التبني
عناصر الموضوع
مفهوم التبني
الألفاظ ذات الصلة
تنزيه الله تعالى عن التبني
التبني في الأمم السابقة
التبني عند العرب في الجاهلية
أساليب القرآن في إبطال التبني
بدائل التبني في الإسلام
مفهوم التبني
أولًا: المعنى اللغوي:
أصله من بنى: بنا في الشرف يبنو(1)، ويقال: تبنيته، أي: ادعيت بنوته، وتبناه: اتخذه ابنًا(2).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
هو ضم طفل أجنبي إلى أسرة معينة، وجعله بمنزلة الابن الحقيقي أو الصلبي، له ما له، وعليه ما عليه من واجبات، يثبت له النسب كما يثبت للابن الحقيقي(3).
ولم يرد لفظ (التبني) في القرآن الكريم.
الألفاظ ذات الصلة
الدّعيُ:
الدّعيّ لغة:
المتبنّي: الذي تبناه رجل فدعاه ابنه ونسبُه إلى غيره(4)، وادعى فلانًا: صيّره يُدعى إلى غير أبيه، والدّعيُّ: المتهم في نسبه والمنسوب إلى غير أبيه. والدِّعوة بكسر الدال: ادعاء الولد الدَّعِي غير أبيه(5).
قال تعالى: ﮋ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮊ [الأحزاب: ٤] أي: من تبنيتموه من أولاد غيركم، جمع دعي، فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه مدعو بالبنوة(6).
وقد يطلق على الدَّعي: المستلاط، أي: المستلحق في النسب، ويدعى له، أي: يُنسب إليه، فيقال: فلان بن فلان، ويدعى به، أي: يكنَّى، فيقال: هو أبو فلان، وهو مع ذلك لا يرث؛ لأنه ليس بولد حقيقي(7).
الدعيّ اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين التبني والدعي:
غلب في استعمال العرب لفظ (ادعاء) على التبني(8).
البنوة:
البنوة لغة:
ابن أصله: (بنو) الباء والنون والواو كلمة واحدة، وهو الشيء يتولد عن الشيء، كابن الإنسان وغيره(9)، والبِنْو عند بعض أهل العربية: أصل بناء الابن والنسبة إليه بنوي(10)، وسماه بذلك لكونه بناء للأب، فإن الأب هو الذي بناه، وجعله الله بناءً في إيجاده، ويقال لكل ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته، أو بتفقده أو كثر خدمته له أو قيامه بأمره: هو ابنه، وجمع ابن: أبناء وبنون(11).
البنوة اصطلاحًا:
قال فيه الراغب: «يقال لكلّ ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته، أو بتفقده أو كثرة خدمته له أو قيامه بأمره: هو ابنه»(12).
الصلة بين التبني والبنوة:
الفرق بين البنوة والتبني: أن البنوة ترجع إلى النسب الأصلي، أما التبني فهو ادعاء الرجل أو المرأة من ليس ولدًا لهما(13).
الأبوة:
الأبوة لغة:
الأب بالتخفيف بمعنى الوالد الذي إليه يرجع النسب(14).
الأبوة اصطلاحًا:
قال المناوي «الأب: الوالد، والأبوان: الأب والأم أو الأب والجد أو الأب والعم أو الأب والمعلم، وكذا كل من كان سببًا لإيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره»(15)، وقال الجرجاني: الأب هو كل من تكون من نطفته شخص آخر من نوعه(16).
الصلة بين التبني والأبوة:
الأبوة هو ما يرجع إليه النسب، ولا يحصل بالتبني، ويحرم على الأب أن يتزوج زوجة ابنه الذي من صلبه و ليس المتبنى، كذا لا يحصل التوارث بالتبني.
الأمومة:
الأم لغةً:
أم الشيء أصله، والأم: الوالدة، وتجمع على أُمَّات، وأصل الأُم: أُمَّهة؛ لذا تجمع على أمهات(17).
الأم اصطلاحًا:
اسم لكل أنثى لها عليك ولادة، فيدخل في ذلك الأم دنية، وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته وإن علون»(18).
وعرف بعض العلماء الأمومة بأنها: «نظام تعلو فِيهِ مكانة الْأُم على مكانة الْأَب فِي الحكم وَيرجع فِيهِ إِلَى الْأُم فِي النّسَب أَو الوراثة»(19).
الصلة بين التبني والأمومة:
المتبنى - إن كان ذكرًا - شخص أجنبي، ولا يحصل المحرمية بمجرد التبني، بل على الأم بالتبني أن تتحجب عنه، كذا لا يحصل التوارث بينهما.
تنزيه الله تعالى عن التبني
إن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية(20). والله سبحانه ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا فإن الله منزهٌ عنه حقيقة، فالله تعالى مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه(21).
قال تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﮊ [الإخلاص: ١-٤].
فهذه السورة تشتمل على معرفة ذاته؛ إذ لا يوجد شيء إلا وُجد من شيء ما خلا الله تعالى، فإن ذاته المقدسة لا تماثل شيئًا من الذوات، وصفاته مختصة به فلا تماثل شيئًا من الصفات، فاسمه ﮋ ﭔﮊ دل على نفي المشاركة والمماثلة، واسمه ﮋﭗﮊ دل على أنه مستحق لجميع صفات الكمال، فهذان الاسمان العظيمان ﮋ ﭔﮊ ﮋ ﭗﮊ يتضمنان تنزيهه من كل نقص وعيب، وتنزيهه في صفات الكمال أن لا يكون له مماثل في شيء منها، واسمه ﮋﭗﮊ يتضمن إثبات جميع صفات الكمال، فتضمن ذلك إثبات جميع صفات الكمال، ونفي جميع صفات النقص.
لذلك نزّه الله تعالى نفسه عن اتخاذ الولد كما زعمه اليهود والنصارى والمشركون، قال تعالى: ﮋﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔﮊ [البقرة: ١١٦].
وقال تعالى: ﮋﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﮊ [مريم: ٨٨-٩٢].
ما دلت عليه الآيات:
١. قالت اليهود والنصارى(22) والمشركون(23): ﮋﮤ ﮥ ﮦﮊ فنسبوه إلى مالا يليق بجلاله، وأساءوا كل الإساءة وظلموا أنفسهم(24).
٢. قال جل ثناؤه مكذّبًا قيلهم ما قالوا من ذلك، ومنتفيًا مما نحلوه، وأضافوا إليه بكذبهم وفريتهم ﮋ ﮨﮊ أي: تنزيهًا له أن يكون له ولد؛ لأنه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته(25)، وهو سبحانه مالك لجميع المخلوقات، ومن له ملك السموات والأرض، لا يحتاج إلى ولد، ولأنه لو كان له ولد لكان الولد مماثلًا له، والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء(26).
وأصل التسبيح: التنزيه له من إضافة ما ليس له من صفاته إليه والتبرئة له من ذلك(27)، فسبحان من له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه(28).
٣. أنكر الله تعالى على من زعم أن له ولدًا -تقدس وتنزه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا- فقال: ﮋﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮊ أي: الذي لا منعم غيره، فكل أحد محتاج إليه وهو غني عن كل أحد(29).
٤. ﮋ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﮊ أي: عظيمًا، ثقيلًا منكرًا(30). وهو ردٌّ لمقالتهم الباطلة، وتهويلٌ لأمرها بطريق الالتفات المنبيء عن كمال السخط، وشدة الغضب المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم بنهاية الوقاحة والجهل والجرأة(31).
٥. بيَّن الله ثِقل هذا القول من فجرة بني آدم بقوله: ﮋ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﮊ [مريم: ٩٠].
إن السموات على إحكامها مع بُعدها عن أصحاب هذا القول ﮋ ﯛﮊ أي: تتشقق فرقًا من عظمة الله وغضبًا له، ﮋﯝ ﯞﮊ على تحتها شقًّا نافذًا واسعًا ﮋ ﯟ ﯠﮊ أي: تسقط الجبال سقوطًا شديدًا ويتكسر بعضها على بعض بالرغم من صلابتها(32).
٦. إن هذه المخلوقات مؤسسة على توحيده عز وجل وأنه لا إله إلا هو، ولا شريك له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد؛ لذلك لم تطق هذه الأجرام العظام هول تلك الكلمة الشنيعة فتفتّت، ولولا حلمه تعالى لخرب العالم وبُدِّدت قوائمه غضبًا على من تفوه بها(33).
٧. ﮋﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﮊ استحالة تحقق مضمونها فلا يليق به سبحانه اتخاذ الولد، ولا يتطلب له طلب مثلٍ لاستحالته في نفسه، ووضع (الرحمن) موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم بالتنبيه على أن كل ما سواه تعالى إما نعمة أو منعم عليه، فكيف يتسنى أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولي أصولها وفروعها حتى يتوهم أن يتخذه ولدًا!؟(34)، فاتخاذ الولد ينافي كمال صمديته عز وجل وغناه وملكه، وتعبيد كل شيء له(35).
إن نسبة مالا يليق بكمال الله وجلاله إليه، تقدست أسماؤه، تغيير لمعالم الحق الذي قامت عليه السموات والأرض، وإحلال للباطل والزيف مكان الحكمة والعدل. إن نسبة هذه الأمور إليه -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- نسبة الحاجة، والنقص، والافتقار، والعجز إلى الكمال المطلق، وهو هدم لنظام الكون الذي يقوم على الحق والعدل والميزان(36).
التبني في الأمم السابقة
التبني معروف منذ القدم، وقد أشار القرآن الكريم إليه في موضعين:
أولًا: تبني عزيز مصر ليوسف عليه السلام:
قص الله تعالى علينا قصة يوسف عليه السلام ، فقد كان أشرف إخوته وأجلّهم وأعظمهم(37)، رأى رؤيا قبل أن يبلغ الحُلم فقصّها على أبيه يعقوب عليه السلام . قال تعالى: ﮋ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﮊ [يوسف: ٤-٥].
فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية، ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة؛ لذلك أمره بكتمانها وألا يقصّها على إخوته؛ كيلا يحسدوه ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر(38).
وقد كان من أمره وأمرهم ما قصّه الله علينا في القرآن الكريم حتى استقر به المقام في بيت عزيز مصر، قال تعالى: ﮋﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﮊ [يوسف: ٢١].
وكان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها، وهو الوزير بها، الذي كانت الخزائن مسلمة إليه(39)، ومعنى ﮋ ﯘ ﯙﮊ أي: منزله ومقامه، والمثوى: موضع الإقامة، وقيل: أكرميه في المطعم والملبس والمقام(40)، ﮋﯚ ﯛ ﯜ ﮊ أي: عسى أن ينفعنا ببيعه بالربح إن أردنا البيع، أو يكفينا بعمله بعض أمورنا إذا بلغ(41). ﮋ ﯝ ﯞ ﯟﮊ أي: نتخذه ولدًا، أي: نتبناه(42)، ولعل ذلك أنه لم يكن لهما ولد(43)، وكان ذلك لما تفرّس فيه من مخايل الرشد والنجابة(44).
وهذا من لطف الله به ورحمته وإحسانه إليه، بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة(45).
ثانيًا: تبني فرعون لموسى عليه السلام:
عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن نارًا قد أقبلت من نحو بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل. فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والسحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان(46). ثم إن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل خافت القبط أن يُفنى بنو إسرائيل، فيَلُون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة؛ فأمر فرعون بقتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، ووُلد موسى عليه السلام في العام الذي يُقتل فيه الولدان، فأُلهمت أمه وأُلقي في خلدها ونُفث في روعها(47)، كما قال تعالى: ﮋ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﮊ [القصص: ٧].
وهكذا ذهب به الماء إلى دار فرعون ولما رأته امرأة فرعون أوقع الله محبته في قلبها وقالت لزوجها: ﮋ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮊ [القصص: ٩].
أي: أترجى نفعه لنا لو كان له أبوان معروفان؛ فإن فيه مخايل اليُمن ودلائل النفع لأهله، فقد توسّمت في سيماه النجابة المؤذنة بكونه نفعًا، وقد أنالها الله ما رجت من النفع، أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها الله جنته بسببه.
أو عسى أن نتبناه إذا لم يعرف له أبوان، فإنه أهل للتبني؛ لما فيه من الوسامة وجمال المنظر التي تجعله أهلًا لتبني الملوك، وكانت امرأة فرعون لا تلد، ولم يكن لفرعون ولد ذكر(48)، وهكذا تربى موسى عليه السلام في بيت فرعون يركب ركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون(49).
ثالثًا: التبني عند الرومان:
كان التبني معروفًا في القانون الروماني، فمن حق الأب أن يجعل له ابنًا من غير سلالته، ومن غير ذريته، ولو كان المتبنَّى له أب معروف ونسب ثابت(50)، فلم يقتصر التبني على مجهول النسب، وإذا كان من ألحقه بنسبه كبيرًا، كان الإلحاق بما يشبه العقد(51)، وكان للابن بالتبني كافة الحقوق الشرعية في ممتلكات أبيه المتبنِّي، فهو لم يكن يعتبر ابنًا من الدرجة الثانية، بل كان مساويًا لسائر الأبناء.
التبني عند العرب في الجاهلية
كان المجتمع العربي في الجاهلية كغيره من المجتمعات الأخرى من يونان ورومان وغيرهما، يسير على مزاج ذاتي، وتصورات ضيقة الأفق، مما أدى إلى وجود بعض العادات والتقاليد الموروثة التي تتعارض مع أصول الأخلاق القويمة وسلامة المجتمع، ووحدة الأسرة وانسجامها.
وكان التبني أحد هذه العادات الشائعة المتأصلة فيهم والمتمكنة عندهم، يتوراث به ويتناصر(52)، وكان الرجل يتبنى ولد غيره فتجري عليه أحكام البنوة كلها(53)، وكان هذا يقع بخاصة في السبي؛ حين يؤخذ الأطفال والفتيان في الحروب والغارات، فمن شاء أن يلحق بنسبه واحدًا من هؤلاء دعاه ابنه، وأطلق عليه اسمه، وصارت له حقوق البنوة وواجباتها(54).
أولًا: دواعي التبني في الجاهلية:
كان العربي إذا أعجبه من الفتى قوته ووسامته ضمه إلى نفسه، ونسبه إليه، فيقال: فلان بن فلان. وجعل له نصيبًا من الميراث كأحد أولاده(55)، لا فرق بينه وبين أحد من أبنائه من نكاح أو غيره.
للتجاوب مع النـزعة الفطرية في حب الأولاد حال العقم، أو اليأس من الإنجاب، أو الاستلطاف، أو استحسان ولد أو بنت الآخر.
رعاية ولد لقيط، أو مفقود، أو مجهول النسب، أو لا عائل ولا مربي له.
وظل العمل بهذه العادة حتى ظهر الإسلام، نظرًا لأن الله تبارك وتعالى تدرج في التشريع، فالعادات المستهجنة المستحكمة في النفوس، المتشبثة بالأذهان لم تُحرّم في العهد المكي، وإنما أُخِّر تحريمها إلى العهد المدني؛ حتى تتعمق العقيدة والوحدانية في القلوب، فتكون الاستجابة والطاعة أسرع وأعمق، ومنها التبني الذي حُرِّم في السنة الخامسة من الهجرة لما نزل قوله تعالى: ﮋﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﮊ [الأحزاب: ٥].
ومن الصحابة الذين وقع عليهم التبني:
المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراوي، المعروف بالمقداد بن الأسود، وهذا الأسود الذي يُنسب إليه هو الأسود بن عبد يغوث الزهري، وإنما نُسب إليه لأن المقداد حالفه(56)، فتبناه الأسود في الجاهلية فنُسب إليه، وهو قديم الإسلام من السابقين، وهاجر إلى أرض الحبشة، وشهد بدرًا، وله فيها مقام مشهور، وشهد المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم وشهد فتح مصر، كانت وفاته بالمدينة في خلافة عثمان رضي الله عنه، وكان عمره ٧٠ سنة(57).
سالم مولى أبي حذيفة، وهو سالم بن عبيد بن ربيعة، كان من أهل فارس من اصطخر، وكان من فضلاء الصحابة والموالي وكبارهم، تبناه أبو حذيفة لما أعتقته زوجته ثُبيتة الأنصارية، وكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه، فأنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة. وشهد سالم المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم وقُتل يوم اليمامة شهيدًا(58).
زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وأمه سعدى بنت ثعلبة من طي(59)، خرجت أمه لزيارة قومها، فأغارت عليهم خيل، فأسروا زيدًا وباعوه، واشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد(60)، وكان أبوه حارثة قد جزع عليه جزعًا شديدًا، ولما علم بوجوده بمكة قدم هو وأخوه إلى مكة لفدائه(61)، فاختار زيد البقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: (أُشهدكم أن زيدًا ابني يرثني وأرثه)، فصار يُدعى زيد بن محمد(62).
عن ابن عمر رضي الله عنهما: (إن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﮋﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮊ) (63). أسلم في أول يوم من أيام الدعوة(64)، ويعتبر من كبار السابقين الأولين(65)، رافق النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى الطائف للدعوة في السنة العاشرة من البعثة(66).
هاجر إلى المدينة قبل النبي صلى الله عليه وسلم(67)، شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم باستثناء غزوة بني المصطلق(68)، فإن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة(69)، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم أميرًا على سبع سرايا. عن سلمة بن الأكوع قال: (غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم تسع غزوات، وغزوت مع ابن حارثة استعمله علينا)(70)، وهو حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (وأيم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ)(71). وهو الصحابي الوحيد الذي ذُكر اسمه صراحة في القرآن الكريم، قال تعالى: ﮋﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮊ[الأحزاب: ٣٧].
استُشهد في غزوة مؤتة في السنة الثامنة من الهجرة، وكان أميرًا على الجيش رضي الله عنه وأرضاه(72).
أساليب القرآن في إبطال التبني
أولًا: نفي البنوة عن المتبنَّى:
قال تعالى: ﮋ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﮊ [الأحزاب: ٤-٥].
يقول الله تعالى موطئًا قبل المقصود المعنوي أمرًا حسيًّا معروفًا، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: (أنت عليّ كظهر أمي) أمًّا له، كذلك لا يصير الدَّعي ولدًا للرجل إذا تبناه فدعاه ابنًا له.
فبيّنت الآية أن الأمور الثلاثة باطلة لا حقيقة لها، ولقد ساوت الآية بين شيء محسوس ظاهر بيّن، وهو عدم وجود قلبين في جوف الرجل، وبين عادتين مستعملتين عند العرب وهما الظهار والتبني، وذلك ليبين فظاعتهما وأنهما مخالفتان للواقع(73).
فعندما أراد الله تعالى أن يبطلهما ويزيلهما -الظهار والتبني- قدّم بين يدي ذلك بيان قبحه وأنه باطل وكذب؛ وكل باطل وكذب لا يوجد في شرع الله ولا يتصف به عباد الله(74).
فقد حرص الإسلام على صفاء النسب، فالنسب لا يثبت إلا بولادة حقيقية ناشئة من علاقة غير محرمة؛ لذلك نفى الإسلام أن يكون التبني سببًا لثبوت النسب، قال تعالى: ﮋﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮊ [الأحزاب: ٤].
فكل موضع علّق الله فيه حكم القول بالفم فإشارة إلى الكذب وتنبيه إلى أن الاعتقاد لا يطابقه، فالبنوة نسب أصيل عريق، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلًا وغير أصيل(75) فذلكم ادعاؤكم بقولكم: هذا ابني ﮋ ﮍ ﮎﮊ فقط من غير أن يكون له مصداق وحقيقة في الأعيان، فإذن هو بمعزل من استتباع أحكام البنوة كما زعمتم(76)، فالتبني حرام؛ لأنه يخلط بين الأنساب وفيه قلب للحقائق وتغيير للحقيقة، وهو يؤدي لمفاسد كثيرة أخرى(77).
وفي قوله: ﮋ ﮐ ﮑ ﮒﮊ إشارة إلى معنى لطيف؛ وهو أن العاقل ينبغي أن يكون قوله إما عن عقل أو عن شرع، وفي الدَّعي لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به، فهذا خلاف الحق، وقول الله هو الحق لا غير؛ لأن قائله هو الحق تعالى، ولا يصدر عنه إلا الحق؛ لذلك يجب اتباعه(78).
وقوله: ﮋﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮊ أمر تبارك وتعالى بوجوب دعوة الأبناء إلى آبائهم ولادة ونسبًا وتحريم دعوتهم لغير آبائهم، فالإنسان يدعى لأبيه بظاهر فراش أمه، ويثبت به النسب والميراث وتجري به الأحكام، وأن هذا هو العدل والقسط والبر(79)، عدل للوالد الذي نشأ هذا الولد من بضعة منه حية، وعدل للولد الذي يحمل اسم أبيه ويكون امتدادًا له بوراثاته الكامنة، وتمثيله لخصائصه وخصائص آبائه وأجداده، وهذا هو النظام الذي يجعل التبعات في الأسرة متوازنة، ويقيم الأسرة على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع(80).
روى ابن عمر رضي الله عنهما: (ماكنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﮋ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮊ [الأحزاب: ٥])(81).
وأوضحت الآية وجوب أن يُدعى الإنسان إلى أبيه، ويحرم دعوته إلى غير أبيه لفظًا وحقيقةً، وهو محرم بالإجماع(82)، فالله تعالى يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألحِق نسب زيد بأبيه حارثة ولا تدعه زيد بن محمد، فهذا أعدل عند الله، وأصوب وأصدق من دعائكم إياهم لغير آبائهم، ونسبتكموهم إلى من تبناهم وادعاهم، وليسوا له بنين(83).
قال صلى الله عليه وسلم: (ليس من رجل ادُعي لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار)(84)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كُفْرٌ)(85).
الحديثان فيهما زجر وتغليظ وتهديد ووعيد أكيد في التبري من النسب المعلوم، فمن استحل هذا القول مع علمه بالتحريم فقد فعل فعلًا شبيهًا بفعل أهل الكفر؛ لأن فيه كذبًا على الله كأنه يقول: خلقني الله من ماء فلان وليس كذلك.
قال العلماء في معنى (كفر): إنه من يعتقد إباحة ذلك فقد كفر وخرج عن الإسلام. وإن لم يعتقد إباحته ففي معنى كفره وجهان:
أحدهما: أنه أشبه فعله فعل الكفار أهل الجاهلية.
ثانيهما: أنه كافر نعمة الله والإسلام عليه(86).
فلو انتمى مُنْتَمٍ إلى أب من الناس، وهو لا يعلم الحقيقة في ضد ذلك، لم يكن داخلًا في هذا الوعيد؛ وذلك لأن ارتكاب الفاحشة إذا كان منها ما تُعَرُّ له الأعراض، وتنكس له الرءوس وتخجل فيه الوجوه؛ فإنما ذلك كله من أجل نتيجته أن يكون شخص لغير أبيه، فإذا سعى إنسان في أن ينتمي إلى غير أبيه راضيًا بأحوال أولاد الزنا، فقد رضي من الدناءة وسقوط المنزلة بما ينافي أخلاق أهل الجنة (87).
إن تحريم الإسلام وسائر الأديان السماوية للتبني له أسباب:
أن التبني مخالف للفطرة الإنسانية وكذب، فإنّ جعل شخص ولدًا وهو ليس بمولود له، هو افتراء على الحقيقة وضد الطبيعة الإنسانية؛ ذلك أن الأبوة والأمومة ليست ألفاظًا تُردّد ولا عقدًا يُعقد فحسب، إنما هو ارتباط لحم ودم، وارتباط علاقة الوراثة للخصائص التي تحملها النطفة وعلاقة المشاعر الطبيعية الناشئة عن كون الولد بضعة حية من جسم والده الحي، فهذه هي علاقات الدم والأبوة والبنوة الواقعية؛ لذلك قرر القرآن الكريم أن التبني ليس إلا بنوة بالأفواه، لا بالطبع والفطرة والحقيقة، والكلام لا يغيّر واقعًا، ولا ينشيء علاقة، فإقامة العلاقات الحقيقية لا تكون إلا على أساس الولادة الحقيقية وليس على أساس التبني(88).
منع اغتصاب الأنساب وتجريد الطفل من نسبه الأصلي؛ لقوله تعالى: ﮋﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮊ [الأحزاب: ٥].
الإسلام يقوم في جميع علاقاته الاجتماعية على أساس من الحق والعدل ورعاية الحقيقة، وهذا يقتضي نسبة الولد إلى أبيه الحقيقي، لا لأبيه المزعوم أو المزوّر، والحق أحق أن يُتّبع.
الواجب على الوالد أن ينسب ابنه إليه لا إلى غيره، فيكون التبني ظلمًا للوالد الحقيقي، وإهدارًا لمعنوياته، ومساسًا بكرامته وحقوقه.
التبني مجرد تحقيق نسب مزعوم أو قول باللسان، لا أساس له من شرع أو منطق أو حكمة ثابتة، وحينئذ لا تكون نسبة الولد إلى غير أبيه الصحيح نسبة صحيحة، وإنما هي مزوّرة(89).
بنسخ نظام التبني وإبطال آثاره بطل النسب عن طريق التبني، فلا يجوز لأحد أن يفعله لأي سبب كان، فما يفعله بعض الناس اليوم من تبني بعض اللقطاء أو مجهولي النسب بحجة الرحمة به والعطف عليه وتربيته أو غيرها من الأسباب، لا تجعله حلالًا؛ بل يبقى حرامًا، ولا يترتب على الولد بالتبني أي آثار شرعية، ولا أيّ حكم من أحكام البنوة الحقيقية(90).
إن المتبنَّى سيكتشف الحقيقة آجلًا أو عاجلًا، ومن ثَمَّ ستسبب له اضطرابات نفسية، وينشأ نشأة غير طبيعية؛ لأنه يدرك أن أباه الحقيقي تخلى عنه.
آثار التبني ومفاسده في الماضي والحاضر، تتضح فيما يأتي:
أنه مخالف للفطرة البشرية والطبيعة الإنسانية؛ لما فيه من الكذب والزور واختلاط الأنساب.
فيه ظلم للوالدين الحقيقين، وإهدار لمعنوياتهما، ومساس بكرامتهما وحقوقهما.
يؤدي إلى تحريم ما أحل الله من النكاح بتحريم زوجة المتبنَّى على المتبنِّي أو أولاده، وبالعكس.
قد يؤدي إلى الزواج بالمحارم لانقطاع صلة المتبنَّى بأسرته الأصلية.
فيه اعتداء على المحرمات باختلاط زوجة المتبنِّي وبناته وجميع محارمه بهذا المتبنَّى، والخلوة بهن، والسفر معهن.
التبني فيه مشاركة الآخرين حقوقهم المالية من النفقة والميراث، فهو أخذ حق مالي بغير وجه شرعي.
قد يُتخذ التبني ذريعة للكيد بأحد الورثة؛ لحرمانه من حقه الذي خصّصه الشرع له.
المتبنَّى غالبًا لا يوجد لديه انتماء حقيقي لأسرته المتبناة ولا لمجتمعه الذي يعيش فيه؛ لأنه يعرف أنه غريب عنهم، وقد يتخلون عنه لأي ظرف أو عند أول طارئ يطرأ عليهم.
قد يكون التبني بدون موافقة الزوجين (المتبنِّي وزوجته) مما يجعل المتبنَّى في وضع مأساوي؛ لأنه يلاقي من الطرف الذي لا يوافق على تبنيه الذل والهوان، وينشأ نشأة معقّدة.
تخلّي المتبنَّى عن جنسيته الأصلية؛ لأنه تبع لجنسية المتبنِّي له، وتبعًا لذلك تخلّيه عن الأعراف والتقاليد التي تؤمن بها أسرته الأصلية.
بما أن الله تعالى جعل في كل جسد من جينات مورثة ما هو ظاهر في شكله وأخلاقه وكثير من تصرفاته؛ فإن هذا ينعكس سلبًا على المتبنَّى فيما لو كان متبنيه من بلد آخر، وعادات وتقاليد مختلفة تمامًا، مما يجعله يصطدم بالقيم الاجتماعية والدينية.
إذا كان المتبنَّى فتاة، فقد يمارس من تبنّاها معها الفاحشة؛ لعدم وجود الحاجز المعنوي الذي يتولد عند المرء بسبب القرابة القريبة المحرّمة، وعندما يكون ذكرًا فقد يقع في الفاحشة مع أحد محارم متبنيه.
ثانيًا: بيان الأم الحقيقية:
قال تعالى: ﮋ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﮊ [المجادلة: ٢].
يقول تعالى ذكره: الذين يُحرّمون نساءهم على أنفسهم، فيقولون لهن: أنتن علينا كظهور أمهاتنا، وذلك كان طلاق الرجل امرأته في الجاهلية(91) ﮋ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﮊ لا تصير المرأة بقول الرجل: أنت عليّ كظهر أمي أو كأمي أمًّا(92)؛ لأن الزوجة محللة، والأم محرّمة، وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب(93). ﮋﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﮊ أي: إنما أمه التي ولدته(94)، فأمهاتهم على الحقيقة اللائي ولدنهم، فلا يشبّه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الله بهن(95) (96) وهن:
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﮋ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟﮊ [الأحزاب: ٦].
قررت الآية الأمومة لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك حرمة له وتشريفًا لقدره صلى الله عليه وسلم(97). فهن منزّلات منزلة الأمهات في تحريم نكاحهن، واستحقاق تعظيمهن، ومن حيث وجوب أداء حقوقهن من الاحترام والإكرام والتوقير والإعظام ومحبتهن والدفاع عنهن، وعدم أذيتهن وبغضهن، وأما غير ذلك فهن أجنبيات، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وليس أمومتهن لهم من حيث الميراث، ولا من حيث جواز خلوتهم بهن، ولا كونهم محارم لهن؛ بل حرمتهن عليهم أشد من حرمة غيرهن(98).
الأم من الرضاع.
قال الله عز وجل في شأن المحرمات من النساء: ﮋﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﮊ [النساء: ٢٣].
أي: وُحِّرمت عليكم أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وسواء امتص الطفل من ثدي المرأة مباشرة، أو وضعت اللبن في إناء وأسقته للطفل، فإنها تُسمّى أمه من الرضاع مادام تغذى بلبنها امتصاصًا أو شربًا(99)، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاعة مايحرم من النسب)(100)، وفي رواية: (فإنما الرضاعة من المجاعة)(101). والحكمة من التحريم بالرضاعة أن المولود يتكوّن جسمه من جسم التي أرضعته فيكون جزءًا منها، كما هو جزء من أمه التي حملته، وإذا كانت هذه غذّته بدمها في بطنها، فتلك غذّته بلبنها في حجرها، وربما تكون مدة الإقامة في حجرها أطول كثيرًا من مدة الحمل، فكان لابد أن يثبت لهذه الأم الرضاعية ما يثبت للأم النسبيه من حرمة وكرامة، وفي هذا التحريم تنبيه إلى أن يتخير الآباء من يرضعن أولادهم؛ لأنهم إذا علموا أن أولادهم ستتكون أجزاؤهم ممن يرضعنهم تخيروهن من ذوات الأجسام القوية، والدماء النقية التي لا يدنّسها مرض ينتقل بالوراثة، ولقد كان العرب والسلف الصالح يتخيرون مراضع أولادهم لهذه المعاني(102).
أما الأم من التبني فهي أمومة مصنوعة تؤتي ثمارها وتنكشف حقيقتها إذا ما دارت الأيام، قال تعالى عن امرأة العزيز: ﮋ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﮊ [يوسف: ٢٣].
ولولا أنه نبي معصوم لوقع في الخطأ أو المحظور ﮋ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﮊ [يوسف: ٢٤].
فألهمه الله أن الفرار من هذا الموقف هو الخير(103).
هذا ما حدث مع نبي، إذًا فمن يفلت من الوقوع في المعصية مع التبني واستباحة العورات، مع أن أحدهم ليس من محارم الآخر، مما يكون سببًا للوقوع في المعاصي(104).
ثالثًا: زواج النبي من زينب:
قال تعالى: ﮋ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﮊ [الأحزاب: ٣٧-٣٨].
لما زوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة بزينب بنت جحش رضي الله عنهما وكان من أغراض هذا الزواج:
فمكثت عنده تقريبًا من سنة أو فوقها(106)، لكن حياة الزوجين لم تصفُ لهما، فكان زيد مرة بعد مرة يشكو إلى رسول الله اضطراب حياته معها، والنبي صلى الله عليه وسلم يحسّ ثِقل التبعة فيما ألهمه الله من أمر زينب، فيواجه القوم بتحطيم ذلك التقليد العميق(107).
قال سبحانه: ﮋ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﮊ أي: أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أعتقه من الرق، وتبنّاه(108)، ﮋﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﮊ الآية، يعاتب الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يقول لزيد: أبقِ زوجك زينب بنت جحش ولا تعجل بطلاقها، واتق الله يا زيد في أمرها(109). ويدل هذا على أنه ينبغي لمن بدا له طلاق زوجته أن لا يتعجل، وأن يستشير من يثق به من أهل العلم والرأي والنصح والشفقة، وأن المستشار عليه أن يأمر بالإمساك مهما أمكن صلاح الحال فهو خير من الفرقة(110).
ﮋ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮊ والذي كان يخفيه النبي صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله تعالى به إليه أن زينب سيطلّقها زيد، ويتزوجها بعدُ النبي صلى الله عليه وسلم والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خوف لوم الناس وتعييرهم بأن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوُّج امرأة الذي يدعى ابنًا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين؛ ليكون أدعى لقبولهم(111). فقد اختار الله بيت النبوة، بل نبي الرسالة الخاتمة؛ ليتم على يديه وفي بيته الإعلان العملي لإبطال هذه العادة من خلال تشريع يتردد صداه بأقوى قوة في المجتمع، فالتعليم الفعلي، أبلغ من القولي خصوصًا إذا اقترن بالقول، فإن ذلك نور على نور(112).
ﮋ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮊ يشير إلى أن رعاية جانب الحق أحق من رعاية جانب الخلق؛ لأن لله تعالى في إبداء هذا الأمر، وإجراء هذا القضاء حِكمًا كثيرة، فالواجب على النبي صلى الله عليه وسلم -وأمته تبع له في ذلك- إذا عُرض له أمران، في أحدهما رعاية جانب الخلق، وفي الآخر رعاية جانب الحق، أن يختار رعاية جانب الحق على الخلق، فإن للحق تعالى في إجراء حكم من أحكامه، واختيار أمر من أوامره حِكمًا كثيرة، كما قال تعالى في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب: ﮋ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮊ(113).
عن أنس رضي الله عنه قال: (جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اتق الله وأمسِك عليك زوجك). قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا لكتم هذه)(114).
وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله تعالى: ﮋ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﮊ وكان رسول الله تبنّاه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له: زيد بن محمد؛ فأنزل الله: ﮋﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮊ (115).
وقوله: ﮋ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮊ الوطر: هو الحاجة والأرب، أي: لما فرغ منها وفارقها ولم تبق له بها حاجة، طلّقها باختياره(116)، ولما انتهت عدتها ﮋ ﮊﮊ صرّح الله تعالى بأنه هو الذي زوّجه إياها ولم يُحوجه إلى ولي وشهود وعقد وصداق؛ تشريفًا له ولها، قال أنس: (فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوَّجكن أهاليكن، وزوَّجني الله تعالى من فوق سبع سماوات)(117). وفي رواية كانت تقول: (إن الله أنكحني في السماء)(118).
وهذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع من المسلمين(119)، وفيه دليل على ثبوت الولي في النكاح(120)، وفيه دليل على أن أولياء النساء وكلاء الله في تزويجهم؛ لأنهن إماؤه فإذا ولي الإنكاح هو جل وعز لم يكن لوكلائه معه ولاية(121).
ﮋ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮊ أي: إذا طلقوهن وانقضت عدتهن، وفيه دليل على أن الأمة مساوية للنبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام، إلا ما قام دليل على تخصيصه به؛ لأنه صرّح بأنه فعل ذلك لنبيه ليرتفع الحرج عن المؤمنين في مثله(122).
وفيه إشارة إلى أن التزويج من النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لقضاء شهوة، بل لبيان الشريعة بفعله، فإن الشرع يستفاد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله، كما يستفاد من القرآن الكريم، ثم بيّن أن زواجه صلى الله عليه وسلم بها مع أنه كان مبيّنًا لشرع، مشتملًا على فائدة كان خاليًا من المفاسد(123)، فقال: ﮋ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﮊ.
هذه مخاطبة من الله تعالى لجميع الأمة، أعلمهم أنه لا حرج ولا ضيق على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نيل ما فرض الله وقسم وقدر له من تزويج زينب بعد زيد، ثم أعلم أن هذا ونحوه هو السنن الأقدم في الأنبياء الذين مضوا من أن ينالوا ما أحل الله لهم ووسع عليهم، فلم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا ردٌّ على من توهم من المنافقين نقصًا في تزويجه صلى الله عليه وسلم امرأة زيد مولاه ودعيِّه الذي كان قد تبنّاه(124) ﮋ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﮊ أي: أمرًا وقضاءً وحكمًا مقضيًّا وكائنًا لا محالة، محددًا وقت وقوعه وكيفية وقوعه، لا يتأخر ولا يتقدم ولا يتغير، فلا حرج على أحد فيما أحل له(125)، فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن(126).
فوائد مستفادة من قصة زيد وزينب رضي الله عنهما:
إن هذا الزواج كان امتحانًا قاسيًا للنبي صلى الله عليه وسلم حيث يؤمر به ويعلم نهايته، وزينب تحت مولاه زيد، والحكمة كما نطق القرآن هو تحطيم مبدأ كان معمولًا به ومشهورًا عند العرب، هو تحريم زواج امرأة الابن من التبني كتحريمها إذا كان الابن من النسب(128)، قال تعالى في المحرمات من النساء، ﮋ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮊ [النساء: ٢٣].
أي: من ولدتموه لا من تبنيتموه(129)، فيُفهم منه أن حليلة دعيِّه الذي تبناه لا تحرم عليه(130)؛ لأنه ليس من صلبه، فأما الابن من الرضاعة فمنزل منزلة ابن الصلب شرعًا(131) بقوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)(132).
إن نظام التبني كانت له آثار واقعية في حياة الجماعة العربية، ولم يكن إبطال هذه الآثار الواقعية في حياة المجتمع ليمضي بالسهولة التي يمضي بها إبطال تقليد التبني ذاته؛ لذلك شاء الله أن يحمّل نبيه صلى الله عليه وسلم مؤنة إزالة آثار التبني، ويواجه المجتمع بهذا العمل الذي لا يستطيع أحد غيره أن يواجه المجتمع به(133). ويدل تحرج النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الزواج على أن للأعراف والعادات تأثيرًا كبيرًا في المجتمعات والسلوك(134).
شبهات وردود على زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها:
قال تعالى: ﮋ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮊ [الأحزاب: ٣٧].
قوله تعالى: ﮋ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮊ
ذكر المفسرون روايات كثيرة في تفسيرها نذكر منها:
الرد على هذه الشبهة:
قال صاحب الرحيق المختوم: «إن جميع أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين قرروا أن يشنّوا حربًا دعائية واسعة ضد هذا الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد، وأن يجعلوا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم أول هدف لهذه الدعاية.
وقد ظهرت خطتهم بعد غزوة الأحزاب، حينما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين زينب بنت جحش بعد أن طلّقها زيد بن حارثة، فوجد المنافقون ثلمتين -حسب زعمهم- لإثارة المشاغب ضد النبي صلى الله عليه وسلم.
الأولى: أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة، والقرآن لم يكن أذن في الزواج بأكثر من أربع نسوة فكيف صح له هذا الزواج؟
الثانية: أن زينب كانت زوجة ابنه -متبناه- فالزواج بها من أكبر الكبائر، حسب تقاليد العرب، وأكثروا من الدعاية في هذا السبيل، واختلقوا قصصًا وأساطير، قالوا: إن محمدًا رآها بغتة، فتأثر بحُسنها وعلقت بقلبه، وعلم بذلك ابنه زيد فخلّى سبيلها لمحمد، وقد نشروا هذه الدعاية المختلقة نشرًا بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذا الزمان، وقد أثّرت تلك الدعاية تأثيرًا قويًّا في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآن بالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور، وينبيء عن سعة نشر هذه الدعاية أن الله استفتح سورة الأحزاب بقوله: ﮋﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﮊ [الأحزاب: ١]»(145).
أما قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها فوقعت في قلبه، فباطل وجهل من القائل بالقرآن وبالرسل، وتحميله كلام الله ما لا يحتمله، ونسبته رسول الله إلى ما برّأه الله منه، فإن زينب ابنة عمته، وكان يراها ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها، ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، حاشا لذلك القلب المطهّر من هذه العلاقة الفاسدة(146).
إن الله تعالى كان قد أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن زيدًا يطلّق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكى زيد للنبي صلى الله عليه وسلم، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية: (اتق الله في قولك، وأمسِك عليك زوجك)، وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو متبناه(147) ﮋﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﮊ أي: مما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك بعد طلاق زيد لها(148) وهو مطابق للتلاوة؛ لأن الله أعلم أنه مبدي ما أخفاه عليه الصلاة والسلام ، وهذا الذي أبداه الله جل وعلا هو زواجه إياها في قوله: ﮋ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮊ ولم يُبد جل وعلا شيئًا مما زعموه أنه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى (149).
فإن قيل: فلأي معنى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أمسِك عليك زوجك، وقد أخبره الله أنها زوجته؟
قلنا: إنه أراد أن يختبر منه ما لم يُعلمه الله به من رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له زيد من النفرة عنها والكراهية لها ما لم يكن علمه منه في أمرها(150). ﮋﭾ ﭿﮊ تخاف لائمة الناس أن يقولوا: أمر رجلًا بطلاق امرأته ثم نكحها، أو تزوج امرأة ابنه؛ لأن زيدًا كان يُدعى ابنه، والله أحق أن تخشاه من الناس ولا تجمع خشية الناس مع خشية الله في أن تؤخر شيئًا أخبرك به لشيء يشق عليك. قال جمع من الصحابة: «ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية»(151).
فمتعلق الخشية على رأي القائلين بالعشق والغرام هو خشيته صلى الله عليه وسلم أن يطّلع الناس على ما في قلبه من الحب والميل إلى زينب. أما على رأي المحققين العارفين بأحوال الأنبياء، فمتعلق الخشية خشيته صلى الله عليه وسلم من وقوع الناس في عِرضه وقولهم: تزوج بزوجة ابنه. والفرق واضح بين متعلق الخشيتين في كلتا الحالتين(152) والعتاب عليه على إظهار ما ينافي الإضمار(153).
وليس معنى الخشية هنا: الخوف، وإنما معناه الاستحياء، أي: يستحي منهم أن يقولوا: تزوج زوجة ابنه، وأن خشيته صلى الله عليه وسلم من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود وتشغيبهم على المسلمين بقولهم: تزوج زوجة ابنه، بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء، فعتبه الله تعالى على هذا، أو نزّهه عن الالتفات إليهم فيما أحله الله(154)، قال بعض العلماء: «ليس هذا من النبي صلى الله عليه وسلم خطيئة؛ ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالإستغفار منه، وقد يكون الشيء ليس بخطيئة إلا أن غيره أحسن منه، وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يفتتن الناس(155)، وأن يقولوا قولًا ويظنوا ظنًّا فيهلكوا، والرسول صلى الله عليه وسلم رءوف رحيم بأمته، فهو يخشى عليها من الوقوع في الهلاك باعتقاد ما يتنافى مع كرامة الأنبياء وعصمتهم»(156).
وخاصة أن في المؤمنين حدثاء الإسلام من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، فكانت خشية رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة بهم أن يلقي الشيطان في أنفسهم شيئًا يأثمون به ويهلكون، فهذه الخشية كانت من قبيل الرحمة والإحسان إلى المؤمنين ليحفظ صلى الله عليه وسلم عليهم إيمانهم(157).
قال تعالى: ﮋ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﮊ [الأحزاب: ٤٠].
هو جواب عن سؤال مقدر، تقديره: أمحمد أبو زيد؟ فأجيب بنفي الأعم المستلزم لنفي الأخص؛ إذ لو اقتصر على قوله: ما كان محمد أبا زيد، لقيل: ماذا يلزم منه؟ فقد كان للأنبياء أبناء، فجيء بنفي الأعم تمهيدًا للاستدراك بأنه رسول الله وخاتم النبيين(158).
والخلاصة في الرد على هذه الشبهة:
وقضاء الوطر: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء. فليس على رسول الله صلى الله عليه وسلم حرج في هذا النكاح(160).
ففيه أكبر حجة على الذين خاضوا في عِرض رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بدائل التبني في الإسلام
شرع الإسلام بدائل للتبني تغني عنه، ومن تلك البدائل:
أولًا: الأخوة والولاء في الدين:
قال تعالى: ﮋ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮊ [التوبة: ٧١].
وقال تعالى: ﮋ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮊ [الأحزاب: ٥].
وقال تعالى: ﮋ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﮊ [الأحزاب: ٦].
حرص الإسلام على إقامة المجتمع الإسلامي على أساس الحق والعدل والصدق والواقع، فمن أهم صفات أهل الإيمان: الولاية في الله خاصة(161)، فإن بعضهم أنصار بعض وأعوانهم(162)، يتولى بعضهم بعضًا في النصرة والحماية والمحبة والتأييد(163)؛ لأنهم جمعتهم الرحمة والمودة، والإخلاص لله تعالى وللحق، وجماعتهم وأُسرهم تقوم على الفضيلة، والإخلاص والتراحم، فقلوبهم قد صغت لله تعالى، ولانت أفئدتهم له سبحانه، فهم مرتبطون برباط معنوي لا ينفصهم؛ لأنه مربوط بالعروة الوثقى لا انفصام لها، فهي رباط المؤمنين الذي يستمسكون به(164)، جماعتهم كالجسد الواحد، وهم كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، بينهم ولاية النصرة في الدفاع عن الحق والعدل وإعلاء كلمة الله(165).
فالولاية تحتاج إلى شجاعة وإلى نجدة، وإلى تعاون وتكافل وتضامن في تحقيق الخير ودفع الشر(166)، يعين فيه المسلمون بعضهم بعضًا في أمورهم الحياتية، وتنتشر المودة والرحمة والبركة بين أفراد المجتمع، وبذلك نحمي المجتمع من الفتن والجرائم، ويعيش الجميع في أمان واطمئنان(167).
فالناس يحتاج بعضهم إلى بعض في كل شئون الحياة، وهم في مجموعهم قوة متماسكة لا تبدو في تمامها واكتمالها إلا بقوة كل فرد من أفرادها وسعادته، أما الذين تحول ظروف الحياة بينهم وبين تمتعهم بالحقوق التي كفلها الإسلام، فاعتبر المجتمع هو المسئول عن تحقيقها لهم(168).
قال تعالى: ﮋﯜ ﯝ ﯞﮊ [الحجرات: ١٠].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)(169).
ولا عبرة للتقاليد والعادات المنتشرة بين الناس والجارية على أفواههم إذا ما خالفت الحقيقة أو الشريعة(170).
لذلك قال تعالى: ﮋﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮊ [الأحزاب: ٥].
أي: أدعياؤكم الذين لم تعلموا آباءهم من هم، فتنسبوهم إليهم، ولم تعرفوهم فتلحقوهم بهم ﮋﮢ ﮣ ﮤﮊ إن كانوا من أهل ملتكم ﮋ ﮥﮊ إن كانوا محرريكم وليسوا ببنيكم(171)، فادعوهم بالأخوة والمولوية بتأويلهما بالأخوة والولاية في الدين، وكأن دعاءهم بذلك لتطييب قلوبهم؛ ولذا لم يؤمر بدعائهم بأسمائهم فقط(172).
ففيه دليل على أن من لا أب له معروف من ولد دعيّ أو لعان لا ينتسب إلى أمه ولكنه يقال له: أخو معتقه ومولاه إن كان حرًّا، أو عبده إن كان رقًّا(173).
ولهذا قيل لسالم بعد نزول الآية: مولى أبي حذيفة، وكان قد تبنّاه قبل(174)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد: (أنت أخونا ومولانا)(175).
بمعنى أنه حتى في حال عدم علمكم بآبائهم لا يجوز لكم أن تنسبوهم لغير آبائهم، بل ادعوهم بقولكم إخواننا في الدين وموالينا؛ لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض(176).
وظاهر الآية أيضًا يدل على أنه يحرم على الإنسان أن يتعمد دعوة الولد لغير أبيه، وذلك محمول على ما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، وأما إذا لم تكن كذلك كما يقول الكبير للصغير: يا بني، فالظاهر عدم الحرمة، وظاهر الآية أيضًا أنه يباح أن يقال في دعاء من لم يعرف أبوه: يا أخي أو يا مولاي إذا قصد الأخوة في الدين والولاية فيه، بشرط ألا يكون المدعو فاسقًا فمثل هذا يدعى باسمه أو بـ يا عبدالله، أو يا هذا. ونحوه(177).
قال ابن كثير: «وأما دعوة الغير ابنًا على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نُهي عنه في هذه الآية»(178).
ولذوي الأرحام حق عظيم على الإنسان؛ إذ جعل الله تعالى لهم الأولوية على غيرهم، ومن هنا مدح الإسلام الذين يصلون أرحامهم ويتقون الله فيهم(179).
قال تعالى: ﮋ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﮊ [النساء: ١].
وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة: بالحلف(180)، والهجرة(181)، والتبني، والمعاقدة(182)183.
أي: ذوو القرابة من المسلمين بعضهم أحق بميراث بعض في حكم الله وشرعه من الإرث بالايمان والهجرة -كما كان في أول الإسلام- إلا أن تفعلوا -أيها المسلمون- إلى غير الورثة معروفًا بالنصر والبر والصلة والإحسان والوصية(184).
وولاية المؤمنين بعضهم بعضًا مستمرة، فلا مانع أن تفعلوا إلى من بينكم وبينهم موالاة ومناصرة معروفًا بالإحسان إليهم بالوصية والنصرة والبر والصلة وغير ذلك(185).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ويدخل في الآيتين(186)سائر الولايات من المناكح والأموال والعقل(187)والموت»(188).
والاستثناء في فعل المعروف واقع على من كان وليًّا للميت من المؤمنين والمهاجرين، ويكون المعروف وصية يوصى له حيث نسخ الميراث عنه إلى ذي الرحم(189).
ثانيًا: كفالة اليتامى:
المجتمع الإسلامي مجتمع متعاون على البر والخير، مجتمع يرى أن التكافل الاجتماعي هو القاعدة التي ينبغي أن يرتكز عليها هذا المجتمع، فعلى المسلمين أن يكفلوا ويراعوا مصالح الضعفاء في مجتمعهم، كما يراعون حقوق أقويائهم وأغنيائهم.
واليتامى بفقدهم آباءهم وهم صغار ضعاف، أحوج الناس إلى الرحمة والرفق بهم، والمساهمة الفعالة في تخفيف آلامهم، ودفع ما ينزل بهم من ضر وجور، فإكرام اليتامى فيه تقوية للأمة بإنشاء نشء على الخُلق القويم؛ لذلك:
حث الله تعالى على كفالة اليتامى والإحسان إليهم:
قال تعالى: ﮋﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﮊ [البقرة: ٨٣].
وقال تعالى: ﮋﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌﮊ [البقرة: ٢١٥].
وقال تعالى: ﮋﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﮊ [البقرة: ٢٢٠].
وقال تعالى: ﮋﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮊ [النساء: ٢].
وقال جل شأنه: ﮋﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﮊ [البلد: ١١-١٥].
والإحسان إلى اليتامى ميثاق وعهد، أخذه الله على بني إسرائيل وليس خاصًّا بهم، بل هو ميثاق النبيين في كل العصور.
ولكن بني إسرائيل مع العهود والمواثيق لا يفون، فعلى المسلمين الحذر مما وقع فيه أولئك من مخالفة الميثاق وعدم الوفاء به(190).
ويجب الإحسان إلى اليتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات؛ جبرًا لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره، فكان من رحمة الله عز وجل وحكمته أن أوصى بالإحسان إليه(191)، فمن فقد أباه فقد انفرد في هذا الوجود، والأم وإن كانت هي الحانية العاطفة التي تغذيه بأنبل العواطف لا تحميه، وغالبًا لا تعوله، ولذلك لا تعوض حماية الأب وكلاءته(192).
عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وقال بإصبعيه السبابة والوسطى(193).
ففيه فضل رعاية اليتيم وكفالته، وإن أجر رعايته كبير، ومحبوب عند الله تعالى(194).
ويجوز خلط الولي ماله بمال اليتيم، ويجوز التصرف فيه بالبيع والشراء إذا وافق الإصلاح، ويجوز دفعه مضاربة إلى غيره، وجواز الاجتهاد في أحكام الحوادث؛ لأن الإصلاح الذي تضمنه الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد وغالب الظن، وفيه دلالة على أنه لا بأس بتأديب اليتيم وضربه بالرفق لإصلاحه(195).
فمن علم من نيته أنه مصلح لليتيم، وليس له طمع في ماله، فلو دخل عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس. ومن علم الله من نيته، أن قصده بالمخالطة التوصل إلى أكلها، فذلك الذي حرج وإثم، وهذه الرخصة لطف من الله تعالى وإحسان وتوسعة على المؤمنين(196).
وقد أمر أوصياء اليتامى بتسليم أموالهم إليهم، إذا هم بلغوا الحلم وأونس منهم الرشد، وتحريم استبدال الحرام من أموالهم بأموال الأوصياء الحلال لهم أو خلط أموالهم مع أموال اليتامى فتؤكل جميعًا، ففيه تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة، وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم؛ لأن تمام إيتائه ماله، حفظه والقيام به بما يصلحه وينميه وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار(197).
وإن مما يعين على تجاوز أهوال الآخرة ومشقاتها: إطعام الضعفاء في أيام المجاعات، قال قتادة: «في يوم يُشتهى فيه الطعام»(198).
فإن إخراج المال في وقت القحط والضرورة أثقل على النفس وأوجب للأجر، وخاصة إذا كان الإطعام لمن كان جامعًا بين كونه يتيمًا وفقيرًا ذا قرابة، فيجتمع فيه فضل الصدقة وصلة الرحم، وقيل: يدخل فيه القرب بالجوار كما يدخل فيه القرب بالنسب(199). قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنان صدقة وصلة)(200).
وقد نهى الله عز وجل عن إهانة اليتيم وقهره.
قال تعالى: ﮋﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮊ [الفجر: ١٥-١٧].
وقال عز وجل: ﮋﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮊ [الضحى: ٩].
وقال عز وجل: ﮋﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﮊ [الماعون: ١-٢].
فاوت الله تعالى بين أرزاق الناس لحِكم منشودة وامتحان مقصود(201)، كلا ليس الأمر كما يقول الإنسان الخاوي من الإيمان، ليس بسط الرزق دليلًا على الكرامة عند الله، وليس تضييق الرزق دليلًا على المهانة والإهمال، إنما الأمر أنكم لا تنهضون بحق العطاء ولا توفون بحق المال، فأنتم لا تكرمون اليتيم الصغير الذي فقد حاميه وكافله حين فقد أباه(202).
فقد لامهم الله تعالى على عدم اهتمامهم بأحوال الخلق المحتاجين، فأنتم لا تكرمون اليتيم، بل تهينونه، وهذا يدل على عدم الرحمة في قلوبكم وعدم الرغبة في الخير(203)، وترك إكرام اليتيم على وجوه، منها ترك بره، ودفعه عن حقه الثابت له في الميراث وأكل ماله، وأخذ ماله منه(204).
وقد نهى الله تعالى عن إساءة معاملة اليتيم، ونهره إذلاله وإهانته، والعبوس في وجهه(205)، فبعد أن عدّد الله تعالى نعمه على رسوله صلى الله عليه وسلم قال: ﮋﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮊ أي: لا يضيق صدرك عليه ولا تنهره، بل أكرِمه وأعطِه ما تيسر واصنع به كما تحب أن يُصنع بولدك من بعدك(206)، قال مجاهد: «لا تحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا»، وقال الفراء والزجاج: «لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه، وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم»(207).
وهذه التوجيهات إلى إكرام اليتيم والنهي عن قهره وكسر خاطره وإذلاله، من أهم إيحاءات الواقع في البيئة الجاحدة المتكالبة، التي لا ترعى حق ضعيف، غير قادر على حماية حقه بسيفه، فالله تعالى يغضب للاعتداء على حقوق عباده الضعاف الذين لا يملكون قوة ولا سيفًا يذودون به عن هذه الحقوق(208).
وقد وصف الله عز وجل المكذبين بيوم المعاد والجزاء والثواب، الذي لا يؤمن بما جاءت به الرسل بصفات؛ منها: دفع اليتيم بعنف وشدة ولا يرحمه لقساوة قلبه، ولا يطعمه ولا يُحسن إليه(209).
وحاصل الأمر في دَعِّ اليتيم أمور: دفعه عن حقه وماله بالظلم، وترك المواساة معه وإن لم تكن المواساة واجبة، وزجره والاستخفاف به والاضرار به(210).
وقد تكون هذه مفاجأة بالقياس إلى تعريف الإيمان التقليدي، إن الذي يكذّب بالدين هو الذي يدفع اليتيم دفعًا بعنف ويهينه ويؤذيه، فلو صدّق بالدين حقًّا، ولو استقرت حقيقة التصديق في قلبه ما كان ليدّع اليتيم، فالتصديق بالدين يدفعه إلى الخير والبر بإخوانه المحتاجين إلى الرعاية والحماية؛ لأن الله تعالى يريد مع الإيمان أعمالًا تصدقها(211). فالإيمان أخو العطاء والعدالة، وسورة الماعون ترفض العبادة الصورية، وترى أن إعانة محتاج شرط في الإيمان(212).
ثالثًا: بنوة الرضاعة:
قال تعالى: ﮋ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﮊ [النساء: ٢٣].
قوله: ﮋ ﮎ ﮏ ﮐﮊ هي في التحريم مثل الأم الحقيقية، فإذا أرضعت المرأة طفلًا حُرّمت عليه؛ لأنها أمه، وبنتها، لأنها أخته، وأختها؛ لأنها خالته، وأمها؛ لأنها جدته، وبنت زوجها صاحب اللبن؛ لأنها أخته، وأخته؛ لأنها عمته، وأمه؛ لأنها جدته، وبنات بنيها وبناتها؛ لأنهن بنات إخوته وأخواته(213).
وينتشر التحريم بالرضاع إلى ما حُرِّم بالنسب مع الصهر، إما من جهة نسب الرجل، كامرأة أبيه وابنه، أو من جهة نسب الزوجة، كأمها وابنتها، والجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها وخالتها(214)؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)(215).
والتحريم بالرضاع إنما يحصل إذا اتفق الإرضاع في الحولين(216)، ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره إذا وصل الأمعاء(217)وبذلك قال مالك وأبو حنيفة، وذهب الشافعي وأحمد في الصحيح عنه وابن حزم إلى أنه لا تحرِّم إلا خمس رضعات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحرّم الرضعة أو الرضعتان أو المصة أو المصتان)(218).
وهو اختيار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وسواء كان الرضاع من الثدي مباشرة أو بواسطة إناء يوضع فيه اللبن، فإذا رضع من أحدهما أو منهما جميعًا خمس رضعات ثبت التحريم(219).
والطفل الذي لا يكون له ولي يقوم برعايته يعهد القاضي به إلى رجل صالح يقوم على رعايته، وهذا هو الأصل في الإسلام بدل إيداعه في الملاجيء أو دور الرعاية.
ويستحب للفرد التقدم لطلب رعاية أحد هؤلاء وتربيته وتنشئته بحيث يتربى في أحضان الأسرة، بشرط أن لا يلحقه بنسبه، مع مراعاة أحكام الشريعة من حيث الاختلاط، وإن أمكن إرضاعه من إحدى المحارم لكان أولى؛ حتى يكون كأحد أولادهم من حيث الخلوة والمحرمية(220).
ودليل استحباب ذلك عموم قوله: ﮋﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﮊ [المائدة: ٢].
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)(221).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضًا) ثم شبّك بين أصابعه(222). ولأن ذلك يعينه في المستقبل، ويكفل للأمة الأمان من شر سوء تربيته.
ورد في فتاوى اللجنة الدائمة: «يجب على من كفل مثل هؤلاء الأطفال أن لا ينسبهم إليه أو يضيفهم معه في بطاقة العائلة؛ لما يترتب على ذلك من ضياع الأنساب والحقوق، ولارتكاب ما حرم الله، وأن يعرف من يكفلهم أنهم إذا بلغوا سن الرشد فإنهم أجانب منه كبقية الناس، لا يحل الخلوة بهم أو نظر المرأة للرجل أو الرجل للمرأة منهم، إلا إن وُجد رضاع محرم للمكفول، فإنه يكون محرمًا لمن أرضعته ولبناتها وأخواتها ونحو ذلك مما يحرم بالنسب»(223).
ومثل هذا الطفل الذي ينشأ في ظل أسرة يعرف قيمة التكافل في محيط الأسرة التي تقوم على عواطف الرحمة والمودة والتعاطف، والستر، والطهر، والحصانة، والميول الثابتة في الفطرة الإنسانية، كما تتشرب نفسه مجموعة من الآداب والأخلاق، وهي في صميمها آداب المجتع الإسلامي(224).
فرعاية المولود عمل إنساني كريم أمرنا به الإسلام، فيجب الحفاظ على وجوده، ومعاملته معاملة كريمة تقوم على الود والرحمة، وإرشاده، وتعليمه، وحمايته من الفقر والحاجة، ورعاية ضعفه وغربته.
والأطفال الذين يتربَّون في أُسَر ويكونون فيها بمنزلة الأبناء، لا يُعتبر هذا العمل من قبيل التبني؛ إنما هو من قبيل الرعاية الخاصة؛ لأن الأُسَر التي تضم هؤلاء الأطفال لا تعتبرهم منها دمًا ولحمًا ولا نسبًا ولا إلحاقًا، ولا يكون لهم حقوق الأبناء في حكم الشرع، فلا يثبت تحريم الزواج بهم، ولا يثبت لهم الميراث، ولا يثبت لهمم نفقة شرعية(225).
على أن تتولى دور الرعاية الإنفاق عليهم وزيارتهم من وقت لآخر، وكل ذلك لمصلحة الطفل وتربيته تربية صحيحة، تجعله مواطنًا صالحًا في مجتمعه، بدلًا من أن يكون عامل هدم لمجتمعه؛ لأنه لم يجد من يتكفل برعايته والعناية به.
| موضوعات ذات صلة: |
|---|
| الأبوة، الأمومة، البنوة |
موضوعات ذات صلة:
الأبوة، الأمومة، البنوة
إلغاء الفوارق الطبقية.
أنه كان مقدمة لتشريع آخر يقوم عليه، وإن لم تُعلم الحكمة في بداية الأمر للزوجين(105).
فمكثت عنده تقريبًا من سنة أو فوقها(106)، لكن حياة الزوجين لم تصفُ لهما، فكان زيد مرة بعد مرة يشكو إلى رسول الله اضطراب حياته معها، والنبي صلى الله عليه وسلم يحسّ ثِقل التبعة فيما ألهمه الله من أمر زينب، فيواجه القوم بتحطيم ذلك التقليد العميق(107).
قال سبحانه: ﮋ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﮊ أي: أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أعتقه من الرق، وتبنّاه(108)، ﮋﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﮊ الآية، يعاتب الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يقول لزيد: أبقِ زوجك زينب بنت جحش ولا تعجل بطلاقها، واتق الله يا زيد في أمرها(109). ويدل هذا على أنه ينبغي لمن بدا له طلاق زوجته أن لا يتعجل، وأن يستشير من يثق به من أهل العلم والرأي والنصح والشفقة، وأن المستشار عليه أن يأمر بالإمساك مهما أمكن صلاح الحال فهو خير من الفرقة(110).
ﮋ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮊ والذي كان يخفيه النبي صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله تعالى به إليه أن زينب سيطلّقها زيد، ويتزوجها بعدُ النبي صلى الله عليه وسلم والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خوف لوم الناس وتعييرهم بأن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوُّج امرأة الذي يدعى ابنًا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين؛ ليكون أدعى لقبولهم(111). فقد اختار الله بيت النبوة، بل نبي الرسالة الخاتمة؛ ليتم على يديه وفي بيته الإعلان العملي لإبطال هذه العادة من خلال تشريع يتردد صداه بأقوى قوة في المجتمع، فالتعليم الفعلي، أبلغ من القولي خصوصًا إذا اقترن بالقول، فإن ذلك نور على نور(112).
ﮋ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮊ يشير إلى أن رعاية جانب الحق أحق من رعاية جانب الخلق؛ لأن لله تعالى في إبداء هذا الأمر، وإجراء هذا القضاء حِكمًا كثيرة، فالواجب على النبي صلى الله عليه وسلم -وأمته تبع له في ذلك- إذا عُرض له أمران، في أحدهما رعاية جانب الخلق، وفي الآخر رعاية جانب الحق، أن يختار رعاية جانب الحق على الخلق، فإن للحق تعالى في إجراء حكم من أحكامه، واختيار أمر من أوامره حِكمًا كثيرة، كما قال تعالى في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب: ﮋ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮊ(113).
عن أنس رضي الله عنه قال: (جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اتق الله وأمسِك عليك زوجك). قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا لكتم هذه)(114).
وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله تعالى: ﮋ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﮊ وكان رسول الله تبنّاه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له: زيد بن محمد؛ فأنزل الله: ﮋﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮊ (115).
وقوله: ﮋ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮊ الوطر: هو الحاجة والأرب، أي: لما فرغ منها وفارقها ولم تبق له بها حاجة، طلّقها باختياره(116)، ولما انتهت عدتها ﮋ ﮊﮊ صرّح الله تعالى بأنه هو الذي زوّجه إياها ولم يُحوجه إلى ولي وشهود وعقد وصداق؛ تشريفًا له ولها، قال أنس: (فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوَّجكن أهاليكن، وزوَّجني الله تعالى من فوق سبع سماوات)(117). وفي رواية كانت تقول: (إن الله أنكحني في السماء)(118).
وهذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع من المسلمين(119)، وفيه دليل على ثبوت الولي في النكاح(120)، وفيه دليل على أن أولياء النساء وكلاء الله في تزويجهم؛ لأنهن إماؤه فإذا ولي الإنكاح هو جل وعز لم يكن لوكلائه معه ولاية(121).
ﮋ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮊ أي: إذا طلقوهن وانقضت عدتهن، وفيه دليل على أن الأمة مساوية للنبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام، إلا ما قام دليل على تخصيصه به؛ لأنه صرّح بأنه فعل ذلك لنبيه ليرتفع الحرج عن المؤمنين في مثله(122).
وفيه إشارة إلى أن التزويج من النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لقضاء شهوة، بل لبيان الشريعة بفعله، فإن الشرع يستفاد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله، كما يستفاد من القرآن الكريم، ثم بيّن أن زواجه صلى الله عليه وسلم بها مع أنه كان مبيّنًا لشرع، مشتملًا على فائدة كان خاليًا من المفاسد(123)، فقال: ﮋ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﮊ.
هذه مخاطبة من الله تعالى لجميع الأمة، أعلمهم أنه لا حرج ولا ضيق على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نيل ما فرض الله وقسم وقدر له من تزويج زينب بعد زيد، ثم أعلم أن هذا ونحوه هو السنن الأقدم في الأنبياء الذين مضوا من أن ينالوا ما أحل الله لهم ووسع عليهم، فلم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا ردٌّ على من توهم من المنافقين نقصًا في تزويجه صلى الله عليه وسلم امرأة زيد مولاه ودعيِّه الذي كان قد تبنّاه(124) ﮋ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﮊ أي: أمرًا وقضاءً وحكمًا مقضيًّا وكائنًا لا محالة، محددًا وقت وقوعه وكيفية وقوعه، لا يتأخر ولا يتقدم ولا يتغير، فلا حرج على أحد فيما أحل له(125)، فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن(126).
فوائد مستفادة من قصة زيد وزينب رضي الله عنهما:
إظهار صلابة الأنبياء في بيان الأحكام الإلهية، وأن يكون ظاهرهم وباطنهم سواء؛ لأن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بأن زيدًا سيطلّق زينب وينكحها هو، فما الداعي لوعظه وقوله له ﮋ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﮊ(127).
إن هذا الزواج كان امتحانًا قاسيًا للنبي صلى الله عليه وسلم حيث يؤمر به ويعلم نهايته، وزينب تحت مولاه زيد، والحكمة كما نطق القرآن هو تحطيم مبدأ كان معمولًا به ومشهورًا عند العرب، هو تحريم زواج امرأة الابن من التبني كتحريمها إذا كان الابن من النسب(128)، قال تعالى في المحرمات من النساء، ﮋ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮊ [النساء: ٢٣].
أي: من ولدتموه لا من تبنيتموه(129)، فيُفهم منه أن حليلة دعيِّه الذي تبناه لا تحرم عليه(130)؛ لأنه ليس من صلبه، فأما الابن من الرضاعة فمنزل منزلة ابن الصلب شرعًا(131) بقوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)(132).
إن نظام التبني كانت له آثار واقعية في حياة الجماعة العربية، ولم يكن إبطال هذه الآثار الواقعية في حياة المجتمع ليمضي بالسهولة التي يمضي بها إبطال تقليد التبني ذاته؛ لذلك شاء الله أن يحمّل نبيه صلى الله عليه وسلم مؤنة إزالة آثار التبني، ويواجه المجتمع بهذا العمل الذي لا يستطيع أحد غيره أن يواجه المجتمع به(133). ويدل تحرج النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الزواج على أن للأعراف والعادات تأثيرًا كبيرًا في المجتمعات والسلوك(134).
زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب مسألة يتدخل فيها الله تعالى تدخلًا مباشرًا، وفي هذا درس للمؤمنين فيعطوا هذا الموضوع حقه من الفهم والعلم والاحترام والتوقير(135).
ينبغي لمن أراد طلاق زوجه أن لا يتعجل، وأن يستشير من يثق به من أهل العلم والرأي والنصح والشفقة؛ لأن زيدًا استشار النبي صلى الله عليه وسلم أنصح الناس للخلق أجمعين، وعلى المستشار تقديم النصيحة والأمر بإمساك الزوجة مهما أمكن صلاح الحال؛ فهو خير من الفرقة(136).
إكرام الله تعالى لزيد رضي الله عنه بأن جعل اسمه يُقرأ على ألسنة المؤمنين إلى يوم الدين(137).
استخارة الله في الأمور، عن أنس قال: (لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: (فاذكرها عليّ)، قال: فانطلق زيد، أتاها وهي تخمّر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري(138).
منقبة عظيمة لزينب بنت جحش رضي الله عنها ، ورفعة لها وإعلاء لشأنها؛ حيث تولى الله عز وجل تزويجها لرسوله صلى الله عليه وسلم بسبب طاعتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كرهت زواجها لزيد، ثم رضيت بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم(139). عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اتق الله، وأمسِك عليك زوجك)، قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية. قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوَّجكن أهاليكن، وزوَّجني الله تعالى من فوق سبع سماوات). وفي رواية: (إن الله أنكحني في السماء)(140).
شبهات وردود على زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها:
قال تعالى: ﮋ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮊ [الأحزاب: ٣٧].
قوله تعالى: ﮋ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮊ
ذكر المفسرون روايات كثيرة في تفسيرها نذكر منها:
الرد على هذه الشبهة:
قال صاحب الرحيق المختوم: «إن جميع أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين قرروا أن يشنّوا حربًا دعائية واسعة ضد هذا الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد، وأن يجعلوا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم أول هدف لهذه الدعاية.
وقد ظهرت خطتهم بعد غزوة الأحزاب، حينما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين زينب بنت جحش بعد أن طلّقها زيد بن حارثة، فوجد المنافقون ثلمتين -حسب زعمهم- لإثارة المشاغب ضد النبي صلى الله عليه وسلم.
الأولى: أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة، والقرآن لم يكن أذن في الزواج بأكثر من أربع نسوة فكيف صح له هذا الزواج؟
الثانية: أن زينب كانت زوجة ابنه -متبناه- فالزواج بها من أكبر الكبائر، حسب تقاليد العرب، وأكثروا من الدعاية في هذا السبيل، واختلقوا قصصًا وأساطير، قالوا: إن محمدًا رآها بغتة، فتأثر بحُسنها وعلقت بقلبه، وعلم بذلك ابنه زيد فخلّى سبيلها لمحمد، وقد نشروا هذه الدعاية المختلقة نشرًا بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذا الزمان، وقد أثّرت تلك الدعاية تأثيرًا قويًّا في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآن بالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور، وينبيء عن سعة نشر هذه الدعاية أن الله استفتح سورة الأحزاب بقوله: ﮋﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﮊ [الأحزاب: ١]»(145).
أما قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها فوقعت في قلبه، فباطل وجهل من القائل بالقرآن وبالرسل، وتحميله كلام الله ما لا يحتمله، ونسبته رسول الله إلى ما برّأه الله منه، فإن زينب ابنة عمته، وكان يراها ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها، ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، حاشا لذلك القلب المطهّر من هذه العلاقة الفاسدة(146).
إن الله تعالى كان قد أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن زيدًا يطلّق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكى زيد للنبي صلى الله عليه وسلم، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية: (اتق الله في قولك، وأمسِك عليك زوجك)، وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو متبناه(147) ﮋﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﮊ أي: مما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك بعد طلاق زيد لها(148) وهو مطابق للتلاوة؛ لأن الله أعلم أنه مبدي ما أخفاه عليه الصلاة والسلام ، وهذا الذي أبداه الله جل وعلا هو زواجه إياها في قوله: ﮋ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮊ ولم يُبد جل وعلا شيئًا مما زعموه أنه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى (149).
فإن قيل: فلأي معنى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أمسِك عليك زوجك، وقد أخبره الله أنها زوجته؟
قلنا: إنه أراد أن يختبر منه ما لم يُعلمه الله به من رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له زيد من النفرة عنها والكراهية لها ما لم يكن علمه منه في أمرها(150). ﮋﭾ ﭿﮊ تخاف لائمة الناس أن يقولوا: أمر رجلًا بطلاق امرأته ثم نكحها، أو تزوج امرأة ابنه؛ لأن زيدًا كان يُدعى ابنه، والله أحق أن تخشاه من الناس ولا تجمع خشية الناس مع خشية الله في أن تؤخر شيئًا أخبرك به لشيء يشق عليك. قال جمع من الصحابة: «ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية»(151).
فمتعلق الخشية على رأي القائلين بالعشق والغرام هو خشيته صلى الله عليه وسلم أن يطّلع الناس على ما في قلبه من الحب والميل إلى زينب. أما على رأي المحققين العارفين بأحوال الأنبياء، فمتعلق الخشية خشيته صلى الله عليه وسلم من وقوع الناس في عِرضه وقولهم: تزوج بزوجة ابنه. والفرق واضح بين متعلق الخشيتين في كلتا الحالتين(152) والعتاب عليه على إظهار ما ينافي الإضمار(153).
وليس معنى الخشية هنا: الخوف، وإنما معناه الاستحياء، أي: يستحي منهم أن يقولوا: تزوج زوجة ابنه، وأن خشيته صلى الله عليه وسلم من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود وتشغيبهم على المسلمين بقولهم: تزوج زوجة ابنه، بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء، فعتبه الله تعالى على هذا، أو نزّهه عن الالتفات إليهم فيما أحله الله(154)، قال بعض العلماء: «ليس هذا من النبي صلى الله عليه وسلم خطيئة؛ ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالإستغفار منه، وقد يكون الشيء ليس بخطيئة إلا أن غيره أحسن منه، وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يفتتن الناس(155)، وأن يقولوا قولًا ويظنوا ظنًّا فيهلكوا، والرسول صلى الله عليه وسلم رءوف رحيم بأمته، فهو يخشى عليها من الوقوع في الهلاك باعتقاد ما يتنافى مع كرامة الأنبياء وعصمتهم»(156).
وخاصة أن في المؤمنين حدثاء الإسلام من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، فكانت خشية رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة بهم أن يلقي الشيطان في أنفسهم شيئًا يأثمون به ويهلكون، فهذه الخشية كانت من قبيل الرحمة والإحسان إلى المؤمنين ليحفظ صلى الله عليه وسلم عليهم إيمانهم(157).
قال تعالى: ﮋ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﮊ [الأحزاب: ٤٠].
هو جواب عن سؤال مقدر، تقديره: أمحمد أبو زيد؟ فأجيب بنفي الأعم المستلزم لنفي الأخص؛ إذ لو اقتصر على قوله: ما كان محمد أبا زيد، لقيل: ماذا يلزم منه؟ فقد كان للأنبياء أبناء، فجيء بنفي الأعم تمهيدًا للاستدراك بأنه رسول الله وخاتم النبيين(158).
والخلاصة في الرد على هذه الشبهة:
وقضاء الوطر: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء. فليس على رسول الله صلى الله عليه وسلم حرج في هذا النكاح(160).
ففيه أكبر حجة على الذين خاضوا في عِرض رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بدائل التبني في الإسلام
شرع الإسلام بدائل للتبني تغني عنه، ومن تلك البدائل:
أولًا: الأخوة والولاء في الدين:
قال تعالى: ﮋ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮊ [التوبة: ٧١].
وقال تعالى: ﮋ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮊ [الأحزاب: ٥].
وقال تعالى: ﮋ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﮊ [الأحزاب: ٦].
حرص الإسلام على إقامة المجتمع الإسلامي على أساس الحق والعدل والصدق والواقع، فمن أهم صفات أهل الإيمان: الولاية في الله خاصة(161)، فإن بعضهم أنصار بعض وأعوانهم(162)، يتولى بعضهم بعضًا في النصرة والحماية والمحبة والتأييد(163)؛ لأنهم جمعتهم الرحمة والمودة، والإخلاص لله تعالى وللحق، وجماعتهم وأُسرهم تقوم على الفضيلة، والإخلاص والتراحم، فقلوبهم قد صغت لله تعالى، ولانت أفئدتهم له سبحانه، فهم مرتبطون برباط معنوي لا ينفصهم؛ لأنه مربوط بالعروة الوثقى لا انفصام لها، فهي رباط المؤمنين الذي يستمسكون به(164)، جماعتهم كالجسد الواحد، وهم كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، بينهم ولاية النصرة في الدفاع عن الحق والعدل وإعلاء كلمة الله(165).
فالولاية تحتاج إلى شجاعة وإلى نجدة، وإلى تعاون وتكافل وتضامن في تحقيق الخير ودفع الشر(166)، يعين فيه المسلمون بعضهم بعضًا في أمورهم الحياتية، وتنتشر المودة والرحمة والبركة بين أفراد المجتمع، وبذلك نحمي المجتمع من الفتن والجرائم، ويعيش الجميع في أمان واطمئنان(167).
فالناس يحتاج بعضهم إلى بعض في كل شئون الحياة، وهم في مجموعهم قوة متماسكة لا تبدو في تمامها واكتمالها إلا بقوة كل فرد من أفرادها وسعادته، أما الذين تحول ظروف الحياة بينهم وبين تمتعهم بالحقوق التي كفلها الإسلام، فاعتبر المجتمع هو المسئول عن تحقيقها لهم(168).
قال تعالى: ﮋﯜ ﯝ ﯞﮊ [الحجرات: ١٠].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)(169).
ولا عبرة للتقاليد والعادات المنتشرة بين الناس والجارية على أفواههم إذا ما خالفت الحقيقة أو الشريعة(170).
لذلك قال تعالى: ﮋﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮊ [الأحزاب: ٥].
أي: أدعياؤكم الذين لم تعلموا آباءهم من هم، فتنسبوهم إليهم، ولم تعرفوهم فتلحقوهم بهم ﮋﮢ ﮣ ﮤﮊ إن كانوا من أهل ملتكم ﮋ ﮥﮊ إن كانوا محرريكم وليسوا ببنيكم(171)، فادعوهم بالأخوة والمولوية بتأويلهما بالأخوة والولاية في الدين، وكأن دعاءهم بذلك لتطييب قلوبهم؛ ولذا لم يؤمر بدعائهم بأسمائهم فقط(172).
ففيه دليل على أن من لا أب له معروف من ولد دعيّ أو لعان لا ينتسب إلى أمه ولكنه يقال له: أخو معتقه ومولاه إن كان حرًّا، أو عبده إن كان رقًّا(173).
ولهذا قيل لسالم بعد نزول الآية: مولى أبي حذيفة، وكان قد تبنّاه قبل(174)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد: (أنت أخونا ومولانا)(175).
بمعنى أنه حتى في حال عدم علمكم بآبائهم لا يجوز لكم أن تنسبوهم لغير آبائهم، بل ادعوهم بقولكم إخواننا في الدين وموالينا؛ لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض(176).
وظاهر الآية أيضًا يدل على أنه يحرم على الإنسان أن يتعمد دعوة الولد لغير أبيه، وذلك محمول على ما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، وأما إذا لم تكن كذلك كما يقول الكبير للصغير: يا بني، فالظاهر عدم الحرمة، وظاهر الآية أيضًا أنه يباح أن يقال في دعاء من لم يعرف أبوه: يا أخي أو يا مولاي إذا قصد الأخوة في الدين والولاية فيه، بشرط ألا يكون المدعو فاسقًا فمثل هذا يدعى باسمه أو بـ يا عبدالله، أو يا هذا. ونحوه(177).
قال ابن كثير: «وأما دعوة الغير ابنًا على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نُهي عنه في هذه الآية»(178).
ولذوي الأرحام حق عظيم على الإنسان؛ إذ جعل الله تعالى لهم الأولوية على غيرهم، ومن هنا مدح الإسلام الذين يصلون أرحامهم ويتقون الله فيهم(179).
قال تعالى: ﮋ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﮊ [النساء: ١].
وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة: بالحلف(180)، والهجرة(181)، والتبني، والمعاقدة(182)183.
أي: ذوو القرابة من المسلمين بعضهم أحق بميراث بعض في حكم الله وشرعه من الإرث بالايمان والهجرة -كما كان في أول الإسلام- إلا أن تفعلوا -أيها المسلمون- إلى غير الورثة معروفًا بالنصر والبر والصلة والإحسان والوصية(184).
وولاية المؤمنين بعضهم بعضًا مستمرة، فلا مانع أن تفعلوا إلى من بينكم وبينهم موالاة ومناصرة معروفًا بالإحسان إليهم بالوصية والنصرة والبر والصلة وغير ذلك(185).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ويدخل في الآيتين(186)سائر الولايات من المناكح والأموال والعقل(187)والموت»(188).
والاستثناء في فعل المعروف واقع على من كان وليًّا للميت من المؤمنين والمهاجرين، ويكون المعروف وصية يوصى له حيث نسخ الميراث عنه إلى ذي الرحم(189).
ثانيًا: كفالة اليتامى:
المجتمع الإسلامي مجتمع متعاون على البر والخير، مجتمع يرى أن التكافل الاجتماعي هو القاعدة التي ينبغي أن يرتكز عليها هذا المجتمع، فعلى المسلمين أن يكفلوا ويراعوا مصالح الضعفاء في مجتمعهم، كما يراعون حقوق أقويائهم وأغنيائهم.
واليتامى بفقدهم آباءهم وهم صغار ضعاف، أحوج الناس إلى الرحمة والرفق بهم، والمساهمة الفعالة في تخفيف آلامهم، ودفع ما ينزل بهم من ضر وجور، فإكرام اليتامى فيه تقوية للأمة بإنشاء نشء على الخُلق القويم؛ لذلك:
حث الله تعالى على كفالة اليتامى والإحسان إليهم:
قال تعالى: ﮋﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﮊ [البقرة: ٨٣].
وقال تعالى: ﮋﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌﮊ [البقرة: ٢١٥].
وقال تعالى: ﮋﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﮊ [البقرة: ٢٢٠].
وقال تعالى: ﮋﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮊ [النساء: ٢].
وقال جل شأنه: ﮋﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﮊ [البلد: ١١-١٥].
والإحسان إلى اليتامى ميثاق وعهد، أخذه الله على بني إسرائيل وليس خاصًّا بهم، بل هو ميثاق النبيين في كل العصور.
ولكن بني إسرائيل مع العهود والمواثيق لا يفون، فعلى المسلمين الحذر مما وقع فيه أولئك من مخالفة الميثاق وعدم الوفاء به(190).
ويجب الإحسان إلى اليتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات؛ جبرًا لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره، فكان من رحمة الله عز وجل وحكمته أن أوصى بالإحسان إليه(191)، فمن فقد أباه فقد انفرد في هذا الوجود، والأم وإن كانت هي الحانية العاطفة التي تغذيه بأنبل العواطف لا تحميه، وغالبًا لا تعوله، ولذلك لا تعوض حماية الأب وكلاءته(192).
عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وقال بإصبعيه السبابة والوسطى(193).
ففيه فضل رعاية اليتيم وكفالته، وإن أجر رعايته كبير، ومحبوب عند الله تعالى(194).
ويجوز خلط الولي ماله بمال اليتيم، ويجوز التصرف فيه بالبيع والشراء إذا وافق الإصلاح، ويجوز دفعه مضاربة إلى غيره، وجواز الاجتهاد في أحكام الحوادث؛ لأن الإصلاح الذي تضمنه الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد وغالب الظن، وفيه دلالة على أنه لا بأس بتأديب اليتيم وضربه بالرفق لإصلاحه(195).
فمن علم من نيته أنه مصلح لليتيم، وليس له طمع في ماله، فلو دخل عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس. ومن علم الله من نيته، أن قصده بالمخالطة التوصل إلى أكلها، فذلك الذي حرج وإثم، وهذه الرخصة لطف من الله تعالى وإحسان وتوسعة على المؤمنين(196).
وقد أمر أوصياء اليتامى بتسليم أموالهم إليهم، إذا هم بلغوا الحلم وأونس منهم الرشد، وتحريم استبدال الحرام من أموالهم بأموال الأوصياء الحلال لهم أو خلط أموالهم مع أموال اليتامى فتؤكل جميعًا، ففيه تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة، وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم؛ لأن تمام إيتائه ماله، حفظه والقيام به بما يصلحه وينميه وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار(197).
وإن مما يعين على تجاوز أهوال الآخرة ومشقاتها: إطعام الضعفاء في أيام المجاعات، قال قتادة: «في يوم يُشتهى فيه الطعام»(198).
فإن إخراج المال في وقت القحط والضرورة أثقل على النفس وأوجب للأجر، وخاصة إذا كان الإطعام لمن كان جامعًا بين كونه يتيمًا وفقيرًا ذا قرابة، فيجتمع فيه فضل الصدقة وصلة الرحم، وقيل: يدخل فيه القرب بالجوار كما يدخل فيه القرب بالنسب(199). قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنان صدقة وصلة)(200).
وقد نهى الله عز وجل عن إهانة اليتيم وقهره.
قال تعالى: ﮋﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮊ [الفجر: ١٥-١٧].
وقال عز وجل: ﮋﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮊ [الضحى: ٩].
وقال عز وجل: ﮋﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﮊ [الماعون: ١-٢].
فاوت الله تعالى بين أرزاق الناس لحِكم منشودة وامتحان مقصود(201)، كلا ليس الأمر كما يقول الإنسان الخاوي من الإيمان، ليس بسط الرزق دليلًا على الكرامة عند الله، وليس تضييق الرزق دليلًا على المهانة والإهمال، إنما الأمر أنكم لا تنهضون بحق العطاء ولا توفون بحق المال، فأنتم لا تكرمون اليتيم الصغير الذي فقد حاميه وكافله حين فقد أباه(202).
فقد لامهم الله تعالى على عدم اهتمامهم بأحوال الخلق المحتاجين، فأنتم لا تكرمون اليتيم، بل تهينونه، وهذا يدل على عدم الرحمة في قلوبكم وعدم الرغبة في الخير(203)، وترك إكرام اليتيم على وجوه، منها ترك بره، ودفعه عن حقه الثابت له في الميراث وأكل ماله، وأخذ ماله منه(204).
وقد نهى الله تعالى عن إساءة معاملة اليتيم، ونهره إذلاله وإهانته، والعبوس في وجهه(205)، فبعد أن عدّد الله تعالى نعمه على رسوله صلى الله عليه وسلم قال: ﮋﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮊ أي: لا يضيق صدرك عليه ولا تنهره، بل أكرِمه وأعطِه ما تيسر واصنع به كما تحب أن يُصنع بولدك من بعدك(206)، قال مجاهد: «لا تحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا»، وقال الفراء والزجاج: «لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه، وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم»(207).
وهذه التوجيهات إلى إكرام اليتيم والنهي عن قهره وكسر خاطره وإذلاله، من أهم إيحاءات الواقع في البيئة الجاحدة المتكالبة، التي لا ترعى حق ضعيف، غير قادر على حماية حقه بسيفه، فالله تعالى يغضب للاعتداء على حقوق عباده الضعاف الذين لا يملكون قوة ولا سيفًا يذودون به عن هذه الحقوق(208).
وقد وصف الله عز وجل المكذبين بيوم المعاد والجزاء والثواب، الذي لا يؤمن بما جاءت به الرسل بصفات؛ منها: دفع اليتيم بعنف وشدة ولا يرحمه لقساوة قلبه، ولا يطعمه ولا يُحسن إليه(209).
وحاصل الأمر في دَعِّ اليتيم أمور: دفعه عن حقه وماله بالظلم، وترك المواساة معه وإن لم تكن المواساة واجبة، وزجره والاستخفاف به والاضرار به(210).
وقد تكون هذه مفاجأة بالقياس إلى تعريف الإيمان التقليدي، إن الذي يكذّب بالدين هو الذي يدفع اليتيم دفعًا بعنف ويهينه ويؤذيه، فلو صدّق بالدين حقًّا، ولو استقرت حقيقة التصديق في قلبه ما كان ليدّع اليتيم، فالتصديق بالدين يدفعه إلى الخير والبر بإخوانه المحتاجين إلى الرعاية والحماية؛ لأن الله تعالى يريد مع الإيمان أعمالًا تصدقها(211). فالإيمان أخو العطاء والعدالة، وسورة الماعون ترفض العبادة الصورية، وترى أن إعانة محتاج شرط في الإيمان(212).
ثالثًا: بنوة الرضاعة:
قال تعالى: ﮋ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﮊ [النساء: ٢٣].
قوله: ﮋ ﮎ ﮏ ﮐﮊ هي في التحريم مثل الأم الحقيقية، فإذا أرضعت المرأة طفلًا حُرّمت عليه؛ لأنها أمه، وبنتها، لأنها أخته، وأختها؛ لأنها خالته، وأمها؛ لأنها جدته، وبنت زوجها صاحب اللبن؛ لأنها أخته، وأخته؛ لأنها عمته، وأمه؛ لأنها جدته، وبنات بنيها وبناتها؛ لأنهن بنات إخوته وأخواته(213).
وينتشر التحريم بالرضاع إلى ما حُرِّم بالنسب مع الصهر، إما من جهة نسب الرجل، كامرأة أبيه وابنه، أو من جهة نسب الزوجة، كأمها وابنتها، والجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها وخالتها(214)؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)(215).
والتحريم بالرضاع إنما يحصل إذا اتفق الإرضاع في الحولين(216)، ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره إذا وصل الأمعاء(217)وبذلك قال مالك وأبو حنيفة، وذهب الشافعي وأحمد في الصحيح عنه وابن حزم إلى أنه لا تحرِّم إلا خمس رضعات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحرّم الرضعة أو الرضعتان أو المصة أو المصتان)(218).
وهو اختيار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وسواء كان الرضاع من الثدي مباشرة أو بواسطة إناء يوضع فيه اللبن، فإذا رضع من أحدهما أو منهما جميعًا خمس رضعات ثبت التحريم(219).
والطفل الذي لا يكون له ولي يقوم برعايته يعهد القاضي به إلى رجل صالح يقوم على رعايته، وهذا هو الأصل في الإسلام بدل إيداعه في الملاجيء أو دور الرعاية.
ويستحب للفرد التقدم لطلب رعاية أحد هؤلاء وتربيته وتنشئته بحيث يتربى في أحضان الأسرة، بشرط أن لا يلحقه بنسبه، مع مراعاة أحكام الشريعة من حيث الاختلاط، وإن أمكن إرضاعه من إحدى المحارم لكان أولى؛ حتى يكون كأحد أولادهم من حيث الخلوة والمحرمية(220).
ودليل استحباب ذلك عموم قوله: ﮋﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﮊ [المائدة: ٢].
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)(221).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضًا) ثم شبّك بين أصابعه(222). ولأن ذلك يعينه في المستقبل، ويكفل للأمة الأمان من شر سوء تربيته.
ورد في فتاوى اللجنة الدائمة: «يجب على من كفل مثل هؤلاء الأطفال أن لا ينسبهم إليه أو يضيفهم معه في بطاقة العائلة؛ لما يترتب على ذلك من ضياع الأنساب والحقوق، ولارتكاب ما حرم الله، وأن يعرف من يكفلهم أنهم إذا بلغوا سن الرشد فإنهم أجانب منه كبقية الناس، لا يحل الخلوة بهم أو نظر المرأة للرجل أو الرجل للمرأة منهم، إلا إن وُجد رضاع محرم للمكفول، فإنه يكون محرمًا لمن أرضعته ولبناتها وأخواتها ونحو ذلك مما يحرم بالنسب»(223).
ومثل هذا الطفل الذي ينشأ في ظل أسرة يعرف قيمة التكافل في محيط الأسرة التي تقوم على عواطف الرحمة والمودة والتعاطف، والستر، والطهر، والحصانة، والميول الثابتة في الفطرة الإنسانية، كما تتشرب نفسه مجموعة من الآداب والأخلاق، وهي في صميمها آداب المجتع الإسلامي(224).
فرعاية المولود عمل إنساني كريم أمرنا به الإسلام، فيجب الحفاظ على وجوده، ومعاملته معاملة كريمة تقوم على الود والرحمة، وإرشاده، وتعليمه، وحمايته من الفقر والحاجة، ورعاية ضعفه وغربته.
والأطفال الذين يتربَّون في أُسَر ويكونون فيها بمنزلة الأبناء، لا يُعتبر هذا العمل من قبيل التبني؛ إنما هو من قبيل الرعاية الخاصة؛ لأن الأُسَر التي تضم هؤلاء الأطفال لا تعتبرهم منها دمًا ولحمًا ولا نسبًا ولا إلحاقًا، ولا يكون لهم حقوق الأبناء في حكم الشرع، فلا يثبت تحريم الزواج بهم، ولا يثبت لهم الميراث، ولا يثبت لهمم نفقة شرعية(225).
على أن تتولى دور الرعاية الإنفاق عليهم وزيارتهم من وقت لآخر، وكل ذلك لمصلحة الطفل وتربيته تربية صحيحة، تجعله مواطنًا صالحًا في مجتمعه، بدلًا من أن يكون عامل هدم لمجتمعه؛ لأنه لم يجد من يتكفل برعايته والعناية به.
| موضوعات ذات صلة: |
|---|
| الأبوة، الأمومة، البنوة |
موضوعات ذات صلة:
الأبوة، الأمومة، البنوة
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل منزل زيد بن حارثة أبصر امرأته قائمة في درع وخمار، وكانت بيضاء جميلة ذات خلق، من أتم نساء قريش. فأعجبته، فقال: (سبحان مقلّب القلوب)، فلما سمعت زينب ذلك جلست، وجاء زيد إلى منزله، فذكرت ذلك له زينب، فعلم أنها وقعت في نفسه، فأتى زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإن بها غيرة وإذاية بلسانها»، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمسِك أهلك)، وفي قلبه غير ذلك، فطلّقها زيد(141).
وفي رواية: «فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا يريده، وعلى الباب ستر من شعر، فرفعت الريح الستر فانكشف، وهي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها في قلب النبي صلى الله عليه وسلم. فلما وقع ذلك كُرِّهت إلى الآخر، قال: فجاء فقال: «يا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي». قال: (مالك، أرابك منها شيء؟) قال: «لا والله ما رابني منها شيء يا رسول الله، ولا رأيت إلا خيرًا». فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمسِك عليك زوجك واتق الله)، فذلك قول الله تعالى: ﮋ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ..ﮊ تخفي في نفسك إن فارقها تزوجتها(142). وفي رواية: وتخفي في نفسك محبة فراقه إياها؛ لتتزوجها إن هو فارقها(143).
وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت زيد فلم يجده، وعرضت زينب عليه دخول البيت فأبى أن يدخل، وانصرف راجعًا يتكلم بكلام لم تفهم منه سوى (سبحان الله العظيم، سبحان مصرّف القلوب)، فجاء زيد فأخبرته بما كان، فأتى رسول الله فقال له: «بلغني يا رسول الله أنك جئت منزلي، فهلا دخلت يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها»، فقال عليه الصلاة والسلام: (أمسِك عليك زوجك، واتق الله)، فما استطاع زيد إليها سبيلًا بعد ففارقها(144).
الرد على هذه الشبهة:
قال صاحب الرحيق المختوم: «إن جميع أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين قرروا أن يشنّوا حربًا دعائية واسعة ضد هذا الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد، وأن يجعلوا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم أول هدف لهذه الدعاية.
وقد ظهرت خطتهم بعد غزوة الأحزاب، حينما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين زينب بنت جحش بعد أن طلّقها زيد بن حارثة، فوجد المنافقون ثلمتين -حسب زعمهم- لإثارة المشاغب ضد النبي صلى الله عليه وسلم.
الأولى: أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة، والقرآن لم يكن أذن في الزواج بأكثر من أربع نسوة فكيف صح له هذا الزواج؟
الثانية: أن زينب كانت زوجة ابنه -متبناه- فالزواج بها من أكبر الكبائر، حسب تقاليد العرب، وأكثروا من الدعاية في هذا السبيل، واختلقوا قصصًا وأساطير، قالوا: إن محمدًا رآها بغتة، فتأثر بحُسنها وعلقت بقلبه، وعلم بذلك ابنه زيد فخلّى سبيلها لمحمد، وقد نشروا هذه الدعاية المختلقة نشرًا بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذا الزمان، وقد أثّرت تلك الدعاية تأثيرًا قويًّا في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآن بالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور، وينبيء عن سعة نشر هذه الدعاية أن الله استفتح سورة الأحزاب بقوله: ﮋﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﮊ [الأحزاب: ١]»(145).
أما قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها فوقعت في قلبه، فباطل وجهل من القائل بالقرآن وبالرسل، وتحميله كلام الله ما لا يحتمله، ونسبته رسول الله إلى ما برّأه الله منه، فإن زينب ابنة عمته، وكان يراها ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها، ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، حاشا لذلك القلب المطهّر من هذه العلاقة الفاسدة(146).
إن الله تعالى كان قد أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن زيدًا يطلّق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكى زيد للنبي صلى الله عليه وسلم، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية: (اتق الله في قولك، وأمسِك عليك زوجك)، وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو متبناه(147) ﮋﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﮊ أي: مما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك بعد طلاق زيد لها(148) وهو مطابق للتلاوة؛ لأن الله أعلم أنه مبدي ما أخفاه عليه الصلاة والسلام ، وهذا الذي أبداه الله جل وعلا هو زواجه إياها في قوله: ﮋ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮊ ولم يُبد جل وعلا شيئًا مما زعموه أنه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى (149).
فإن قيل: فلأي معنى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أمسِك عليك زوجك، وقد أخبره الله أنها زوجته؟
قلنا: إنه أراد أن يختبر منه ما لم يُعلمه الله به من رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له زيد من النفرة عنها والكراهية لها ما لم يكن علمه منه في أمرها(150). ﮋﭾ ﭿﮊ تخاف لائمة الناس أن يقولوا: أمر رجلًا بطلاق امرأته ثم نكحها، أو تزوج امرأة ابنه؛ لأن زيدًا كان يُدعى ابنه، والله أحق أن تخشاه من الناس ولا تجمع خشية الناس مع خشية الله في أن تؤخر شيئًا أخبرك به لشيء يشق عليك. قال جمع من الصحابة: «ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية»(151).
فمتعلق الخشية على رأي القائلين بالعشق والغرام هو خشيته صلى الله عليه وسلم أن يطّلع الناس على ما في قلبه من الحب والميل إلى زينب. أما على رأي المحققين العارفين بأحوال الأنبياء، فمتعلق الخشية خشيته صلى الله عليه وسلم من وقوع الناس في عِرضه وقولهم: تزوج بزوجة ابنه. والفرق واضح بين متعلق الخشيتين في كلتا الحالتين(152) والعتاب عليه على إظهار ما ينافي الإضمار(153).
وليس معنى الخشية هنا: الخوف، وإنما معناه الاستحياء، أي: يستحي منهم أن يقولوا: تزوج زوجة ابنه، وأن خشيته صلى الله عليه وسلم من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود وتشغيبهم على المسلمين بقولهم: تزوج زوجة ابنه، بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء، فعتبه الله تعالى على هذا، أو نزّهه عن الالتفات إليهم فيما أحله الله(154)، قال بعض العلماء: «ليس هذا من النبي صلى الله عليه وسلم خطيئة؛ ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالإستغفار منه، وقد يكون الشيء ليس بخطيئة إلا أن غيره أحسن منه، وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يفتتن الناس(155)، وأن يقولوا قولًا ويظنوا ظنًّا فيهلكوا، والرسول صلى الله عليه وسلم رءوف رحيم بأمته، فهو يخشى عليها من الوقوع في الهلاك باعتقاد ما يتنافى مع كرامة الأنبياء وعصمتهم»(156).
وخاصة أن في المؤمنين حدثاء الإسلام من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، فكانت خشية رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة بهم أن يلقي الشيطان في أنفسهم شيئًا يأثمون به ويهلكون، فهذه الخشية كانت من قبيل الرحمة والإحسان إلى المؤمنين ليحفظ صلى الله عليه وسلم عليهم إيمانهم(157).
قال تعالى: ﮋ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﮊ [الأحزاب: ٤٠].
هو جواب عن سؤال مقدر، تقديره: أمحمد أبو زيد؟ فأجيب بنفي الأعم المستلزم لنفي الأخص؛ إذ لو اقتصر على قوله: ما كان محمد أبا زيد، لقيل: ماذا يلزم منه؟ فقد كان للأنبياء أبناء، فجيء بنفي الأعم تمهيدًا للاستدراك بأنه رسول الله وخاتم النبيين(158).
والخلاصة في الرد على هذه الشبهة:
الروايات في قصة الحب والغرام ضعيفة من حيث السند.
تتنافى مع عصمة النبي صلى الله عليه وسلم ومكانته من حيث المتن.
لو كان الذي أخفاه صلى الله عليه وسلم هو محبته لها لأظهره الله تعالى؛ لأنه تعالى قد وعد باظهاره، ولكن الله تعالى أظهر أنه سيتزوجها.
أن هذا الزواج لحكمة لا تعلوها حكمة في زواج أحد من أزواجه صلى الله عليه وسلم، وهي إبطال بدعة التبني، فما أظهره الله تعالى هو رغبته صلى الله عليه وسلم في تنفيذ أمر الله بالزواج من مطلقة متبنيه (زيد) لإبطال حكم التبني وتحريم زوجة الدّعي على من تبنّاه(159).
قوله: ﮋ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮊ أخبرهم الله تعالى أن نساء الأدعياء حلال لهم إذا طلقوهن.
وقضاء الوطر: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء. فليس على رسول الله صلى الله عليه وسلم حرج في هذا النكاح(160).
ففيه أكبر حجة على الذين خاضوا في عِرض رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرع الإسلام بدائل للتبني تغني عنه، ومن تلك البدائل:
أولًا: الأخوة والولاء في الدين:
قال تعالى: ﮋ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮊ [التوبة: ٧١].
وقال تعالى: ﮋ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮊ [الأحزاب: ٥].
وقال تعالى: ﮋ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﮊ [الأحزاب: ٦].
حرص الإسلام على إقامة المجتمع الإسلامي على أساس الحق والعدل والصدق والواقع، فمن أهم صفات أهل الإيمان: الولاية في الله خاصة(161)، فإن بعضهم أنصار بعض وأعوانهم(162)، يتولى بعضهم بعضًا في النصرة والحماية والمحبة والتأييد(163)؛ لأنهم جمعتهم الرحمة والمودة، والإخلاص لله تعالى وللحق، وجماعتهم وأُسرهم تقوم على الفضيلة، والإخلاص والتراحم، فقلوبهم قد صغت لله تعالى، ولانت أفئدتهم له سبحانه، فهم مرتبطون برباط معنوي لا ينفصهم؛ لأنه مربوط بالعروة الوثقى لا انفصام لها، فهي رباط المؤمنين الذي يستمسكون به(164)، جماعتهم كالجسد الواحد، وهم كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، بينهم ولاية النصرة في الدفاع عن الحق والعدل وإعلاء كلمة الله(165).
فالولاية تحتاج إلى شجاعة وإلى نجدة، وإلى تعاون وتكافل وتضامن في تحقيق الخير ودفع الشر(166)، يعين فيه المسلمون بعضهم بعضًا في أمورهم الحياتية، وتنتشر المودة والرحمة والبركة بين أفراد المجتمع، وبذلك نحمي المجتمع من الفتن والجرائم، ويعيش الجميع في أمان واطمئنان(167).
فالناس يحتاج بعضهم إلى بعض في كل شئون الحياة، وهم في مجموعهم قوة متماسكة لا تبدو في تمامها واكتمالها إلا بقوة كل فرد من أفرادها وسعادته، أما الذين تحول ظروف الحياة بينهم وبين تمتعهم بالحقوق التي كفلها الإسلام، فاعتبر المجتمع هو المسئول عن تحقيقها لهم(168).
قال تعالى: ﮋﯜ ﯝ ﯞﮊ [الحجرات: ١٠].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)(169).
ولا عبرة للتقاليد والعادات المنتشرة بين الناس والجارية على أفواههم إذا ما خالفت الحقيقة أو الشريعة(170).
لذلك قال تعالى: ﮋﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮊ [الأحزاب: ٥].
أي: أدعياؤكم الذين لم تعلموا آباءهم من هم، فتنسبوهم إليهم، ولم تعرفوهم فتلحقوهم بهم ﮋﮢ ﮣ ﮤﮊ إن كانوا من أهل ملتكم ﮋ ﮥﮊ إن كانوا محرريكم وليسوا ببنيكم(171)، فادعوهم بالأخوة والمولوية بتأويلهما بالأخوة والولاية في الدين، وكأن دعاءهم بذلك لتطييب قلوبهم؛ ولذا لم يؤمر بدعائهم بأسمائهم فقط(172).
ففيه دليل على أن من لا أب له معروف من ولد دعيّ أو لعان لا ينتسب إلى أمه ولكنه يقال له: أخو معتقه ومولاه إن كان حرًّا، أو عبده إن كان رقًّا(173).
ولهذا قيل لسالم بعد نزول الآية: مولى أبي حذيفة، وكان قد تبنّاه قبل(174)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد: (أنت أخونا ومولانا)(175).
بمعنى أنه حتى في حال عدم علمكم بآبائهم لا يجوز لكم أن تنسبوهم لغير آبائهم، بل ادعوهم بقولكم إخواننا في الدين وموالينا؛ لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض(176).
وظاهر الآية أيضًا يدل على أنه يحرم على الإنسان أن يتعمد دعوة الولد لغير أبيه، وذلك محمول على ما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، وأما إذا لم تكن كذلك كما يقول الكبير للصغير: يا بني، فالظاهر عدم الحرمة، وظاهر الآية أيضًا أنه يباح أن يقال في دعاء من لم يعرف أبوه: يا أخي أو يا مولاي إذا قصد الأخوة في الدين والولاية فيه، بشرط ألا يكون المدعو فاسقًا فمثل هذا يدعى باسمه أو بـ يا عبدالله، أو يا هذا. ونحوه(177).
قال ابن كثير: «وأما دعوة الغير ابنًا على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نُهي عنه في هذه الآية»(178).
ولذوي الأرحام حق عظيم على الإنسان؛ إذ جعل الله تعالى لهم الأولوية على غيرهم، ومن هنا مدح الإسلام الذين يصلون أرحامهم ويتقون الله فيهم(179).
قال تعالى: ﮋ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﮊ [النساء: ١].
وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة: بالحلف(180)، والهجرة(181)، والتبني، والمعاقدة(182)183.
أي: ذوو القرابة من المسلمين بعضهم أحق بميراث بعض في حكم الله وشرعه من الإرث بالايمان والهجرة -كما كان في أول الإسلام- إلا أن تفعلوا -أيها المسلمون- إلى غير الورثة معروفًا بالنصر والبر والصلة والإحسان والوصية(184).
وولاية المؤمنين بعضهم بعضًا مستمرة، فلا مانع أن تفعلوا إلى من بينكم وبينهم موالاة ومناصرة معروفًا بالإحسان إليهم بالوصية والنصرة والبر والصلة وغير ذلك(185).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ويدخل في الآيتين(186)سائر الولايات من المناكح والأموال والعقل(187)والموت»(188).
والاستثناء في فعل المعروف واقع على من كان وليًّا للميت من المؤمنين والمهاجرين، ويكون المعروف وصية يوصى له حيث نسخ الميراث عنه إلى ذي الرحم(189).
ثانيًا: كفالة اليتامى:
المجتمع الإسلامي مجتمع متعاون على البر والخير، مجتمع يرى أن التكافل الاجتماعي هو القاعدة التي ينبغي أن يرتكز عليها هذا المجتمع، فعلى المسلمين أن يكفلوا ويراعوا مصالح الضعفاء في مجتمعهم، كما يراعون حقوق أقويائهم وأغنيائهم.
واليتامى بفقدهم آباءهم وهم صغار ضعاف، أحوج الناس إلى الرحمة والرفق بهم، والمساهمة الفعالة في تخفيف آلامهم، ودفع ما ينزل بهم من ضر وجور، فإكرام اليتامى فيه تقوية للأمة بإنشاء نشء على الخُلق القويم؛ لذلك:
حث الله تعالى على كفالة اليتامى والإحسان إليهم:
قال تعالى: ﮋﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﮊ [البقرة: ٨٣].
وقال تعالى: ﮋﯵ ﯶ ﯷﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌﮊ [البقرة: ٢١٥].
وقال تعالى: ﮋﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﮊ [البقرة: ٢٢٠].
وقال تعالى: ﮋﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮊ [النساء: ٢].
وقال جل شأنه: ﮋﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﮊ [البلد: ١١-١٥].
والإحسان إلى اليتامى ميثاق وعهد، أخذه الله على بني إسرائيل وليس خاصًّا بهم، بل هو ميثاق النبيين في كل العصور.
ولكن بني إسرائيل مع العهود والمواثيق لا يفون، فعلى المسلمين الحذر مما وقع فيه أولئك من مخالفة الميثاق وعدم الوفاء به(190).
ويجب الإحسان إلى اليتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات؛ جبرًا لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره، فكان من رحمة الله عز وجل وحكمته أن أوصى بالإحسان إليه(191)، فمن فقد أباه فقد انفرد في هذا الوجود، والأم وإن كانت هي الحانية العاطفة التي تغذيه بأنبل العواطف لا تحميه، وغالبًا لا تعوله، ولذلك لا تعوض حماية الأب وكلاءته(192).
عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وقال بإصبعيه السبابة والوسطى(193).
ففيه فضل رعاية اليتيم وكفالته، وإن أجر رعايته كبير، ومحبوب عند الله تعالى(194).
ويجوز خلط الولي ماله بمال اليتيم، ويجوز التصرف فيه بالبيع والشراء إذا وافق الإصلاح، ويجوز دفعه مضاربة إلى غيره، وجواز الاجتهاد في أحكام الحوادث؛ لأن الإصلاح الذي تضمنه الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد وغالب الظن، وفيه دلالة على أنه لا بأس بتأديب اليتيم وضربه بالرفق لإصلاحه(195).
فمن علم من نيته أنه مصلح لليتيم، وليس له طمع في ماله، فلو دخل عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس. ومن علم الله من نيته، أن قصده بالمخالطة التوصل إلى أكلها، فذلك الذي حرج وإثم، وهذه الرخصة لطف من الله تعالى وإحسان وتوسعة على المؤمنين(196).
وقد أمر أوصياء اليتامى بتسليم أموالهم إليهم، إذا هم بلغوا الحلم وأونس منهم الرشد، وتحريم استبدال الحرام من أموالهم بأموال الأوصياء الحلال لهم أو خلط أموالهم مع أموال اليتامى فتؤكل جميعًا، ففيه تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة، وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم؛ لأن تمام إيتائه ماله، حفظه والقيام به بما يصلحه وينميه وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار(197).
وإن مما يعين على تجاوز أهوال الآخرة ومشقاتها: إطعام الضعفاء في أيام المجاعات، قال قتادة: «في يوم يُشتهى فيه الطعام»(198).
فإن إخراج المال في وقت القحط والضرورة أثقل على النفس وأوجب للأجر، وخاصة إذا كان الإطعام لمن كان جامعًا بين كونه يتيمًا وفقيرًا ذا قرابة، فيجتمع فيه فضل الصدقة وصلة الرحم، وقيل: يدخل فيه القرب بالجوار كما يدخل فيه القرب بالنسب(199). قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنان صدقة وصلة)(200).
وقد نهى الله عز وجل عن إهانة اليتيم وقهره.
قال تعالى: ﮋﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮊ [الفجر: ١٥-١٧].
وقال عز وجل: ﮋﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮊ [الضحى: ٩].
وقال عز وجل: ﮋﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﮊ [الماعون: ١-٢].
فاوت الله تعالى بين أرزاق الناس لحِكم منشودة وامتحان مقصود(201)، كلا ليس الأمر كما يقول الإنسان الخاوي من الإيمان، ليس بسط الرزق دليلًا على الكرامة عند الله، وليس تضييق الرزق دليلًا على المهانة والإهمال، إنما الأمر أنكم لا تنهضون بحق العطاء ولا توفون بحق المال، فأنتم لا تكرمون اليتيم الصغير الذي فقد حاميه وكافله حين فقد أباه(202).
فقد لامهم الله تعالى على عدم اهتمامهم بأحوال الخلق المحتاجين، فأنتم لا تكرمون اليتيم، بل تهينونه، وهذا يدل على عدم الرحمة في قلوبكم وعدم الرغبة في الخير(203)، وترك إكرام اليتيم على وجوه، منها ترك بره، ودفعه عن حقه الثابت له في الميراث وأكل ماله، وأخذ ماله منه(204).
وقد نهى الله تعالى عن إساءة معاملة اليتيم، ونهره إذلاله وإهانته، والعبوس في وجهه(205)، فبعد أن عدّد الله تعالى نعمه على رسوله صلى الله عليه وسلم قال: ﮋﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮊ أي: لا يضيق صدرك عليه ولا تنهره، بل أكرِمه وأعطِه ما تيسر واصنع به كما تحب أن يُصنع بولدك من بعدك(206)، قال مجاهد: «لا تحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا»، وقال الفراء والزجاج: «لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه، وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم»(207).
وهذه التوجيهات إلى إكرام اليتيم والنهي عن قهره وكسر خاطره وإذلاله، من أهم إيحاءات الواقع في البيئة الجاحدة المتكالبة، التي لا ترعى حق ضعيف، غير قادر على حماية حقه بسيفه، فالله تعالى يغضب للاعتداء على حقوق عباده الضعاف الذين لا يملكون قوة ولا سيفًا يذودون به عن هذه الحقوق(208).
وقد وصف الله عز وجل المكذبين بيوم المعاد والجزاء والثواب، الذي لا يؤمن بما جاءت به الرسل بصفات؛ منها: دفع اليتيم بعنف وشدة ولا يرحمه لقساوة قلبه، ولا يطعمه ولا يُحسن إليه(209).
وحاصل الأمر في دَعِّ اليتيم أمور: دفعه عن حقه وماله بالظلم، وترك المواساة معه وإن لم تكن المواساة واجبة، وزجره والاستخفاف به والاضرار به(210).
وقد تكون هذه مفاجأة بالقياس إلى تعريف الإيمان التقليدي، إن الذي يكذّب بالدين هو الذي يدفع اليتيم دفعًا بعنف ويهينه ويؤذيه، فلو صدّق بالدين حقًّا، ولو استقرت حقيقة التصديق في قلبه ما كان ليدّع اليتيم، فالتصديق بالدين يدفعه إلى الخير والبر بإخوانه المحتاجين إلى الرعاية والحماية؛ لأن الله تعالى يريد مع الإيمان أعمالًا تصدقها(211). فالإيمان أخو العطاء والعدالة، وسورة الماعون ترفض العبادة الصورية، وترى أن إعانة محتاج شرط في الإيمان(212).
ثالثًا: بنوة الرضاعة:
قال تعالى: ﮋ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﮊ [النساء: ٢٣].
قوله: ﮋ ﮎ ﮏ ﮐﮊ هي في التحريم مثل الأم الحقيقية، فإذا أرضعت المرأة طفلًا حُرّمت عليه؛ لأنها أمه، وبنتها، لأنها أخته، وأختها؛ لأنها خالته، وأمها؛ لأنها جدته، وبنت زوجها صاحب اللبن؛ لأنها أخته، وأخته؛ لأنها عمته، وأمه؛ لأنها جدته، وبنات بنيها وبناتها؛ لأنهن بنات إخوته وأخواته(213).
وينتشر التحريم بالرضاع إلى ما حُرِّم بالنسب مع الصهر، إما من جهة نسب الرجل، كامرأة أبيه وابنه، أو من جهة نسب الزوجة، كأمها وابنتها، والجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها وخالتها(214)؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)(215).
والتحريم بالرضاع إنما يحصل إذا اتفق الإرضاع في الحولين(216)، ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره إذا وصل الأمعاء(217)وبذلك قال مالك وأبو حنيفة، وذهب الشافعي وأحمد في الصحيح عنه وابن حزم إلى أنه لا تحرِّم إلا خمس رضعات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحرّم الرضعة أو الرضعتان أو المصة أو المصتان)(218).
وهو اختيار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وسواء كان الرضاع من الثدي مباشرة أو بواسطة إناء يوضع فيه اللبن، فإذا رضع من أحدهما أو منهما جميعًا خمس رضعات ثبت التحريم(219).
والطفل الذي لا يكون له ولي يقوم برعايته يعهد القاضي به إلى رجل صالح يقوم على رعايته، وهذا هو الأصل في الإسلام بدل إيداعه في الملاجيء أو دور الرعاية.
ويستحب للفرد التقدم لطلب رعاية أحد هؤلاء وتربيته وتنشئته بحيث يتربى في أحضان الأسرة، بشرط أن لا يلحقه بنسبه، مع مراعاة أحكام الشريعة من حيث الاختلاط، وإن أمكن إرضاعه من إحدى المحارم لكان أولى؛ حتى يكون كأحد أولادهم من حيث الخلوة والمحرمية(220).
ودليل استحباب ذلك عموم قوله: ﮋﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﮊ [المائدة: ٢].
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)(221).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضًا) ثم شبّك بين أصابعه(222). ولأن ذلك يعينه في المستقبل، ويكفل للأمة الأمان من شر سوء تربيته.
ورد في فتاوى اللجنة الدائمة: «يجب على من كفل مثل هؤلاء الأطفال أن لا ينسبهم إليه أو يضيفهم معه في بطاقة العائلة؛ لما يترتب على ذلك من ضياع الأنساب والحقوق، ولارتكاب ما حرم الله، وأن يعرف من يكفلهم أنهم إذا بلغوا سن الرشد فإنهم أجانب منه كبقية الناس، لا يحل الخلوة بهم أو نظر المرأة للرجل أو الرجل للمرأة منهم، إلا إن وُجد رضاع محرم للمكفول، فإنه يكون محرمًا لمن أرضعته ولبناتها وأخواتها ونحو ذلك مما يحرم بالنسب»(223).
ومثل هذا الطفل الذي ينشأ في ظل أسرة يعرف قيمة التكافل في محيط الأسرة التي تقوم على عواطف الرحمة والمودة والتعاطف، والستر، والطهر، والحصانة، والميول الثابتة في الفطرة الإنسانية، كما تتشرب نفسه مجموعة من الآداب والأخلاق، وهي في صميمها آداب المجتع الإسلامي(224).
فرعاية المولود عمل إنساني كريم أمرنا به الإسلام، فيجب الحفاظ على وجوده، ومعاملته معاملة كريمة تقوم على الود والرحمة، وإرشاده، وتعليمه، وحمايته من الفقر والحاجة، ورعاية ضعفه وغربته.
والأطفال الذين يتربَّون في أُسَر ويكونون فيها بمنزلة الأبناء، لا يُعتبر هذا العمل من قبيل التبني؛ إنما هو من قبيل الرعاية الخاصة؛ لأن الأُسَر التي تضم هؤلاء الأطفال لا تعتبرهم منها دمًا ولحمًا ولا نسبًا ولا إلحاقًا، ولا يكون لهم حقوق الأبناء في حكم الشرع، فلا يثبت تحريم الزواج بهم، ولا يثبت لهم الميراث، ولا يثبت لهمم نفقة شرعية(225).
على أن تتولى دور الرعاية الإنفاق عليهم وزيارتهم من وقت لآخر، وكل ذلك لمصلحة الطفل وتربيته تربية صحيحة، تجعله مواطنًا صالحًا في مجتمعه، بدلًا من أن يكون عامل هدم لمجتمعه؛ لأنه لم يجد من يتكفل برعايته والعناية به.
| موضوعات ذات صلة: |
|---|
| الأبوة، الأمومة، البنوة |
موضوعات ذات صلة:
الأبوة، الأمومة، البنوة
الحواشي
- لسان العرب، ابن منظور ١٤/٨٩.
- الصحاح، الجوهري، ٦/٢٢٨٧، لسان العرب، ابن منظور ١٤/٩١. .
- حقوق الطفولة في الشريعة، هلالي عبدالإله أحمد ص ٧٨٩، المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية، عبدالكريم زيدان، ٩/٤٣٧.
- لسان العرب، ابن منظور ١٤/٢٦١.
- المصدر السابق.
- جامع البيان في مفردات القرآن، عبدالحميد هنداوى، ٣/١١٩٢، السراج في بيان غريب القرآن، محمد الخضيري، ص٢١٥.
- لسان العرب، ابن منظور ١٤/٢٦١- ٢٦٢.
- انظر: المصباح المنير، الفيومي ص١٩٥.
- مقاييس اللغة، ابن فارس ١/٣٠٣.
- مجمل اللغة، ابن فارس ١/٢٣٦.
- جامع البيان في مفردات القرآن، عبدالحميد هنداوي ١/١٢٩.
- المفردات ص١٤٧.
- انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ١٠/١٢٠.
- انظر: تاج العروس، الزبيدي ٢/٦.
- التوقيف ص٣٥، وانظر: مفردات غريب القرآن، الأصفهاني، ١/٧.
- انظر: التعريفات، ١/٧.
- انظر: الصحاح، الجوهري، ٥/١٨٦٣.
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٥/١٠٨.
- المعجم الوسيط،مجمع اللغة العربية ١/٢٧.
- تقريب وترتيب شرح العقيدة الطحاوية، خالد فوزي ١/١٠٨.
- العقيدة الصافية للفرقة الناجية، سيد سعيد ص ٣٣٠.
- قال تعالى: (ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ) [التوبة:٣٠].
- قال جل شأنه عن المشركين: (ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ) [النحل:٥٧].
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٨٨.
- انظر: جامع البيان، الطبري، ٢/٤٦١.
- تفسير سورة البقرة، ابن عثيمين، ١/١٦.
- جامع البيان، الطبري ١/٥٠٤.
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٨.
- نظم الدرر، البقاعي٤/٥٥٨.
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/٣٠٢، نظم الدرر، البقاعي ٤/٥٥٨.
- إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/٤٤٥.
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/٣٠٣، نظم الدرر، البقاعي ٤/٥٥٨.
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/٣٠٢، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/٤٤٥.
- إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/٤٤٥-٤٤٦.
- مدارج السالكين، ابن القيم ١ /٣٥.
- مباحث في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم ص ١٥٩.
- البداية والنهاية، ابن كثير ١/٢٣١.
- المصدر السابق ١/٢٣٢.
- المصدر السابق ١/٢٣٥.
- معالم التنزيل، البغوي، ٤/٢٢٥.
- انظر: المصدر السابق ٤/٢٢٥. زهرة التفاسير، أبو زهرة، ٧/٣٨١٣.
- جامع البيان، الطبري ١٣/٦٣.
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٢/٤٠٦.
- إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/٩٠.
- البداية والنهاية، ابن كثير ١/٢٣٥.
- المصدر السابق ١/٢٧٤.
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/٧.
- انظر: الكشاف، الزمخشري ٣/١٦٦،البداية والنهاية، ابن كثير ١/٢٧٦.
- الكشاف، الزمخشري ٣/١٦٩.
- تنظيم الإسلام للمجتمع، محمد أبو زهرة ص ٧.
- المصدر السابق ص ١٢٥.
- المصدر السابق ص١٤.
- ثبوت النسب، ياسين الخطيب ص ٣٣٥.
- في ظلال القرآن، سيد قطب، ٦/ ٥٣٥.
- تنظيم الإسلام للمجتمع، أبو زهرة ص ١٤.
- حالفه: أي: تحالفا بالأيمان أن يكون أمرهما واحدًا بالوفاء. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٩/٥٤.
- أسد الغابة، ابن الأثير ٤/٤٧٥-٤٧٨.
- المصدر السابق ٢/١٥٥-١٥٦.
- الروض الأنف، السهيلي ١/٢٨٦.
- تاريخ الإسلام، الذهبي ١/٣٣.
- أسد الغابة، ابن الأثير ٢/١٢٩-١٣٠.
- زاد المعاد، ابن القيم ٢/٤٣.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب ﮋﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮊ، ٩/٤٧١ رقم ٤٧٨٢.
- الرحيق المختوم، المباركفوري، ص ٦٥.
- تاريخ الاسلام، الذهبي ١/٣٣٠.
- انظر: زاد المعاد، ابن القيم ٢/٤٦. الرحيق المختوم، المباركفوري ص ١١٣.
- انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٢/٤٤٨، الروض الأنف، السهيلي ٢/٢٢٠.
- كانت في شعبان سنة ست من الهجرة. انظر: الرحيق المختوم، المباركفوري ص ٢٩٨.
- الطبقات الكبرى، ابن سعد ٢/٦٣.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب بعث النبي أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة، ٨/٣٠٨، رقم ٤٢٧٢. وهذا الحديث ورد في بعث أسامة، لكن ذكر ابن حجر العسقلاني في الفتح في شرح باب غزوة زيد بن حارثة هذا الحديث وعلق بأن الصواب هو زيد بن حارثة بلفظ: غزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا. انظر: فتح الباري ٨/٢٨٤.
- أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الله ابن عمر، كتاب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب زيد بن حارثة، ٧/٤٥٤، رقم ٣٧٣٠.
- السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، محمد أبو شهبة ٢/٤٢٧.
- جامع البيان، الطبري ١٩/١٠. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/١٤٣.
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٤/١٣٤.
- حدائق الروح والريحان، الهرري ٢٢/٤٠٥.
- إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/٣٠٧.
- التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين، ٦/٧٦-٧٧.
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/١٩٢، التفسير الموضوعي لسور القران الكريم، مجموعة مؤلفين ٦/٧٤.
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/١٤٤، نكت القرآن، القصاب ٣/٦٤١.
- في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/٥٣٦.
- سبق تخريجه.
- منحة الكريم الوهاب، سليمان اللاحم ص ٢١- ٢٢. ثبوت النسب، ياسين الخطيب ص ٣٣٦.
- جامع البيان، الطبري ١٩/١٢.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب ٥، ٧/٢٢٧، رقم ٣٥٠٨.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفرائض، باب من ادعى إلى غير أبيه، ١٣/٥٤٧، رقم ٦٧٦٨.
- تفسير آيات الأحكام، محمد السايس، ص ٦٢٨.
- الإفصاح عن معاني الصحاح، ابن هبيرة، ١/٣٣٧.
- انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/٥٣٥، تنظيم الإسلام للمجتمع، أبو زهرة ص١٢٧.
- أحكام اللقيط، عمر السبيل ص١٧٥.
- المفصل في أحكام المرأة، عبدالكريم زيدان ص٤٣٩.
- جامع البيان، الطبري ٢٢/٤٥٦.
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/١٤٥.
- مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/٢٥٤.
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/١٤٥.
- تفسير آيات الأحكام، السايس ص ٧٢٠.
- حرم الإسلام النكاح بأصناف من النساء هن سبع من النسب: الأمهات مهما علون، والبنات مهما نزلن، والأخوات، والعمات، والخالات سواء الشقيقات أو لأب أو لأم، وبنات الأخوة والأخوات مهما نزلن، ومثلهن من الرضاع. وسبع من المصاهرة: زوجات الأبناء، وقيد الله تعالى حلائل الأبناء بـ الذين من أصلابكم ليخرج الابن الدعيّ، فهذا تحل حليلته لمن تبناه، وذلك فائدة التقييد، وأمهات الزوجات، وبنت الزوجة المدخول بها، والجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. انظر: تفسير آيات الأحكام، السايس ص ٢٥٧، التفسير المنير، وهبة الزحيلي، ٤/٣١٢- ٣١٥.
- التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٦/٧٧.
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٥/١٤٧، منحة الكريم الوهاب، اللاحم ص٣٢-٣٣، تفسير آيات الأحكام، السايس ص٦٢٩-٦٣٠.
- تفسير آيات الأحكام في سورة النساء، سليمان اللاحم ١/٣٧٩.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، ٥/٥٨٠، رقم ٢٦٤٥.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، ٥/٥٨٠، رقم ٢٦٤٧.
- زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣/١٦٣٢.
- تفسير المراغي ٤/٣٩٣.
- انظر: التبني في الإسلام، يحيى الشامي ص ٣٧.
- انظر: مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي صلى الله عليه وسلم لزينب بنت جحش، زاهر الألمعي ص ٦٤.
- انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٣/٣١٢.
- انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/٥٩٥.
- انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٤/٣٤٤.
- انظر: المصدر السابق .
- انظر: منحة الكريم الوهاب، سليمان اللاحم ص ١١١.
- روح المعاني، الألوسي ١١/٢٠٤.
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٦٥.
- انظر: حدائق الروح والريحان، الهرري ٢٣/٢٩.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء. ١٥/٣٦١ رقم ٧٤٢٠.
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/١٨٣.
- أضواء البيان، الشنقيطي، ٦/٢٤١.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، ١٥/٣٦١، رقم ٧٤٢٠
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، ١٥/٣٦١، رقم ٦٤٢١.
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/١٧٠.
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٢/ ٣٧.
- انظر: نكت القرآن، القصاب ٣/٦٥٦.
- الإكليل في استنباط التنزيل، السيوطي، ص ٥١٥- ٥١٦.
- مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/٢١٢.
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٣/٧٨، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/٣٢٣.
- انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١٣/٢٦٦، منحة الكريم الوهاب، اللاحم ص١٢١.
- انظر: حدائق الروح والريحان، الهرري ٢٣/٣٣.
- انظر:التفسير المنير، الزحيلي ٢٢/٣٤-٣٥.
- انظر: النبوة والأنبياء، الصابوني، ص٩٧.
- انظر: نكت القرآن، القصاب ٣/٦٥٨.
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١/٢٣٢.
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/١٤٤.
- سبق تخريجه.
- انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/٥٩٤-٥٩٥.
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٢/٣٦.
- الأساس في التفسير، سعيد حوى، ٥/١٤٦.
- منحة الكريم الوهاب، اللاحم ص ١١٨.
- أيسر التفاسير، الجزائري، ٢/٧٤٩.
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب واثبات وليمة العرس، ٢/١٠٤٨، رقم٨٩.
- انظر: فتح الباري ٩/٤٧٩.
- سبق تخريجه.
- انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣/٢٦٢، أحكام القرآن، ابن العربي ٣/١٥٤١.
- جامع البيان، الطبري ١٩/١١٦.
- المصدر السابق ١٩/١١٥.
- روح المعاني، الألوسي ١١/٢٠٤.
- الرحيق المختوم، المباركفوري ص ٣٠٠-٣٠١.
- انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٣/١٥٤٣.
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/١٦٨.
- انظر نظم الدرر، البقاعي ٦/١٠٨.
- انظر: روح المعاني، الألوسي ١١/٢٠٤. أضواء البيان، الشنقيطي ٦/٢٤١.
- أحكام القرآن، ابن العربي ٣/١٥٤٤.
- انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/١١٥، معالم التنزيل، البغوي ٦/٣٥٥.
- انظر: مع المفسرين والمستشرقين، زاهر الألمعي ص٧٨.
- انظر: روح المعاني، الألوسي ١١/٢٠٤.
- محاسن التأويل، القاسمي ١٣/٢٦٩.
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/١٦٩.
- انظر: مع المفسرين والمستشرقين، زاهر الألمعي ص٨٩.
- انظر: آيات عتاب المصطفى صلى الله عليه وسلم في ضوء العصمة والاجتهاد، عويد المطرفي، ص٢٦٧-٢٦٨.
- انظر: فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، زكريا الأنصاري ص٣٣٩.
- شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، الصابوني ص٤٥-٤٩.
- فتح القدير، الشوكاني ٤/٣٤٥.
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٨/٢٢٩.
- انظر: جامع البيان، الطبري ١١/٥٥٦.
- انظر: أيسر التفاسير، أسعد حومد ١/٦٧٥.
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٧/٣٣٧٠-٣٣٧١.
- انظر: تفسير المراغي ٤/١٣٠.
- انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢٥٢- ٢٥٣.
- انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٣/٢٦٨.
- انظر: منهاج الصالحين، عز الدين بليق، ص٤٢٣-٤٢٤.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، ١٢/٥٠، رقم ٦٠١١، عن النعمان بن بشير.
- انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن، مجموعة مؤلفين ٦/٧٦.
- انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/١٢.
- انظر: روح المعاني، الألوسي ١١/١٤٦.
- انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٣/١٥٠٦.
- انظر: روح المعاني، الألوسي ١١/١٤٦.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان، ٥/٦٤٣، رقم ٧٦٩٩.
- انظر: منحة الكريم الوهاب، اللاحم ص٢٣.
- انظر: تفسير آيات الأحكام، السايس ص٦٢٧-٦٢٩.
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/١٤٤.
- انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٦/٨٠.
- فقد كان الرجل يقول لآخر: دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتُطلب بي وأطلب بك، فإذا فعلا ذلك ومات أحدهما كان للحي ما اشترط من مال الميت. انظر: تفسير المراغي ٢/١٦٢.
- فكان المهاجِر يرث من المهاجَر إليه، وإن كان أجنبيًّا عنه، إذا كان بينهما مخالطة وود ولا يرثه غير المهاجر وإن كان من أقاربه. انظر: تفسير المراغي ٢/١٦٢.
- كان الرجل من أهل الجاهلية يعاقد الرجل أي: يحالفه، فيستحق من ميراثه نصيبًا. انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١/٥٩١.
- انظر: أحكام القرآن، القرطبي ٥/٥٩، فتح القدير، الشوكاني ١/٥٥٣.
- التفسير الميسر، نخبة من العلماء، ص ٤١٨.
- منحة الكريم الوهاب، اللاحم ص٣٦.
- قال تعالى: (ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ) [الأنفال:٧٥]. وقال تعالى: (ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ) [الأحزاب:٦].
- العقل: الدية، وإنما قيل للدية: العقل؛ لأنهم كانوا يأتون بالإبل فيعقلونها بفناء ولي المقتول، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل دية: عقل، وإن كانت دنانير أو دراهم. انظر: لسان العرب، ابن منظور ١١/٤٦٠.
- مجموع الفتاوى ١٥/٤٤٣.
- انظر: نكت القرآن، القصاب ٣/٤٥.
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/٢٨٩-٢٩٢.
- انظر: تفسير سورة البقرة، ابن عثيمين، ٣/٤٤.
- زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/٢٩٢.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيمًا، ١٢/٤٨، رقم ٦٠٠٥.
- انظر: الشرح الميسر لصحيح البخاري، محمد علي الصابوني، ٥/١٣٠.
- انظر: الإكليل، السيوطي ص١٢٣-١٢٤.
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٧٦.
- انظر: المصدر السابق ص٣١٠.
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/٤٦٥.
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣١/١٨٥، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٥/٤١٨.
- أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزكاة، باب ماجاء في الصدقة على ذي القرابة ٣/٤٧. قال الترمذي: «حديث حسن».
- انظر: نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم، محمد الغزالي، ص ٥١٨.
- انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٨/٥٧٣.
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤١٣.
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣١/١٧٢.
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/٤٨٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٣٠.
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٣٠.
- انظر: معالم التنزيل، البغوي ٨/٤٥٧.
- انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٨/٦٠٤.
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/٥٤٧، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٦٢.
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣١/١١٣.
- انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٨/٦٧٩-٦٨٠.
- انظر: نحو تفسير موضوعي، محمد الغزالي ص٥٤٣.
- انظر: الجامع الأحكام القرآن، القرطبي ٥/ ١٠٤، الأساس في التفسير، سعيد حوى ١/٥٠٨-٥٠٩.
- انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب ٢/٤٤٢.
- سبق تخريجه.
- اختلف العلماء في رضاع الكبير، والراجح والله أعلم ما ذكره ابن القيم نقلًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية: «هو رخصة للحاجة لمن لا يستغني من دخوله على المرأة ويشق احتجابها، كحال سالم مولى أبي حذيفة، وأما ما عداه فلا». انظر: تفصيل المسألة في زاد المعاد ٤/١٧٦- ١٨٢.
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥/ ١٠٥.
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب في المصة أو المصتين، ٢/١٠٧٤، رقم ١٤٥١، عن أم الفضل.
- تفسير آيات الأحكام في سورة النساء، اللاحم ١/٤٠١.
- الفقه الميسر، مجموعة مؤلفين ٥/١٥٦.
- سبق تخريجه.
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا، ١٢/٦٤، عن أبي موسى، رقم ٦٠٢٦.
- فتاوى اللجنة الدائمة، جمع أحمد بن عبد الرزاق الدويش ١٤/٢٥٥.
- انظر: دستور الأسرة في ظلال القرآن، أحمد فايز، ص ٣٥٤- ٣٦٨.
- تنظيم الإسلام للمجتمع، أبو زهرة ص ١٢٩- ١٣٠.