كي نُسبحك كثيرًا ، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله : واجعل لي وزيرًا. . . الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث :" يد الله مع الجماعة " ١، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر : والجمع في الصلاة ؛ ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل : المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كُلاًّ منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر.
و كثيرًا : وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي : ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيهًا كثيرًا، أو زمنًا كثيرًا، ومن جملة ذلك : ما يدعيه فرعونُ الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية.
واجعل لي وزيرًا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيهًا كثيرًا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرًا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرًا. قال الورتجبي : قوله تعالى : اذهب إلى فرعون... الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم. فإن تكلمتُ لم أنطق بغيركم وإن صَمَتُّ فأنتم عَقْدُ إضماري
ثم قال : فطلب قوةَ الإلهية وتمكينًا قادريًا بقوله : ربِّ اشرح لي صدري ، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي : إذا كنتُ في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبًا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله :" إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة ". هـ. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي