنده، ١٩/١٦٠، رقم ١٢١٠٧، والترمذي في سننه، ٤/٤٤٨، رقم ٢١٤٠، عن أنس رضي الله عنه. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/١٣٢٣.
  374. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٩٨.
  375. انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز ٢/٤٥٧.
  376. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/٣٤٧.
  377. انظر: المصدر السابق ٢٣/٣٤٦.
  378. انظر: تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبدالله ص٤٤٩.
  379. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/٣٤٧.
الآيات القرآنية
32 آية عن الرحمة