قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد وهذه والناس معوذتا رسول الله ﷺ حين سحرته اليهود، وقيل إن المعوذتين كان يقال لهما (المقشقشتان) أي مبرئتان من النفاق، وزعم ابن مسعود أنهما دعاء تعوذ به وليستا من القرآن، وهذا قول خالف به الإجماع من الصحابة وأهل البيت. قُلْ أَعُوذُ بربِّ الفَلَقِ فيه ستة تأويلات:
صفحة رقم 373
أحدها: أن الفلق سجن في جهنم، قاله ابن عباس. الثاني: أنه اسم من أسماء جهنم، قاله أبو عبد الرحمن. الثالث: أنه الخلق كله، قاله الضحاك. الرابع: أنه فلق الصبح، قاله جابر بن عبد الله ومنه قول الشاعر:
| (يا ليلةً لم أَنَمْها بِتُّ مُرْتفقا | أرْعى النجومَ إلى أنْ نوَّرَ الفَلَقُ.) |
الله ﷺ بيدي ثم نظر إلى القمر فقال: يا عائشة تعوذي بالله من شر غاسقٍ إذا وقب، وهذا الغاسق إذا وقب. الثالث: أنه الثريا إذا سقطت، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عنذ وقوعها، وترتفع عند طلوعها، قاله ابن زيد. الرابع: أنه الليل، لأنه يخرج السباع من آجامها، والهوام من مكامنها ويبعث أهل الشر على العبث والفساد، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي، قال الشاعر:
| (يا طيْفَ هِنْدٍ لقد أبقيْتَ لي أرَقا | إذ جئْتَنا طارِقاً والليلُ قد غَسَقا) |
| (أعوذ بربي من النافثا | تِ في عِضَه العاضه المعْضِه) |
| (نَفَثْت في الخيط شبيه الرُّقَى | من خشيةِ الجِنّة والحاسدِ.) |
نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه، ) والنفث: النفخ في العقد بلا ريق، والتفل: النفخ فيها بريق، وفي شر النفاثات في العقد ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إيهام للأذى وتخيل للمرض من غير أن يكون له تأثير في الأذى والمرض، إلا استشعار ربما أحزن، أو طعام ضار ربما نفذ بحيلة خفية. الثاني: أنه قد يؤذى بمرض لعارض ينفصل فيتصل بالمسحور فيؤثر فيه كتأثير العين، وكما ينفصل من فم المتثائب ما يحدث في المقابل له مثله. الثالث: أنه قد يكون ذلك بمعونة من خدم الجن يمتحن الله بعض عباده. فأما المروي من سحر النبي ﷺ فقد أثبته أكثرهم، وأن قوماً من اليهود سحروه وألقوا عقدة سحره في بئر حتى أظهره الله عليها. روى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي ﷺ اشتكى شكوى شديدة، فبينا هو بين النائم واليقظان إذا ملكان أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: ما شكواه؟ فقال الآخر: مطبوب، (أي مسحور، والطب: السحر) قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي فطرحه في بئر ذروان تحت صخرة فيها، فبعث رسول الله ﷺ عمار بن ياسر فاستخرج السحر منها، ويروى أن فيه إحدى عشرة عقدة، فأمر بحل العقد، فكان كلما حل عقدة وجد راحة، حتى حلت العقد كلها، فكأنما أنشط من عقال، فنزلت عليه المعوذتان، وهما إحدى عشرة آية بعدد العقد، وأمر أن يتعوذ بهما. وأنكره آخرون، ومنعوا منه في رسول الله ﷺ وإن صح في غيره، لما في استمراره عليه من خبل العقل، وأن الله تعالى قد أنكر على من قال في رسوله حيث يقول: إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً. ومن شر حاسد إذا حسد أما الحسد فهو تمني زوال نعمة المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها، والمنافسة هي تمني مثلها وإن لم تزل، فالحسد شر
صفحة رقم 376
مذموم، والمنافسة رغبة مباحة، وقد روي أن النبي ﷺ قال: (المؤمن يغبط والمنافق يحسد.) وفي الاستعاذة من شر حاسد إذا حسد وجهان: أحدهما: من شر نفسه وعينه، فإنه ربما أصاب بها فعان وضر، والمعيون المصاب بالعين، وقال الشاعر:
| (قد كان قومُك يَحْسبونك سيّدا | وإخال أنك سيدٌ مَعْيونُ) |
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود