وَيُقْرَأُ بِضَمَّتَيْنِ، وَهُوَ مِثْلُ كِتَابٍ وَكُتُبٍ، وَرَسُولٍ وَرُسُلٍ.
(تَرَوْنَهَا) : الضَّمِيرُ الْمَفْعُولُ يَعُودُ عَلَى الْعَمَدِ ; فَيَكُونُ «تَرَوْنَهَا» فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ عَلَى السَّمَاوَاتِ، فَيَكُونُ حَالًا مِنْهَا.
(يُدَبِّرُ)، وَ (يُفَصِّلُ) : يُقْرَآنِ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ، وَمَعْنَاهُمَا ظَاهِرٌ، وَهُمَا مُسْتَأْنَفَانِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي سَخَّرَ، وَالثَّانِي حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «يُدَبِّرُ»..
قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِجَعَلَ الثَّانِيَةِ ; وَالتَّقْدِيرُ: وَجَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنِ اثْنَيْنِ، وَهُوَ صِفَةٌ لَهُ فِي الْأَصْلِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِجَعَلَ الْأُولَى، وَيَكُونُ جَعَلَ الثَّانِي مُسْتَأْنَفًا.
(يُغْشِي اللَّيْلَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ فِيمَا يَصِحُّ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَهِيَ: رَفَعَ، وَسَخَّرَ، وَيُدَبِّرُ، وَيُفَصِّلُ، وَمَدَّ، وَجَعَلَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الرَّفْعِ بِالِابْتِدَاءِ أَوْ فَاعِلِ الظَّرْفِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ «قِطَعًا مُتَجَاوِرَاتٍ»، عَلَى تَقْدِيرِ وَجَعَلَ فِي الْأَرْضِ.
وَ (وَجَنَّاتٌ) كَذَلِكَ عَلَى الِاخْتِلَافِ. وَلَمْ يَقْرَأْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَ «زَرْعًا» بِالنَّصْبِ وَلَكِنْ رَفَعَهُ قَوْمٌ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قِطَعٍ ; وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ. وَجَرَّهُ آخَرُونَ عَطْفًا عَلَى «أَعْنَابٍ» وَضَعَّفَ قَوْمٌ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ ; لِأَنَّ الزَّرْعَ لَيْسَ مِنَ الْجَنَّاتِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: قَدْ يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ زَرْعٌ، وَلَكِنْ بَيْنَ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَنَبَاتُ زَرْعٍ، فَعَطَفَهُ عَلَى الْمَعْنَى.
وَالصِّنْوَانُ: جَمْعُ صِنْوٍ، مِثْلَ قِنْوٍ وَقِنْوَانٍ، وَيُجْمَعُ فِي الْقِلَّةِ عَلَى أَصْنَاءٍ. وَفِيهِ لُغَتَانِ: كَسْرُ الصَّادِ وَضَمُّهَا وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا.
(تُسْقَى) الْجُمْهُورُ عَلَى التَّاءِ، وَالتَّأْنِيثُ لِلْجَمْعِ السَّابِقِ. وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ ; أَيْ يُسْقَى ذَلِكَ.
وَ
(نُفَضِّلُ) : يُقْرَأُ بِالنُّونِ وَالْيَاءِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَبِالْيَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ، وَ «بَعْضُهَا» بِالرَّفْعِ ; وَهُوَ بَيِّنٌ.
(فِي الْأُكُلِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِنُفَضِّلُ. وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ بَعْضِهَا ; أَيْ نُفَضِّلُ بَعْضَهَا مَأْكُولًا ; أَوْ وَفِيهِ الْأُكْلُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ) : قَوْلُهُمْ: مُبْتَدَأٌ، وَعَجَبٌ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
وَقِيلَ: الْعَجَبُ هُنَا بِمَعْنَى الْمُعْجِبِ ; فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ «قَوْلُهُمْ» بِهِ.
(أَئِذَا كُنَّا) : الْكَلَامُ كُلُّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِمْ، وَالْعَامِلُ فِي إِذَا فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ ; تَقْدِيرُهُ: أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا نُبْعَثُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِكُنَّا ; لِأَنَّ «إِذَا» مُضَافَةٌ إِلَيْهِ ; وَلَا بِجَدِيدٍ ; لِأَنَّ مَا بَعْدَ «إِنَّ» لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)).
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي