ﭓﭔﭕﭖﭗ

قال تعالى :
ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً * قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً
قلت : ذكر : خبر عن مضمر، أي : هذا ذكر، والإشارة للمتلو في هذه السورة ؛ لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر في حكم الحاضر الشاهد. وقيل : مبتدأ حُذف خبره، أي : فيما يُتلى عليك ذكر رحمت ربك. وقيل : خبر عن كهيعص ، إذا قلنا ؛ هي اسم للسورة، أي : المسمى بهذه الحروف ذكر رحمة ربك، و عبده : مفعول لرحمة ربك، على أنها مفعول لما أضيف إليها، أو لذكر، على أنه مصدر أضيف إلى فاعله على الاتساع. ومعنى ( ذكر الرحمة ) : بلوغها إليه، و زكريا : بدل منه، أو عطف بيان، و إذ نادى : ظرف لرحمة، وقيل : فذكْر، على أنه مضاف إلى فاعله، وقيل : بدل اشتمال من زكريا، كما في قوله : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ. . . . [ مريَم : ١٦ ].
يقول الحقّ جلّ جلاله : هذا الذي نتلوه عليك في هذه السورة هو ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا . قال الثعلبي :[ فيه تقديم وتأخير ]. أي : ذكر ربك عبده زكريا برحمته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : طلب الوارث الروحاني- وهو وارث العلم والحال - جائز ليبقى الانتفاع به بعد موته. وقيل : السكوت والاكتفاء بالله أولى، ففي الحديث :" يرحَم اللهُ أخانا زَكَرِيَّا، وَمَا كَان عَلَيْه مَنْ يَرِثُه " ٢ وقوله تعالى : نداء خفيًا .
الإخفاء عند الصوفية أولى في الدعاء والذكر وسائر الأعمال، إلا لأهل الاقتداء من الكَمَلَة، فهم بحسب ما يبرز في الوقت.
وقوله تعالى : ولم أكن بدعائك ربّ شقيًّا . فيه قياس الباقي على الماضي، فالذي أحسن في الماضي يحسن في الباقي، فهذا أحد الأسباب في تقوية حسن الظن بالله ؛ وأعظم منه من حسَّن الظن بالله ؛ لما هو متصف به تعالى من كمال القدرة والكرم، والجود والرأفة والرحمة، فإن الأول ملاحظ للتجربة، والثاني ناظر لعين المِنَّة. قال في الحكم :" إن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه، حسّن ظنك به لوجود معاملته معك، فهل عَوَّدَكَ إلا حَسَنًا ؟ وهل أسدى إليك إلا مننًا ؟ ".


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير