وفى معناه:
حين أسلمتني لذال ولام... ألقيتنى فى عين وزاى «١»
[فصل] العبادة نزهة القاصدين «٢»، ومستروح المريدين، ومربع الأنس للمحبين، ومرتع البهجة للعارفين. بها قرّة أعينهم، وفيها مسرة قلوبهم، ومنها راحة أرواحهم. وإليه «٣» أشار صلّى الله عليه وسلّم بقوله: أرحنا بها يا بلال». ولقد قال مخلوق فى مخلوق:
يا قوم ثارى عند أسمائى... يعرفه السامع والرائي
لا تدعنى إلا بيا عبدها... فإنه أصدق أسمائى
والاستعانة إجلالك لنعوت كرمه، ونزلك بساحة جوده، وتسليمك إلى يد حكمه، فتقصده بأمل فسيح، وتخطو إليه بخطو وسيع، وتأمل فيه برجاء قوى «٤»، وتثق بكرم أزلى، وتتكل على اختيار سابق، وتعتصم بسبب جوده (غير ضعف) «٥».
قوله جل ذكره:
[سورة الفاتحة (١) : آية ٦]
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)
الهداية الإرشاد، وأصلها الإمالة، والمهدىّ من عرف الحق سبحانه، وآثر رضاه، وآمن به. والأمر فى هذه الآية مضمر فمعنا اهدنا بنا «٦» - والمؤمنون على الهداية فى الحال- فمعنى السؤال الاستدامة والاستزادة. والصراط المستقيم الطريق الحق وهو ما عليه أهل التوحيد. ومعنى اهدنا أي مل بنا إليك، وخذنا لك، وكن علينا دليلنا، ويسّر إليك سبيلنا، وأقم لنا هممنا، واجمع بك همومنا.
[فصل] اقطع أسرارنا عن شهود الأغيار، ولوّح فى قلوبنا طوالع الأنوار، وأفرد
(٢) وردت (القاصرين) [.....]
(٣) أي وإلى ذلك أشار
(٤) وردت (قومى) وهى غير مناسبة للمعنى.
(٥) إما أن تكون زائدة أو ينقصها حرف الجر في فتكون (فى غير ضعف) أو تكون (غير ضعف) (أساس البلاغة ص ٥٦٣) أي غير متكثر بالأسباب لجلب المال.
(٦) ويكون المعنى على هذا أقم فينا ما يجعلنا نهتدى به إليك، ولكن نرجح أن يكون قد وقع خطأ من الناسخ وأن الأصل (اهدنا بك) لأن ذلك يتفق مع مذهب القشيري وغيره من الصوفية حيث يعتبرون كل شىء يقع من العبد مرده إلى الحق سبحانه، فلا قدرة للعبد- وحده- على معرفة الله، ولا على الاهتداء إليه، وتدل الدلائل فيما بعد على ذلك مثل قوله (فنجدك بك). واما أن يكون الأصل (اهد بنا) أي- كما جاء فيما بعد- مل بنا.
قصودنا إليك عن دنس الآثار، ورقّنا عن منازل الطلب والاستدلال إلى جمع ساحات القرب والوصال.
[فصل] حل بيننا وبين مساكنة «١» الأمثال والأشكال، بما تلاطفنا به من وجود الوصال، وتكاشفنا به من شهود الجلال والجمال.
[فصل] أرشدنا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات، ويقع على وجه التوحيد غبار الظنون وحسبان الإعلال.
«اهدنا الصراط المستقيم» أي: أزل عنّا ظلمات أحوالنا لنستضىء «٢» بأنوار قدسك عن التفيؤ بظلال طلبنا، وارفع عنا ظل جهدنا لنستبصر بنجوم جودك، فنجدك بك.
[فصل] اهدنا الصراط المستقيم حتى لا يصحبنا قرين من نزغات الشيطان ووساوسه، ورفيق من خطرات النفوس وهواجسها، أو يصدنا عن الوصول تعريج فى أوطان التقليد، أو يحول بيننا وبين الاستبصار ركون لى معتاد من التلقين، وتستهوينا آفة من نشو أو هوادة، وظن أو عادة، وكلل أو ضعف إرادة، وطمع مال أو استزادة.
[فصل] الصراط المستقيم ما عليه من الكتاب والسنة دليل، وليس للبدعة عليه سلطان ولا إليه سبيل. الصراط المستقيم ما شهدت بصحته دلائل التوحيد، ونبهت عليه شواهد التحقيق. الصراط المستقيم ما درج عليه سلف الأمة، ونطقت بصوابه دلائل العبرة.
الصراط المستقيم ما باين الحظوظ سالكه، وفارق «٣» الحقوق قاصده. الصراط المستقيم ما يفضى بسالكه إلى ساحة التوحيد، ويشهد صاحبه أثر العناية والجود، لئلا يظنّه موجب (ببذل) «٤» المجهود.
(٢) وردت خطأ (لنصتضىء).
(٣) وردت (وفارن) فى ص، والأصح أن تكون بالقاف فالحظوط للعبد والحقوق للحق.
(٤) وردت (بذل) بدون باء والأقوى فى رأينا أن تكون بالباء وأن نقرأ موجب بفتح الجيم أي مستحق، وبذلك يتضح موقف القشيري من قضية هامة وهى هل يجب على الله أن يثيب المطيع؟ ولا يرى القشيري هذا الوجوب لأنه يربط كل عمل للعبد بالعناية الإلهية لا بالمجهود الإنسانى. وقد صدق الرسول (ص) حين قال: «ما منكم من أحد ينجيه عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدنى الله برحمته».
تفسير القشيري
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري
إبراهيم البسيوني