ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥ

والآية توضّح مسألة إرسال نوح عليه السلام كرسول لقومه، وعلى نوح الرسول أن يمارس مهمته وهي البلاغ، فيقول : .. إني لكم نذير مبين( ٢٥ ) [ هود ]. ونحن نلحظ أن همزة ( إن ) في إحدى قراءتي الآية تكون مكسورة، وفي قراءة أخرى تكون مفتوحة( (١) )، أما في القراءة بالكسر فتعني أن نوحا عليه السلام قد جاء بالرسالة فبلغ قومه وقال : .. إني لكم نذير مبين( ٢٥ ) [ هود ]، وأما في القراءة الأخرى بالفتح فتعني أن الرسالة هي : إني لكم نذير مبين( ٢٥ ) [ هود ].
فكأن القراءة الأولى تعني الرواية عن قصة البلاغ، والقراءة الثانية تحدد مضمون الرسالة : .. إني لكم نذير مبين( ٢٥ ) [ هود ].
والقراءة الأولى فيها حذف القول، وحذف القول كثير في القرآن، مثل قوله تعالى : والملائكة يدخلون عليهم( (٢) ) من كل باب( ٢٣ ) سلام عليكم بما صبرتم.. ( ٢٤ ) [ الرعد ].
وهذا يعني أن الملائكة يدخلون على المؤمنين في الجنة من كل باب( (٣) )، وساعة الدخول يقول الملائكة : سلام عليكم بما صبرتم.. ( ٢٤ ) [ الرعد ]، وقول نوح عليه السلام : .. إني لكم نذير مبين( ٢٥ ) [ هود ] : نعلم منه أن النذير-كما قلنا من قبل-هو من يخبر بشرّ لم يأت وقته بعد، وحتى يستعد السامع لملاقاته، وما دام نبي الله نوحا قد جاء نذيرا، فالسياق مستمر ؛ لأن الحق سبحانه قال في الآية التي قبلها : مثل الفريقين.. ( ٢٤ ) [ هود ] : أي : أن هناك فريقا عاصيا وكافرا وله نذير، أما الفريق الآخر فله بشير، بخير قادم ليستعد السامع أيضا لاستقباله بنفس مطمئنة.
والفريق الكافر الذي يستحق الإنذار، يأتي لهم الحق سبحانه بنص الإنذار في قوله تعالى :
أن لا تعبدوا إلا الله( (٤) ) إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم( ٢٦ ) :

١ قراءة الفتح قراها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي. قاله القرطبي في تفسيره (٤/٣٣٤٠) أي: أرسلناه بأني لكم نذير مبين..
٢ الضمير في (عليهم) عائد على أولي الألباب الذين وصفهم ربهم بصفات استحقوا بها دخول جنات عدن. قال تعالى:أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب(١٩) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقون الميثاق(٢٠) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب(٢١) والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار(٢٢)[الرعد]..
٣ للجنة أبواب، عدها بعض العلماء ثمانية أبواب، اتسدلالا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ-أو فيسبغ الوضوء-ثم يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبد ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" أخرجه مسلم في صحيحه (٢٣٤) من حديث عقبة بن عامر..
٤ وذلك أنهم كانوا يعبدون مع الله سبحانه أصناما، وهي التي ورد ذكرها في سورة نوح-آية ٢٣ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (٢٣)[نوح] وهم أسماء رجال صالحين، لما ماتوا عمل الناس على هيئتهم أصناما تذكرهم بأعمالهم، ثم تقادم الزمن فأصبحوا يعبدونها من دون الله.[انظر: تفسير ابن كثير ٤/٤٢٦]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير