ثم ذكر مكالمته مع كليمه عليه السلام، فقال :
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُواءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى
قلت : وما : استفهامية، مبتدأ، و تلك : خبر، أو بالعكس، فما : خبر، وتلك : مبتدأ، وهو أوفق بالجواب. و بيمينك : متعلق بالاستقرار ؛ حالاً، أي : وما تلك قارةً أو مأخوذة بيمينك، والعامل معنى الإشارة. وقيل : تلك : موصولة، أي : وما التي هي بيمينك، والاستفهام هنا : إيقاظ وتنبيه له عليه السلام على مما سيبدُو له من العجائب، وتكرير النداء ؛ لزيادة التأنيس والتنبيه.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وما تلك بيمينك يا موسى ، إنما سأله ؛ ليريه عظيم ما يفعل بها ؛ من قلبها حية، فمعنى السؤال : تقريره على أنها عصي، ليتبين له الفرقُ بين حالها قبل قلبها وبعده، وقيل : إنما سأله ليؤنسه وينبسط معه، فأجابه بقوله : هي عَصَايَ .
وأما قوله تعالى : في حديث آخر مرفوعًا :" تمرري على أوليائي ولا تحلو لهم فتفتنهم عني " ٢، فالمراد بالمرارة : ما يصيبهم من الأهوال والأمراض وتعب الأسفار، وإيذاء الفجار وغير ذلك.
وقد يلحقهم الفقر الظاهر شرفًا لهم، لقوله صلى الله عليه وسلم :" الفقر فخري وبه أفتخر " ٣، أو كما قال عليه السلام إن صح. وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه : الحديث الأول : في الصالحين المتوجهين من أهل الظاهر، والثاني - يعني تمرري... الخ - في الأولياء العارفين من أهل الباطن. هـ. ويقال له أيضًا - إن تجرد وألقى الدنيا من يده وقلبه - : اضمم يدَ فكرتك إلى قلبك، تخرج بيضاء نورانية صافية، لا تخليط فيها ولا نقص، هي آية أخرى، بعد آية التجريد والصبر على مشاقه.
وقال في اللباب : اليد : يدَ الفكر، والجيب : جيب الفهم، وخروجها بيضاء بالعرفان. هـ. قال الورتجبي : أرى الله موسى من يده أكبر آية، وذلك أنه ألبس أنوار يد قدرته يد موسى، فكان يَدُ موسى يدَ قدرة الله، من حيث التخلق والاتصاف، كما في حديث :" كنت له سمعًا وبصرًا ولسانًا ويدًا " هـ. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي